الرئيسية / أضواء على / «المفضَّلة» لليوناني يورغوس لانثيموس: قصّة ملكة بريطانيا «المثلية» أثناء الحرب مع فرنسا

«المفضَّلة» لليوناني يورغوس لانثيموس: قصّة ملكة بريطانيا «المثلية» أثناء الحرب مع فرنسا

 سليم البيك
القدس العربي
20022019

بعد أفلام نالت استحساناً وترشيحات وجوائز كـ«دوغتوث» عام 2009، «ذا لوبستر» عام 2015، «قتل الغزال المقدس» عام 2017، نزل للمخرج اليوناني يورغوس لانثيموس مؤخراً، إلى الصالات الفرنسية والعالمية، فيلمه «المفضَّلة» بشكل ومضمون مختلفين تماماً عنهما في أفلامه السابقة، إذ عاد بنا إلى بدايات القرن الثامن عشر، وتحديداً إلى الملكة البريطانية آن، التي حكمت ما بين 1702 و1707، بحكاية شخصية على هامش الحرب مع فرنسا، بخلاف أفلام أخرى تركز في الموضوع التاريخي، على حكاية الحرب، وتكون الحكايات الفردية على هامشها.
نال الفيلم حتى اليوم تقييمات عالية وترشيحات لجوائز قد ينال معظمها، فتناوله للفترة التاريخية أتت فريدة، بإضافات لافتة لزوايا التصوير، للديكور، للأداء الواقعي، وتحديداً للتأثيرات الصوتية والموسيقى المرافقة. استخدام الصوت كان أقرب للتجريبية منه للكلاسيكية في فيلم يحكي فترة كلاسيكية من عمر أوروبا، أو بريطانيا تحديداً.


الفيلم “ذي فافوريت” من إنتاج بريطاني إيرلندي أمريكي مشترك. شارك في مهرجان فينيسيا السينمائي الأخير، ونال جائزة التحكيم الكبرى وكذلك جائزة أفضل ممثلة للبريطانية أوليفيا كولمن، التي أدت دور الملكة، وإن كان الأداء الألمع للأمريكية إيما ستون التي أدت دور الفتاة الشقراء الداخلة حديثاً إلى القصر. ونال كذلك في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية للأفلام جوائز أفضل فيلم بريطاني وأفضل سيناريو أصلي وخمس جوائز أخرى، وهو منافس على جائزة الأوسكار لأفضل فيلم.

تبدأ الشقراء في العمل مع خادمات القصر إلى أن تجد طريقة تتقرب بها من الملكة، تعيّنها قريبتها مساعدة لها، تكتشف الشقراء أن علاقة مثلية تقوم بين قريبتها والملكة، علاقة سرية، فتجد من ذلك وسيلة للتقرب أكثر من الملكة.

يبدأ الفيلم بحوار قصير نعرف منه أنّنا مع ملكة بريطانية أثناء الحرب مع فرنسا، ثم ننتقل إلى عائلة فقيرة في عربة، تقلّ الشقراء (إيما ستون) إلى القصر لتجد عملاً فيه، تقدم رسالة توصي بها للعمل، إلى إحدى قريباتها التي تعمل مساعدة شخصية للملكة، إنّما تقوم هي باتخاذ القرارات، وما تتخذه الملكة تكون هي المحفز الأساسي له. تبدأ الشقراء في العمل مع خادمات القصر إلى أن تجد طريقة تتقرب بها من الملكة، تعيّنها قريبتها مساعدة لها، تكتشف الشقراء أن علاقة مثلية تقوم بين قريبتها والملكة، علاقة سرية، فتجد من ذلك وسيلة للتقرب أكثر من الملكة فتتعمد النوم في سريرها عارية مرة، وتدليك ساقيها وأعضائها الحساسة مرة، وغيرها من اللحظات التي قد تبدو حميمية، إنّما قامت الشقراء بالترتيب لها كي تكسب مكانة أرفع في القصر. تشعر قريباتها بالغيرة، غيرة تتعلق بالحب والجنس وليس المكانة والمهنة، بعد قليل تدخل هذه الغيرة بتلك، وتشكل الشقراء تهديداً فعلياً على مركز قريبتها، التي تعرف كيف ترضي الملكة بعد علاقة طويلة بينهما. بعد فترة ستأخذ الشقراء مكان قريبتها وتحاول التخلص منها، تتطور الأحداث في هذا السياق كتنافس بين القريبتين على من تكون أقرب من الملكة، كعشيقة أولاً ومساعدة ثانياً.
في الفيلم، إضافة لما ذُكر أعلاه في ما يخص الشكل، نقاط قوة عدّة، تخص المضمون، فالفيلم أتى بتركيز أساسي على الحياة الشخصية للملكة آن، هي التي كانت المتن، والحرب كانت هامشاً بل سياقاً تاريخياً وحسب، والفيلم بحكايته نسوي بامتياز، إذ أن بطلاته الثلاث نساء، الملكة ومتصارعتان على الحكم، أو على المركز الاجتماعي المنال بالتقرب من الملكة، والرجال فيه إما متحرشون أو جبناء أو ساعون لحرب، وتشملهم دائماً الهيبوكريسي الأرستقراطية في ذلك الزمان والمكان.
الفيلم كوميدي بشكل واضح، وهذا جديد في الأفلام التاريخية، فهنالك صرامة ما تسيطر على عموم الأفلام التي تتناول أحداثاً تاريخية تعود بنا قرناً أو أكثر في التاريخ، هنا كان الفيلم بحواراته الذكية وجمله القصيرة وبالمفارقات كوميدياً بالمعنى الكلّي للكلمة، أي لم يكن فيلماً تاريخياً بموقفين أو ثلاثة قد يثيران ضحكاً، بل كان بعموم حكايته كوميدياً بالمعنى الساخر من حيث تناوله للأحداث.

لم يخرج الفيلم عن واقعيته إذ لم يقدّم شخصية شريرة وأخرى خيّرة، بل ما بدت بطلة خيّرة في البداية انتهت لتكون شريرة.

ولا ينتهي عند ذلك ما يمكن أن يميز الفيلم من حيث المضمون، بل هنالك عنصر أساسي في تطور حكايته، ومفتاح لتطور الشخصيات والعلاقات في ما بينها، وهي مثليّةُ الملكة، أما مساعدتها فقد لا تكون مثلية إنّما تتوسل ذلك للتقرب من الملكة – هي التي توقع عنها في معظم الوثائق وتحل مكانها في اتخاذ قرارات – وقريبتها الشقراء كذلك أغرت الملك بمثلية الأخيرة وتقربت منها، وإن لم تكن كذلك. فهذا الجانب في الملكة كان أساسياً لتطور أحداث الفيلم، وهي الساذجة والبسيطة محاطة بخدم ونساء ورجال كل ما يسعون له هو التقرب منها لامتياز ينالونه أو حتى مركز قرار.
أما من حيث الشخصيات فلم يخرج الفيلم عن واقعيته إذ لم يقدّم شخصية شريرة وأخرى خيّرة، بل ما بدت بطلة خيّرة في البداية انتهت لتكون شريرة، هي الشقراء التي ما كانت البراءة التي بدت عليها في النصف الأول من الفيلم إلا أسلوبا انتهازيا للوصول إلى ما أرادت، أما قريبتها القاسية الانتهازية بشكل أو بآخر، فلم تبد أخيراً إلا ضحية ألاعيب تلك.
الفيلم ممتع حكايةً وتصويراً ويستحق التقييمات العالية والترشيحات التي ما زال ينالها.

٭ كاتب فلسطيني ـ سوريا

اضف رد