الرئيسية / أخبار الاقتصاد / المفاوض اللبناني في وضع صعب

المفاوض اللبناني في وضع صعب

يخوض لبنان أهمّ مفاوضات مالية دولية في تاريخه. إنها أهمّ بما لا يُقاس من المفاوضات المثلثة الأطراف، اللبنانية السورية الفرنسية، التي أفضت في كانون الثاني 1948 إلى استقلال لبنان النقدي.

فعلى نتيجة المفاوضات التي بدأت مع صندوق النقد الدولي قد تتقرّر إمكانية إحياء النظام المالي اللبناني المنهار وإنقاذ الدولة من الإفلاس. على الأقلّ هذا ما تتوخّاه الحكومة من مفاوضاتها الجارية مع الصندوق.

ورغم أهمّية المفاوضات الجارية والصعوبات المحيطة بها، تتوالى العوامل والتطوّرات التي تعقّد مهمّة المفاوض اللبناني وتدفعها إلى حدود الفشل. أوّل العوامل وأبرزها هي انقسام الجانب اللبناني وخلافه العلني، على مرأى من ممثلي الصندوق، حول الأرقام الواردة في خطّة الحكومة اللبنانية. فمصرف لبنان لا يعترف بتقديرات الخطّة لخسائره، الناتجة بصورة أساسية عن توقّف الدولة عن تسديد ديونها، والهندسات المالية، وسياسة تثبيت سعر الصرف.

هذا الخلاف “بين أبناء البيت الواحد” سيؤدّي إلى تأخير المفاوضات، لأن استمرار التباين بين أرقام الدولة وأرقام مصرف لبنان سيجعل صندوق النقد حكما بين الطرفين، فيأخذ وقته للتدقيق في الأرقام ومصادرها حتى يتبنّى منها ما يراه هو مناسبا.

الحقيقة أن هذا الخلاف حول تقييم الخسائر لا يعني الطرفين المختلفين بشكل محصور، وزارة المالية ومصرف لبنان، بل يهمّ القطاع المالي بأسره، وبالتالي فهو يهمّ كل البلد.

فهناك اعتقاد واسعٌ بأن تقدير الخسائر في الخطّة جاء قاسيا ومبالغا فيه،

لأن الخطّة نظرت إلى الأرقام من أسوأ مقارباتها، ولم تميّز بين مخاطر بالليرة ومخاطر بالعملات الأجنبية وتعاملت مع الديون كأنها تستحقّ كلها اليوم. وكأن مصرف لبنان والمصارف وزبائن المصارف والدولة، كلهم مفلسون وقيد التصفية.

وقد نتج عن هذه المبالغة نتيجة خطيرة وهي تصفية النظام المصرفي اللبناني فورا، عن طريق “شفط” كلّ أمواله الخاصّة و”تشليح” كبار المودعين نسبة كبيرة من ودائعهم، مما يؤدّي إلى زعزعة الثقة المحلية والإقليمية بهذا النظام بعد قصّة نجاح دامت 170 سنة.

هذا غيضٌ من فيض العوامل التي لا تساعد على تسهيل مهمّة المفاوض اللبناني. فإلى جانبها برزت، في توقيت غير مناسب، شحنات الفيول المغشوش التي كشفت، من جهة، غموض العقد بين الشركة المورّدة والدولة، ومن جهة أخرى العلاقة المشبوهة بين وكلاء الشركة وبين موظفين في القطاع العام، مما أدّى إلى توقيف 20 موظفا في وزارة الطاقة ومنشآت النفط.

وقد تزامن هذا الحدث، وما أثاره من جدالات، مع انطلاقة المفاوضات مع صندوق النقد، الذي اندمجت مساعداته المفترضة مع مساعدات “سيدر”، مثلما اندمجت شروطهما، ومن أبرزها الحوكمة ونظافة الإدارة والشفافية في الصفقات العمومية وتلزيم المشاريع.

وصادف، في نفس الوقت، صدور قرار مجلس الوزراء بتكليف وزير الطاقة والمياه مهمّة التفاوض مع الشركات لتوقيع مذكرة تفاهم بشأن تمويل وإنشاء معملين للطاقة الكهربائية في الزهراني ودير عمار، بدل أن تسند هذه المهمّة إلى إدارة المناقصات وفقا للأصول.

يضعف هذا القرار المستجدّ قدرة المفاوض اللبناني على إقناع الجهات الدولية بأن الدولة سلكت طريق الإصلاح في إدارة الصفقات العمومية كما تطالب تلك الجهات بإلحاح.

ستساعد هذه الخطوة على تذكير المفاوض الدولي بجسامة مشكلة الكهرباء التي كلّفت الاقتصاد اللبناني ومالية الدولة حوالي 47 مليار دولار بين سنتي 1992 و2019، أي ما يعادل 48 بالمئة من الدين العام. ومن أصل هذا المبلغ أنفق الفريق السياسي الذي ينتمي إليه الوزير الحالي للطاقة حوالي 35 مليار دولار منذ تسلّمه الوزارة دون انقطاع منذ نهاية سنة 2008.

يعزّز هذا الواقع الانطباع السائد في الداخل والخارج بأن الدولة اللبنانية لا تملك الرؤيا ولا التصوّر ولا العزيمة لتحقيق الإصلاح، وأن قرار الإصلاح الحقيقي لم يُتّخذ بعد.