الرئيسية / home slide / المعهد الألماني للأبحاث الشرقية في بيروت يحتفي باليوبيل الماسي: “واحة إنسانيات في زمن الأزمات”

المعهد الألماني للأبحاث الشرقية في بيروت يحتفي باليوبيل الماسي: “واحة إنسانيات في زمن الأزمات”

09-12-2021 | 00:00 المصدر: “النهار”

جودي الأسمر

فيلا مود فرج الله.

A+A-أحيا “#المعهد الألماني للأبحاث الشرقية” (OIB) يوبيله الماسي بنشاطات أكاديميّة يوميّ الخميس والجمعة الماضيين في فيلا مود فرج الله في زقاق البلاط، من خلال برنامج وفير بالنقاشات المتمعّنة في إشكاليات عربية وإسلاميّة، تضمّن حلقة حول “فائض الدراسات الاسلاميّة” وأخرى عن العلاقة بين “الدراسات الاسلاميّة واللاهوت الإسلاميّ” في ألمانيا. وكرّمت المناسبة شخصيّات وباحثين برتبة “بروفيسور” واكبوا المعهد على مدى عقود وأثروا مكتبته والمكتبة الاسلامية والمشرقية عموماً بكتب ومنشورات بحثيّة رصينة، وهم أسعد خير الله، ميشال جحا، رضوان السيد، عبد الرؤوف سنو وسعاد سليم. 

وفيما كانت المداخلات تتفاعل بين قاعة وحديقة المعهد الخلّابة، يلقي الزائر عند دخوله نظرة على التاريخ التأسيسيّ للمعهد موثقاً بالصور والكتب، فيتماهى من قلب الأزمة البيروتية مع القيّمين على المعهد في شعورهم “إننا في بيتنا، حتى في أكثر الأوقات شدّة”.

ومنذ العام 2003، ينتمي المعهد إلى مؤسسة ماكس فيبر- وهي مؤسسة ألمانية تدير معاهد للعلوم الإنسانية في الخارج. وتُموّل الوزارة الفيديرالية الألمانية للتعليم والأبحاث هذه المؤسّسة الأكاديمية المستقلّة.

ولعلّ في تجربة المديرة الحاليّة للمعهد، البروفيسورة #بيرجيت شابلر تكثيف لرواية المعهد على طول العقود الستة المحتفى بما حملته من انتاجية فكرية ومنح وفرص للأكاديميين، فواجهت شابلر الخضات المتلاحقة التي تحلّ بلبنان بمرونة لم تحد عنها ليبقى المعهد مثلما أراد أن يكون “واحة إنسانيات في زمن الأزمات”.

يمكن القول أنّ ظروف العمل الّتي أحاطت بمهامّ شابلر تحولت منذ اللحظة الأولى إلى متاهة تعجيزيّة. 

ما إن بدأت مهامها في تشرين الأول 2019، حتى اندلعت الانتفاضة التشرينية، تلتها جائحة “كورونا”، التي تقاطعت مع أزمة سياسية جرفت معها المال والاقتصاد والأمن، وانحلال تدريجي للقطاع التربوي، مروراً بكارثة 4 آب الإنسانية التي لا تزال بيروت تتعافى منها بشراً وحجراً. لكن، “مذهل إلى أيّ حد يهتمّ أهالي بيروت بإعادة إعمار مدينتهم: كيف أعيد إعمارها بالفعل وكيف التقى أو تصادم المشهد مع توقعاتهم. دار حديث محموم حول إعادة بناء الأحياء ما بعد الحرب والدمار الأخير في بيروت، وكذلك من منظور مُدني عالمي جراء كوارث كبرى مثل انفجار هيروشيما”، في إشارة من مديرة المعهد نحو الحديقة المحاذية لمكتبها. “فضاء النقاش لم يُغلق. بقيت الحوارات وورش العمل نشطة بين أكاديميين وباحثين من لبنان وألمانيا وغيرهم ممن يحضّرون ويهتمون بالدراسات الشرق أوسطية والبحوث الاسلامية واللغة وال#ثقافة العربيتين. حتى في زمن كورونا، لم يتوقف النبض، وساعدتنا الحديقة في كونها مجالاً مفتوحاً”.

استطاع المعهد إحاطة إشكاليات متصاعدة مع الأزمة اللبنانية من خلال “مقاربات مجتمع بحثيّ مؤلف من أكاديميين وطلبة دكتوراه وباحثين في مرحلة ما بعد الدكتوراه، وتشارك أوراقهم البحثية في مؤتمرات محلية ودولية، وقوام المعهد في بيروت اليوم هو 30 عاملاً وباحثاً”.

وشغلت المنشورات الأخيرة للمعهد دراسات في الفلك المدُني، عالجت في مشروع “إعادة إعمار أحياء الحرب”، العاملين المادي والاجتماعي في الترميم وأيضاً في علاقة الناس مع الحيّ والأحياء المتجاورة في ما بينها، وذلك تحت مظلّة بحثية بعنوان “علاقات”، أرستها البروفيسورة شابلر في عام 2017 في برنامج يغطّي خمس سنوات. 

وإذ تتشابك هذه القضيّة مع تداعيات انفجار مرفأ بيروت، أعدّ المعهد دراسة متعدّدة عن الانتفاضة الشعبية وهي بداية المنعطفات التي تشكّل الوضع الراهن، “وستصدر قريباً في كتاب عنوانه الأولي “الانتفاضة اللبنانية في 17 تشرين الأول 2019″، و”يفرد حيزاً هاماً لمشاركة المرأة في الثورة والسياسية، وكذلك ثورة الفنون واستعادة لبنانيين للمساحات العامة وفي طليعتها ساحة الشهداء، التي اتخذت دوراً إجتماعياً جديداً تبيّن أنّه أكثر انسجاماً مع تصوّرهم لإعادة بنائها في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية”، وفق تعبير الباحثة الّتي استندت إلى مشاهدات ميدانية مسهبة ومحادثاتها مع متظاهرين وفنانين مشاركين، “انطبعت عندي هذه التظاهرة بإعجاب هائل”، تقول بيرجيت شابلر التي شهدت مخاضاً تاريخياً في إعادة بناء لبنان، وهي كانت عايشت المرحلة الأولى، حين وطأت بيروت في عام 1991 وهي تنتفض من تحت ركام الحرب الأهلية.

في سياق مرتبط، اقتنص فريق عمل المعهد احتفالية اليوبيل الألماسي لمفاجأة بيرجيت شابلر بتكريمها مع الباحثين المذكورين. وتشرف ثالث امرأة على رأس المعهد وأستاذة تاريخ الشرق الأوسط في جامعة إرفورت، على “زمالة دراسيّة بين طلاب جامعة إيرفورت وطلاب جامعتي القديس يوسف والروح القدس الكسليك وعنوانها: تاريخ وسوسيولوجيا الشرق الأوسط من زاوية بيروت”.

بيروت والمعهد و140 ألف كتاب

هذه الدينامية التبادلية ليست جديدة على المعهد إنما ركيزة تأسيسه في عام 1961 من قبل جمعية المستشرقين الألمان، فـ”في ذلك الوقت، كان الباحثون الألمان ينشدون التفاعل مع أقرانهم ومع الجامعات في الشرق الأوسط، ووصولاً أسرع للمخطوطات التي يريدون الاطلاع عليها وترجمتها أو تحريرها”.

حينذاك، رسا الاختيار على بيروت بعدما كان من المحتمل تأسيس المعهد في دمشق أو القاهرة، لأنّ “بيروت كانت تعيش عصر الستينيات الذهبية في الفكر والنشر، وهي مركز للمثقفين والتنوع الفكريّ، إضافة الى التسهيلات الحكومية الّتي سرّعت التأسيس. والمعهد الألماني للأبحاث الشرقية في بيروت هو واحد من عشرة معاهد في العلوم الانسانية أسستها ألمانيا في العالم، والوحيد في المنطقة العربيّة”، كما “يضمّ مكتبة تحتوي على أكثر من 140 ألف كتاب ومرجع في العلوم الإنسانية، وهي بذلك تعتبر المكتبة الأكبر في الإنسانيات على مستوى لبنان”.

وأقامت احتفالية اليوبيل الالماسي معرضاً للكتب والمخطوطات الأقدم التي تحتويها المكتبة، وبعضها يرقى للقرن السابع عشر، وأولى الكتب التي تلقّاها هبات، بما فيها قاموس هانز فير الشهير للغة العربية- الالمانية، ومجموعة “ألف ليلة وليلة”، والطبعة السريانية للعهد الجديد مع ترجمة لاتينية، ومؤلفات إسلامية وأدبية موغلة في التاريخ.

والجدير بالاشارة أنّ توسّع المكتبة شكّل الدافع الأساسي لانتقال المعهد من مقرّه الأول في شقة من بناية الصمدي، بالقرب من فندق البريستول، إلى فيلا مود فرج الله في زقاق البلاط.ونستقي من رواية تأسيس المعهد تناصّاً بين تاريخه الخاص وتاريخ بيروت ولبنان: أخيراً في الأضرار الجسيمة التي لحقت به جراء انفجار 4 آب 2020 ثمّ ترميمه واستئنافه النشاط، وبدءاً من انتقال المعهد في 20 حزيران عام 1964 كاملاً إلى فيلا مود فرج الله، بتسهيل من وزير الخارجية الأسبق ومصمم العلم اللبناني هنري فرعون، وبتمويل من الجمعية الشرقية الألمانية التي اشترت الفيلا “لقاء مبلغ 350 ألف ليرة”، بحسب البروفيسور المُكرّم ميشال جحا (91 سنة) الذي التقيناه في الحديقة وهو أوّل المواكبين للمعهد منذ بداية تأسيسه التي تزامنت مع حيازته الدكتوراه وعودته من ألمانيا.

“كانت المنطقة تعيش أجواء الوحدة المصرية-السورية، وأذكر أنّ دمشق كانت الخيار الأوّل لتأسيس المعهد باعتبارها عاصمة عربية أصيلة، فيما بيروت تتمتّع بهوية كوسموبوليتية. لكن دمشق كانت تشترط رئيساً سورياً للمعهد فاستقر الاختيار على بيروت، فضلاً عن امتيازاتها في الرحابة الفكرية في البحوث والطباعة والنشر، وتسهيلات إدارية كانت مدعومة من وزارة التربية لأنّ لا وزارة ثقافة في لبنان في ذلك الوقت”.

تدخل الفيلا في رواية استقلال لبنان، “أذكر جيداً كلماتي للبروفيسور رومر، مؤسس المعهد “هنا طُبخ الاستقلال”. فالسيدة مود فرج الله كانت سيدة صالون فكري وسياسي وأدبي، وكان الجنرال سبيرز الذي هندس الاستقلال وساعد لبنان على التحرر من الانتداب الفرنسي، أحد أقرب أصدقائها وجاراً للقصر ومن الرواد المهمّين للصالون، وصار يُعرف الشارع المحازي للمعهد باسمه”.

تلك كانت الأيام الخوالي لبيروت الثقافة والنشر، و”المعهد الألماني للأبحاث الشرقية” شهدها وساهم بها، ولا يزال يحتوي التحديات القاسية التي يصطدم بها الأكاديميون في لبنان. وفرة وبقعة ضوء في مشهد ثقافي مُنهك.