المعنيّة والشهابيّة صنيعتا جينات لبنان الكبير

قصر فخر الدين الكبير (أرشيف “النهار”).

“أتمنى لكم التوفيق مع الدعاء إلى الله أن يستمر هذا العيش معاً في الجبل الذي نعتبره العمود الفقري للحياة اللبنانية. الجبل بخير، لبنان كله بخير، حتى الشمالي البعيد والجنوبي البعيد. الجبل هو قلب لبنان النابض والعمود الفقري الذي علينا أن نحميه معاً ولدينا تاريخ طويل من التعاون مع أخوتنا الموحدين الدروز منذ أيام فخر الدين حيث بدأ يتأسس الكيان اللبناني الذي وصل إلى الأول من أيلول 1920”. هذا ما كان جزءاً من حوار دار بين البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي وأعيان من المشايخ الدروز الذي استقبلوه قبل أيام في زيارة إلى بلدة كفرقطره الشوفية. كلمة ليست محض مصادفة زمانية، ولعل صدى عبارات البطريرك تتزاوج مع مدوّنات التاريخ التي لا بد من استحضارها وفلفشتها اليوم تحديداً مع ندى أيلول المبشّر بالدخول في أجواء المئوية الأولى لدولة لبنان الكبير.

موقف البطريرك كان له وقعه في أذهان أبناء الجبل الذي منه بدأت الحكاية، ومنه أيضاً تبدأ رحلة العودة إلى لبنان الكبير الحقبة التي ولدت من انصهار جيني بين حقبات عدة سبقته مساهمة في ولادته. إذ سمح التراكم التاريخي الذي تركه قادة الفكر والدين والسياسة بالمطالبة بدولة لبنان الكبير، وقد أظهرت الكتابات اللبنانية في القرنين التاسع عشر والعشرين أنه كان ثمة تطلع واضح إلى لبنان بطريقة من الطرق. وكان اللبنانيون يخشون المطالبة الفورية بالاستقلال، لكنهم لطالما بحثوا عن تمايز الجبل السياسي. وتبلور عنصر التمايز الفطري الأول في القرنين السادس عشر والسابع عشر، في مرحلة كانت تشهد بحث المجموعات التي تشعر بتمايزها عن صيغ للتحرر.

وتمثل التمايز الذي سعى خلاله أهالي جبل لبنان إلى الحفاظ على خصوصيتهم، بالثورة على العثمانيين التي ما لبثت أن ترجمت عبر تحلّق الموارنة والدروز وبعض السنة والشيعة حول الأمير فخر الدين المعني الكبير. وينطبق المنطق نفسه على الشهابيين الذين أوكلت إليهم الدولة العثمانية الالتزام في جبل لبنان. وبذلك، ظهرت شرارة التمايز الأولى مع أبناء الجبل في حقبة الإمارة المعنية واستمرت مع الأمراء الشهابيين السنة الذين بحثوا عن تأمين خصوصية للجبل، قبل أن يعتنقوا المارونية ويستكملوا سياسة أسلافهم. ودعم الموارنة الإمارة الشهابية بكل قوتهم، ودفعوا الضرائب مساهمة في دعم الإمارة التي شكلت حماية للموارنة والدروز. ويذكر من المساهمات التي تولاها الشهابيون، معركة الأمير منصور الشهابي التي خاضها في مواجهة والي الشام للاحتفاظ بالبقاع.

ومن هنا، يختصر مدير كلية الآداب في الجامعة اللبنانية – الفرع الثاني المؤرّخ مروان أبي فاضل عبر “النهار” شريط أحداث مدخل لبنان الكبير بالمحطات الآتية: “تمثلت شرارة التمايز الأولى بالثورة الدرزية على العثمانيين في القرن السادس عشر، وما لبثت أن امتدت الشرارة إلى حقبة فخر الدين الكبير التي انبثقت فيها فكرة التعايش بين الطوائف، فالإمارة الشهابية وصولاً إلى القائمقاميتين التي هي صيغة سيئة قسمت الجبل، لكنها مثلت تمايزاً عن الدولة العثمانية الكبرى، وصولاً إلى المتصرفية، سلطة سياسية أنشأها الغرب نتيجة أرضية سمحت بالمطالبة بسلطة سياسية من الموارنة والدروز. وتطور كيان المتصرفية وتبلورت أفكار ضمنه مع بروز الحاجة إلى سواحل ومرافئ في المرحلة الممتدة بين 1860 و1914، حيث بدأت المناداة بصيغة ديموغرافية أوسع وبالسير على خطى الأوروبيين الذين تبنوا مفهوم الدولة”.

ويتناول أبي فاضل “الظرف التاريخي المتجسّد بالحرب العالمية الأولى المدمرة التي أبادت شريحة كبيرة من سكان الجبل. ونتج عن الحرب انسحاب العثمانيين، بعد حضور دام قرابة 400 سنة في المنطقة”. ويروي أن “قادة الرأي وجدوا الفرصة سانحة لتحويل الكيان الذي نشأ في المتصرفية بعد تراكم تاريخي، إلى دولة شبيهة بالدول الأوروبية ولديها قدرة على التطور والتمدن والاستقلال والعلم والثقافة والازدهار الاقتصادي”.

وإذا كانت هذه الظروف، ساهمت في نشأة دولة لبنان الكبير سنة 1920، فما الإضافة التي أتاحها لبنان الكبير مقارنة بالإمارتين المعنية والشهابية؟ يجيب أبي فاضل أن “مفهوم الحدود لم يكن راسخاً في ظل الإمارتين. فوصلت حدود الإمارة في عهد فخر الدين الكبير إلى تدمر، واقتصرت على أقضية كسروان والشوف وبعبدا وجبيل مع أمراء آخرين. وبذلك، يعتبر الجبل نواة الإمارة الأساسية، لكنها كانت تتوسع أو تضيق وفقا لقوة الأمير وحالة الدولة العثمانية. واعتبرت الإمارة دائماً سلطة متمتعة بالحكم الذاتي من ضمن الدولة العثمانية، أما دولة لبنان الكبير، فتم الاعتراف بها في مؤتمر سان ريمون وهي تتمتع بحدود واضحة. وكانت النواة السكانية تقوم سابقاً على التعايش الماروني – الدرزي، فيما ضم لبنان الكبير مناطق ساحلية في ظل تنوع طائفي أوسع”.

ولا يغيب عن المشهد أيضاً البعد الحضاري. فإذا كان لبنان الإمارة اعتمد على الجبل بشكل أساسي، إلا أن لبنان الكبير زاوج بين الجبل والساحل والداخل. وهنا يجدر التصويب على المجاعة التي ضربت جبل لبنان، بحسب أبي فاضل، وأسبابها “الافتقار إلى السهول الداخلية والساحلية، ما يعني أن العامل الاقتصادي كان أساساً في البحث عن مقومات واسعة، فضلاً عن التأثر بالفينيقيين الذين ضموا الساحل”.

وتقود هذه التفاصيل إلى استنتاج واضح مفاده أن الإمارتين المعنية والشهابية كانتا صنيعتين لجينات دولة لبنان الكبير، التي أنهت جوراً عثمانياً على أبناء جبل لبنان دام لقرون… فكيف ترجم هذا الانسلاخ عن العثمانيين ولماذا لا يزال حتى اليوم مادة جدلية لبنانية؟

Majed.boumoujahed@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*