الرئيسية / مقالات / المعنى المنسي لبنانيّاً (و…) للانتخابات الفرنسية

المعنى المنسي لبنانيّاً (و…) للانتخابات الفرنسية

 

  • جهاد الزين
  • 13 حزيران 2017

    تعيد الانتخابات التشريعية الفرنسية الاعتبار، أو على الأقل تعيد تذكيرنا، أن أحد أهم أدوار الانتخابات، ليس التنافس الديموقراطي على السلطة، وحده، بل هو إعادة تشكيل الحياة السياسية، إعادة تجديدها.

في بعض الطائفيّات اللبنانية، الطائفية كمساحة سياسية من نظام “فدرالية” الطائفيات، نسينا أن في الانتخابات ربحاً وخسارة. فلدى السنة والشيعة والدروز منذ ربع قرن لا انتخابات فعلية بسبب مجموعة من العوامل الوصائية والأمنية والمالية والشعبية يجري عبرها تعيين الفائزين، ولا أحتاج للتكرار أن التعيين لا يعني أن هذه القوى المسيطرة داخل كل طائفة ليست شعبية. العكس صحيح. ولكنها إلغائية بأشكال تفوق شعبيتها حتما. وحدها الحالة المسيحية منذ العام 2009 تستعيد تنافسية الانتخابات وتعدديتها.

لكن ما هو أوسع من التنافسية أن الانتخابات مناسبة لتجديد الحياة السياسية. في فرنسا أمس الأول الأحد أعيد تشكيل المشهد السياسي الفرنسي الذي تحكم ثنائيتُه فرنسا منذ الستينات بين حزب يمين وسط ديغولي وحزب يسار وسط ميتراني وبينهما وحولهما أحزاب وسطية وأحزاب أكثر يمينية أو يسارية.

هذا المشهد تغيّر مع تقدم قوة لم تكن موجودة منذ عامين تتجه نحو تكريس أكثرية ساحقة في الدورة الثانية ربما تجاوزت الأربعماية مقعد هي حزب الرئيس الجديد مانويل ماكرون الذي استطاع أن يقنع الناخب الفرنسي بأن وصفته التحديثية الوسطية بين يمين ويسار تستحق إعطاءها فرصة السعي للنجاح. مقابل ذلك شبه انهيار للحزب الاشتراكي وتراجع بل هزيمة كبيرة للجمهوريين وتقدم لتكريس تحالف يساري أكثر راديكالية مكان الحزب الاشتراكي وثبات حول الـ14 بالماية لليمين المتطرف لا نعرف إذا كانت ستمكنه في الجولة الثانية من تحقيق كتلة 15 نائبا في الجمعية الوطنية وهو رقم الحد الأدنى للسماح بتشكيل كتلة برلمانية في النظام الفرنسي… وطبعا بين النتائج “استقرار انهياري” للحزب الشيوعي.

لا يملك مراقب من العالم الثالث، ومن لبنان بالأخص، ترفَ تحليل الانتخابات الفرنسية في وقت ينتمي فيه إلى دولة مهدَّدة دائما بالانهيار وتحكمها طبقة سياسية تحت شعار يومي هو خطر الانهيار تارة الأمني وتارة الاقتصادي واليوم يُضاف إلى ذلك خطر الانهيار الاجتماعي مع تزايد الفلتان الفردي والعصاباتي داخل كل طائفة، خصوصا الطوائف المسماة “أساسية”، مما يُحدِث توازنا في الرعب الاجتماعي “غير السياسي” من البقاع إلى الجبل إلى الساحل إلى الجنوب. وقد وضعتُ تعبير غير السياسي بين مزدوجين لأني من الرأي القائل أن فلتان السلاح هو جزء لا يتجزّأ من نظامنا السياسي.

لا يملك إذن مراقب من العالم ثالث ترف الكلام عن فرنسا من دون مقارنة مباشرة وسريعة بأوضاعنا حتى لو كان هناك عشرات آلاف اللبنانيين من حاملي الجنسية الفرنسية والمشاركين في الاقتراع وحتى لو كان لهذا المراقب عشرات الأصدقاء والأقرباء من هؤلاء وبينهم ابنتان وشقيقة!

إذن ما تضيفه أو تعيد إضافته الانتخابات الفرنسية التشريعية هذه المرة إلى الثقافة السياسية في العالم هو فكرة قدرة الانتخابات على رسم خارطة جديدة أو متجددة للحياة السياسية في حال كان النظام الانتخابي مفتوحا على تمثيل إرادة القوى الجديدة في المجتمع.

لا يأتي شيء من فراغ. فلا وجود لماكرون والماكرونية من دون تاريخ طويل لليسار واليمين والوسط (سبق للوسط الأقرب لليمين أن أتى في السبعينات من القرن الماضي بفاليري جيسكار ديستان للرئاسة) ولكن هذه الانتخابات، هي حصيلة تفاعلات عالمية في الاقتصاد والثقافة السياسية لم يكن ممكنا من دونها أن تتشكّل حالة مانويل ماكرون التي تصبح الآن ليس رئيسا فقط بل حزبا سياسيا يحمل معه خطر غياب أي معارضة فعالة داخل البرلمان. وواحدة من التعليقات التي لفتت نظري هو تعليق صحيفة “ليبراسيون” بأنه بينما كان يبدو أن فرنسا تستعيد الجمهورية الرابعة (المتفتتة الأحزاب) إذا بنتيجة الأمس تعطي دفعة هائلة لتماسك الجمهورية الخامسة. هذا يعني إذا صحت هذه الملاحظة أن التغيير في الحياة السياسية لا ينسف النظام القائم بل يقوّيه.

هكذا هي فرنسا القلقة في العولمة وفي الاقتصاد والثقافة و”الأوربة” تدخل في مغامرة تغيير لا سيما في مجال السعي لتحديث نظام التضامن الاجتماعي والتشغيلي فيها بما يضعها أمام اختبار كبير وخطر. وهذا أهم ما في الماكرونية سواء لمؤيديها أو لمعارضيها. وأمس على التلفزيون كادت وزيرة سابقة اشتراكية تنعى العدالة الاجتماعية الفرنسية وهي تصنّف الماكرونية على أنها حقبة سيطرة التكتلات المالية الكبرى؟

من لبنان الذي يستعد لصفقة نظام انتخابي من المبكر الحكم عليه، أي من المبكر الحكم على “صفقائيّته”، تأتينا الانتخابات التشريعية الفرنسية بتجديد لفكرة تجديد بل تغيير الحياة السياسية.

jihad.elzein@annahar.com.lb

اضف رد