الرئيسية / home slide / المعنى الجديد للوطنية اللبنانية

المعنى الجديد للوطنية اللبنانية

24-11-2020 | 00:00 المصدر: النهار

جهاد الزين

المعنى الجديد للوطنية اللبنانية

 قرأتُ مؤخرا في كتاب إيزابيل هاردمان: “لماذا “نحصل” على السياسيين الخطأ” ( why We Get the Wrong Politicians – منشورات: Atlantic books – London) وهو كتاب حول الحياة السياسية البريطانية وتمثيلها البرلماني وثقافتها السياسية، والصادر عام 2018 ، ملاحظة للكاتبة تُميِّز فيها بين “الحركات الجماهيرية” وبين ” الحركات التمثيلية” ولا تعتبر الفئتين متشابهَتَيْن في معنى التمثيل . أعتقد بالروحية التي تنطوي عليها ملاحظة هاردمان أن ثورة 17 تشرين اللبنانية أحدثت بوضوح هذا الفارق بين الطابع الجماهيري للأحزاب السياسية الطائفية اللبنانية وبين غياب طابعها التمثيلي بالمعنى الأشمل والأعمق للكلمة. فهي في الأساس ناقصة التمثيل الوطني كأحزاب طائفية ولكن حتى في نطاق الطائفة الواحدة أو المجموعة الدينية فهي ناقصة أو غير مكتملة وأفضِّل القول هنا هي مشوّهة التمثيل. إنه ليس فقط الفارق الذي يجسّده انفصال النخبة الواسعة والجديدة للطبقة الوسطى والطبقات الأعلى التي باتت متضررة وخائفة من الخطر الشديد الذي يشكّله الانهيار البيروقراطي للدولة اللبنانية ومعه انفكاك بيئات فقيرة باتت مُفْقَرة ومجوّعة، بل هو أيضا اتساع ما يمكن أن نسمّيه الشيزوفرينيا الاجتماعية القيميّة في المجتمع اللبناني. نحن على أبواب تحولات آتية في بنية التكتلات السياسية اللبنانية تحت ضغط الأزمات المتفاقم، فالسيول الاقتصادية والاجتماعية تجرف في طريقها وهي ترج أسس البلد، أسس الاستقطابات السياسية التي يعتقد أصحابها أنهم بمنأى عنها. وهذا، أي هذا المنأى، صحيح مؤقتاً. ولو طال المؤقت أو بدا طويلاً.قرأت على الفايسبوك أو ربما سمعتُ على إحدى شاشات التلفزة اللبنانية فكرةً لم أعد أذكر كاتبها أو قائلها، وأعتذر منه عن هذا النسيان، وهي أن الدولة اللبنانية باتت دولةً تشكّل خطرا على شعبها. طبعاً ما كان لهذه المقولة أن تجد وَقْعَها النفّاذ في النقاش العام لولا انفجار 4 آب في مرفأ بيروت، مع أن مظاهر الانحلال البيروقراطي للدولة اللبنانية سابقة للانفجار وقد سبق لجيل بكامله من نخبة واسعة من شباب لبنان أن أطلق صفارة احتجاج في المنعطف الشهير في حياتنا العامة الذي صار اسمه 17 تشرين. لا زال البعض، ومنهم سياسيون أو مصرفيون، يعتبر 17 تشرين منعطف انهيار وكأن تلك الثورة النخبوية الواسعة هي سبب الانهيار. على أي حال البلد يعج بالوقاحة كما تعج الشوارع بالنفايات. وإذا كان بعض الرسميين لا يتحلّون بالصمت الذي يجب أن يكون، على الأقل، هو علامة الوقار االأولى أمام العجز الشامل الذي يكشفه التحلل البيروقراطي الخطير للدولة، والمترافق مع عجز النظام السياسي عن توليد الآليات المطلوبة للمعالجة، فإن السؤال اليوم هو متى ستحصل الكارثة الكبرى الثانية التي لا نعرف كيف ستأتي ومن أين إلا أن الجميع بانتظارها. سرقة ودائع المصارف وتهريب الأموال إلى الخارج ليست أقل اقتصاديا واجتماعيا ووطنياً من كارثة انفجار المرفأ إنسانيا وسياسيا وعمرانيا. شمولية كل انفجار منهما، و “انفجار” الودائع طال مليونا وسبعمائة ألف حساب مصرفي حسب إحصاءات تبنّتها جمعية المصارف نفسها أي مدخرات أكثرية من الشعب اللبناني، لأن مئات الآلاف من الحسابات ولو كانت لأفراد فهؤلاء أرباب عائلات، كذلك جزء كبير من الشعب السوري وبعض المودعين العرب وفي الحالتين اللبنانية والسورية من طبقات مختلفة، في لبنان أكثر تنوعا وفي سوريا أكثر ميسوريّةً. 

لم يعد بالإمكان استعادة الثقة بالتركيب الراهن للقطاع المصرفي في الجيل الراهن من النشاط الاقتصادي اللبناني. ولذلك هي كارثة وطنية إذا لم نقل وجودية، يتحمّل أصحاب المصارف المختبئون بالمعنى الحرفي للكلمة وراء طبقة سياسية مهترئة وفاقدة للمصداقية وللفعالية مسؤولية تاريخية فيها وأعتقد أنه يجب توجيه حيِّز مهم من الدراسات السوسيولوجية للبحث في تكوين هذه الطبقة المصرفية وأسباب تصرفها المشين في تهريب أموالها إلى الخارج بهذه الخفة والسرعة. لا تستطيع 17 تشرين أن تفعل أكثر مما فعلت وهو الإسقاط العميق أخلاقيا للنظام السياسي القوي. أبعد من ذلك يقف الجميع حائرا: الجيل الشاب والسفارات الغربية ولكنْ هناك “قطاع” ثالث بالغ الأهمية والقدرة على الفعالية هو الدياسبورا اللبنانية في الخارج التي تجد نفسها عاجزة عن إيجاد السبل والمؤسسات القادرة على وَصْلِها، أي الدياسبورا، بعملية إنقاذ البلد. لقد اعتقدت الدياسبورا، وأسمح لنفسي هنا أن أتحدث بلغة عقل جَماعي أفترضه وهو موجود في الخارج الغربي ومتعدد الطوائف بشكل مثير للإعجاب وهو أقل بل معدوم التأثّر بسلاسل الزبائنية المحلية التي يحتقرها ( عدا بعض الاستثناءات) وهو ليس أصلا بحاجةٍ إليها ويفوقها إمكاناتٍ حصل عليها بكفاءاته الأصلية في دول غربية محترمة. نقترح على هيئات 17 تشرين النشطة والمفكّرة أن تولي قضية التفكير بمؤسسات جديدة رابطة بين الأنشطة “الثورية” ضد الطبقة السياسية اللبنانية وحلفائها في الداخل والخارج. أعرف طبعا، ولو أني لست محيطا بدقة، أن هناك محاولات من هذا النوع، وقد ظهر بعضٌ منها خلال مجريات الحراك المدني خلال العام المنصرم ومنها مثلا فكرة منصة دولية لملاحقة أموال الفساد اللبنانية المهرّبة تعمل وتضغط إذا استطاعت، مع وعلى بعض الحكومات الفاعلة في هذاالمجال كالحكومة السويسرية لتقديم معلومات كافية عن الأسماء الصريحة. لم نعد نسمع شيئاً عن هذه المبادرة الهامة حتى لو كانت عينة من عينات. الاقتراح الثاني، وأعتذر عن لغة النصح، الذي أقدمه للكثير من ناشطي الثورة هو أن لا تربكهم إعلامياً مسألة العلاقة بالسفارات. هذه مسألة يجب أن تكون صريحة لأن الدول الغربية، بمعزل عن بعض تعقيدات العلاقة، هي حليف طبيعي وضروري ضد هذه الحفنة من السياسيين الفاسدين والعملاء الذين كانت الأموال المتدفقة عليهم من كل أنواع السفارات الغربية جزءا من الأموال المنهوبة في العقود الماضية. كتبتُ في أواخر العام الماضي أن ” المؤامرة” التي ينسبونها وراء 17 تشرين، وكانت في ذروة نشاطها كتحركات شارعية هي ” مؤامرة مبارَكة”. لماذا لا تُسأل أحزاب السلطة عن الموازنات التي تلقّتها وتتلقّاها من جهات خارجية ولا استثناء في ذلك. السؤال المركزي هنا المطروح على عقول وإرادات 17 تشرين هو هل يمكن بناء سياسة اعتراضية “تمثيلية” لكل فئات المجتمع اللبناني وطوائفه تواجه الادعاءات “الجماهيرية” لأحزاب التفتّت الدولتي؟ لكن سأفترض نظريا أن 17 تشرين في بداياتها أسّست لفصل ناجح “حاصر” ادعاءات “الجماهيرية” الطائفية والتدميرية لصالح “التمثيلية” البنّاءة والوطنية حين تعني كلمة “وطنية” كل ما هو إنقاذي في القرن الحادي والعشرين الذي وَصَلَنا به شباب 17 تشرين حتى وهم يهاجرون.

 j.elzein@hotmail.comTwitter: @ j_elzein