الرئيسية / أضواء على / المعترضون على السياسات البيئية مسؤولون أيضاً

المعترضون على السياسات البيئية مسؤولون أيضاً

كما تتحمل السلطة والأحزاب والتيارات السياسية الممثلة في الحكومات مسؤولية سوء إدارة الموارد (الطبيعية والوطنية) وتلويث البيئة وتهديد أسس الحياة… كذلك تتحمل منظمات وخبراء وناشطو المجتمع المدني مسؤولية سوء المعارضة وقلة التنظيم وانعدام التفاهم على المبادئ والبدائل والمراقبة والمحاسبة وحسن التمثيل اثناء الاعتراض او التفاوض.

ليس أدلّ على ذلك من ضعف الاعتراضات، مؤخراً، على أخطر المشاريع غير المستدامة التي يدخلها لبنان، مثل الاكتفاء بالمطالبة الشكلية بالشفافية في مشاريع التنقيب عن النفط والغاز بدل البحث في المبررات الاستراتيجية لهذا الخيار، والتركيز – في الاعتراض على مشاريع سدود المياه السطحية – على احتمالات تسبّبها بالزلازل بدل التأكيد بأنها تخالف قوانين الطبيعة، وطرح استخدام المياه الجوفية بدل التركيز على عدالة التوزيع وترشيد الاستخدامات وضبط الهدر والسرقة، ناهيك عن أن خلفية الاعتراضات على بعض المواقع المحددة للسدود هي على قيمة الاستملاكات وليس على مبدأ سد مجرى مياه يجب أن يستمر بالجريان!
كذلك الامر بالنسبة الى الاعتراض على خيار المحارق للنفايات بدل التركيز على مبدأ تجنب المخاطر والتخفيف كأولوية حتى على الفرز، والمطالبة بالكهرباء 24/24 بدل الاعتراض على الهدر وطرق إنتاج الطاقة غير النظيفة، والاعتراض الاستنسابي على قطاع المقالع والكسارات والمرامل وشركات الترابة… وغيرها الكثير مما لم يعد يدخل في اجندات ما يسمى «المجتمع المدني». وآخر مثل مؤسف على ذلك هو سوء التنظيم وانعدام التفاهم عشية ندوة عُقدت في مكتبة مجلس النواب، مؤخراً، حول سد بسري. ففي وقت ليس معلوماً كيفية اختيار المشاركين من الناشطين والخبراء المعترضين في الندوة، كان من الاجدى قبل القبول بالمشاركة والتفاوض وعرض الافكار (على افتراض حسن نية الداعين) أن تجتمع الجهات المعارضة وتحدّد المبادئ والرؤية والموقف والاولويات والمعطيات والبراهين والمطالب والتصورات والبدائل… وتقسيم العمل والتعبير عن الموقف، كل بحسب علمه وخبرته واختصاصه، من الاستراتيجيات الى الخطط والتفاصيل التقنية الى الآثار الاقتصادية والبيئية والاجتماعية…
في كل الملفات المذكورة أعلاه، خاضت الجهات غير الحكومية معاركها بالمفرق، وباستنسابية ومناطقية وفردية… وبما لا يساعد في كسب ثقة المجتمع الذي تدعي تمثيله، ولا في كسب احترام الخصم في السلطة. لا بل إن البعض – الأنشط ربما – وبسبب هذا الضعف في التنظيم، قام باتفاقات جانبية وعقد تحالفات مع جهات يفترض أن لا تكون معه في الخندق نفسه، مما ساهم في ضياع الهوية والقضايا والثقة. هكذا، بات البعض، من الناشطين في المجتمع المدني، يلعبون أدواراً عدة ومتناقضة ولا توحي بالثقة، بين ادعاء تمثيل المجتمع والقطاع الخاص معاً، أو الترشح على لوائح السلطة والأحزاب التقليدية في الانتخابات البلدية او النيابية!
وهناك، اليوم، من ينشد تحالفاً استثمارياً مع شركات دولية ودول تقرر سياساتها شركات كبرى تستبيح كل شيء وما بقي من موارد، وتتسلح بقوانين يتم تحضيرها من قبل كبار المستثمرين وخبرائهم وتمريرها في الحكومة والبرلمان، مع استبعاد المعترضين الجديين عن النقاشات والشاشات المملوكة من اطراف السلطة نفسها. ولا شك في أن هؤلاء تسعدهم كثيراً معارضة سطحية وشكلية وتسووية وفردية ومتفردة.
اللعبة باتت مكشوفة والخيارات باتت محدودة، في ظل ازمة حكم معطوفة على ازمة اقتصادية خطيرة، وأزمة بيئية وجودية.
لذلك هناك مسؤولية تاريخية على من يستشعر المخاطر على الحيز العام والموارد والبيئة وحقوق الإنسان والاجيال القادمة ويدعي تمثيل المجتمع، لتجميع القوى والاتفاق على الحد الأدنى من المبادئ والقضايا واختيار القوى الممثلة لهذه التحالفات وايجاد آلية دائمة للتشاور والتداول وصناعة الرؤية والرأي. وهذه المهمة يفترض أن تتطهر من عقدة ضرورة إيجاد تمويل او البحث عن ممولين، مع اعادة الاعتبار الى العمل التطوعي الهادف والتمويل الذاتي.
أهمية تجميع القوى أنه مقدمة لوضع مبادئ عامة وبرنامج شامل (وبرامج مخصصة مفصلة)، وفرصة للخروج من الفرديات وضبط إمكانيات الشرود المادي والفكري، ولكي لا نصل الى نتائج مخجلة بانتهاء القضايا مع انتهاء تمويلها، كما حصل في حملات منع التدخين في الأماكن العامة التي توقفت رغم عدم احترام قانون المنع!
كما أنها فرصة للخروج من التخصصية القاتلة، كأن تعتبر جمعية متخصصة بمكافحة حرائق الغابات، مثلاً، أنها غير معنية بمكافحة تلوث شركات الاسمنت، أو أن لا يهتم من يكافح تلوث شركات معينة بمتطلبات النظام الاقتصادي… مما يستدعي التشبيك مع قوى اخرى تهتم بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية والثقافية والتربوية والنقابية…
بالتأكيد ليس الهدف من تجميع القوى المعترضة على معظم الاستثمارات الكبرى والمتوسطة هو تعطيل كل شيء، بقدر ما هو محاولة لقلب الأولويات وإعادة النظر في السياسات، والتركيز على أهداف أكثر تواضعاً وشمولاً وعدالة (بالمعنى الحقوقي الذي يشمل الاجيال القادمة وبالمعنى البيئي والمناخي والاجتماعي ايضا).

اضف رد