الرئيسية / home slide / المعارض السوري العميد الطيار أسعد الزعبي: إيران أمسكت كلياً بالبندقية في درعا وروسيا أمام واقع عسكري جديد في إدلب

المعارض السوري العميد الطيار أسعد الزعبي: إيران أمسكت كلياً بالبندقية في درعا وروسيا أمام واقع عسكري جديد في إدلب

حاورته: رلى موفق
القدس العربي
10102021

يسرد المعارض السوري العميد الطيار أسعد الزعبي بكثير من التفاصيل الواقع الحالي في جنوب سوريا، وما حصل أخيراً في درعا. يرى أن تفاهماً جديداً حلَّ محل اتفاق2018 الذي كان وليد تفاهم روسي- أمريكي- إسرائيلي- أردني. كان الهدف من ذلك الاتفاق إبعاد إيران وميليشياتها عن المنطقة الجنوبية، فإذا بتفاهمات اليوم تجعلها مصدر التحكّم بالبندقية في الجنوب السوري، من خط الجولان المحتل وصولاً إلى البادية، إنما بقيود روسية حيال جيرانها لاسيما إسرائيل والأردن.


وهو إذ يرى أن إيران لن تخرج من سوريا إلا بتشكيل تحالف دولي ضدها، يعتبر أن خروجها يعني نهاية النظام الإيراني.
في رأيه أن أهل حوران- وهو ابن تلك المنطقة- أخطأوا عندما قبلوا بتجزئة الاتفاق، وكانت قوتهم في وحدة كلمتهم التي قالوا فيها: إما اتفاق يشمل منطقة حوران بالكامل أو التهجير الكامل، لكنهم لم يحسنوا الاستفادة من «ورقة الهجرة الجماعية» التي كانت ستُجبر الروس على السير بقرارهم

حين يتحدث العميد الزعبي عن الشمال السوري، يرى أن كلاً من فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان استطاع أن يُظهر في القمة الروسية- التركية ما يضمره. فكل منهما أكد للآخر أنه لن يسمح بإدلب. ولكن أياً منهما لن يغامر عسكرياً خوفاً من الخسارة، ذلك أن خسارة إدلب بالنسبة لأردوغان هي خسارة النظام التركي المتمثل بـ»حزب العدالة والتنمية»، وخسارة إدلب بالنسبة إلى روسيا هي خسارتها سوريا. وهنا نص الحوار.

* ماذا حصل في درعا؟
** لفهم ما حصل في درعا، لا بدّ من التوقف عند خلفية الموضوع. قبل حصار درعا البلد، حصلت انتخابات لبشار الأسد، ورفضت محافظتا درعا والقنيطرة كلياً فتح أي صندوق في أي قرية والسماح بإجراء انتخابات للأسد في المنطقة الجنوبية لأن أبناءها لا يعترفون به. لم يستطع النظام إرغامهم على ذلك رغم كل الضغوطات التي مارسها من اعتقالات واغتيالات وتهجير، ولا أن يُجبرهم على القبول بشرعيته أو قبول انتخابه. هذه هي الصورة الأولى. أما الصورة الثانية، فهي أن الكثير من التعليقات والتصريحات الإعلامية تمحورت حول كيفية تنفيذ بشار الأسد انتخاباته على مليونين أو مليونين ونصف مواطن فقط. ست محافظات كانت خارج سيطرة النظام، وكانوا يعتبرون أن درعا والقنيطرة تحت سيطرة النظام، لكن ظهر العكس، ولم تعترفا لا بالنظام ولا بشرعيته، ولم تقبلا حتى بإجراء الانتخابات رغم القبضة الأمنية للنظام والإيرانيين و»حزب الله» في المنطقة.
الصورة الثالثة وهي التقرير الاستراتيجي الأمريكي الأمني الذي صدر. وفي هذا التقرير ذُكر أن المنطقة الجنوبية، أي درعا والقنيطرة، هما خارج سيطرة النظام. وأقول لكِ إنه حتى السويداء هي خارج سيطرة النظام.
هذه المعطيات كاملة أعطت إشارة واضحة على أن الأسد يُنفّذ انتخابات وهمية، ولا يتمتع بشرعية ولا بقبول له حتى من قبل السوريين الموجودين في الداخل، نحن لا نتحدث عن السوريين في الخارج الذين هم بالتأكيد لا يقبلون بهذا النظام. وأعطت أيضاً إشارة إلى روسيا التي تتحدث عن ضبط الأمور وسيطرة النظام واحتمال إعادة تأهيله أو إعادة اللاجئين والإعمار، فيما لا يوجد شيء من البيئة الآمنة هناك. هذه الخلفية دفعت روسيا إلى القول إن الشعلة الأساسية في الثورة هي حوران، وبالتالي السيطرة على منطقة حوران وجعلها تعود إلى حاضنة النظام سيدفع ببقية المناطق إلى فعل الشيء نفسه. لذا كان التحرّك الأول هو ذهاب العقيد الروسي أسد الله إلى درعا واجتماعه بوجهائها بوجود اللجنة الأمنية، وقوله لهم إن عليهم أن يعودوا إلى النظام ويعترفوا بشرعيته، وإلا سيضطر إلى محاصرة درعا والدفع بالميليشيات الإيرانية لاحتلال درعا.
*نتحدث عن تثبيت شرعية الأسد من بوابة الحاجة إلى حماية خط الربط الكهربائي وخط الغاز المصري؟
** الوضع في درعا معقّد ومتشابك جداً. ما أحاول قوله إن النظام غير موجود فعلياً ولا كلمة له، وهو أداة لإيران. الأمن الجوي والأمن العسكري والفرقة الرابعة ينفذون ما تمليه عليهم القوات الإيرانية. إيران تتوسّع من خلال أجهزة النظام وفروعه ومن خلال تجنيدها لأبناء المنطقة بحيث بات لها عملاؤها وميليشياتها السورية الموالية لها والمؤتمرة بأوامرها. الاستفزاز المتمادي من هؤلاء لأبناء درعا ممن حملوا السلاح في وجه النظام وميليشياته وردة فعل الأهالي خلال حصار درعا البلد ضد أجهزة النظام وإصرارهم على تثبيت كلمتهم أعطى تنبيهات للخارج أن ما يتحدث عنه التقرير الاستراتيجي الأمريكي صحيح، وأن درعا خارج النظام، وأن المنطقة الجنوبية هي منطقة مشتعلة وليست منطقة تابعة للنظام، وبالتالي، فإن عدم الاعتراف بشرعيته وعدم الاعتراف بانتخاباته لم تأتِ من فراغ، وأن هناك قوة في درعا تتحدث وتتكلم.
أيضاً أعطى ذلك للأردن إشارة تخوّف من أنه قد يكون هناك خطر إما قادم من أهالي درعا ممن حملوا السلاح سابقاً أو ممن قد يضطرون لحمله حالياً، وقد يكون الخطر من الميليشيات الإيرانية. وعندما نتحدث عن الميليشيات الإيرانية، فهي ميليشيات تتبع مباشرة للحرس الثوري وتحمل الجنسية الإيرانية ومعها حزب الله وهناك أيضاً ميليشيات لإيران وعملاء تمّ تجنيدهم من أهالي المنطقة، سواء في درعا الغربية أو درعا الشرقية أو حتى في الجنوب، ينفذون أجندة إيران، وكلاهما أصبح خطراً على الأردن. من هنا كان الطلب الأول للأردن من الروس هو أن تنسحب كل أدوات إيران، من النظام ومن العملاء. الفرقة الرابعة والأمن العسكري والجوي انسحبوا من درعا البلد ولكن عملاء إيران لم ينسحبوا. واليوم المنطقة الجنوبية (حوران والقنيطرة والسويداء) تعج بما يسمى بعملاء إيران أو «حزب الله» السوري التابع لإيران. هؤلاء أصبحوا حقيقة موجودة في المنطقة ويشكلون خطراً، وما زالوا حتى اليوم يقومون بعمليات اغتيال لمن بقي من أبناء المنطقة.
*مَن يؤمّن الأمن في درعا ومن يحمي خط ربط الكهرباء وخط الغاز المصري؟
** الأدوات التي تعمل في درعا سواء على حفظ الأمن أو على نقض الأمن هي أدوات إيرانية بامتياز، سواء أكانت ميليشيات مباشرة مدربة أم عملاء لإيران تم تجنيدهم من المنطقة. ولكن صاحبة القرار في هذا الموضوع هي روسيا التي أخذت على عاتقها مد هذا الخط والموافقة عليه رغم أنه يتناقض مع سياستها الاقتصادية، ولكنها من خلال هذا الخط لا تسعى لفوائد اقتصادية بل لفوائد سياسية للنظام، بمعنى إعادة تأهيله. إذاً القرار والإشراف روسي ولكن الأداة التي تحكم المنطقة الجنوبية وتنفذ على الأرض هي عملياً لإيران وميليشياتها وعملائها. روسيا تعتبر أن هذا الوضع هو الوحيد الذي يؤمن الأمن والهدوء في الجنوب. وهي قالت للأردن إن ما يومن خط الكهرباء وخط الغاز هو سحب السلاح من أبناء درعا وسحب كل من له علاقة بالثورة في درعا وإفراغ المنطقة.
* القرار من الناحية الاستراتيجية في هذه المنطقة هو للروس لكنهم بحاجة للإيرانيين لضبط الوضع على الأرض؟
** طبعاً. الشرطة الروسية في الجنوب عددها قليل، وبحسب تصريح بوتين عدد القوات الروسية 75 ألفاً بمن فيهم قوات المرتزقة (فاغنر) وغالبيتها منتشرة في إدلب والشمال والبادية، وتواجدهم في الجنوب يقتصر على تسيير دوريات. حاول الروس أن يسخّروا اللواء الثامن لضبط الأمن في الجنوب لكنهم فشلوا لأنهم يشكّون بولاء عناصر هذا اللواء وانحيازهم لأبناء بلدهم في درعا، فأبعدوه عنها.
*بات أبناء درعا وأبناء الجنوب عموماً بين خيارين: إما أن يكونوا جزءاً من النظام أو أن يكون جزءاً من الميليشيات الإيرانية؟
** هذا الخيار ليس وليد الساعة، إنما منذ العام 2018. الإيرانيون يقولون لأبناء الجنوب: عليكم أن تنضموا إلينا كإيرانيين وتكونوا مساعدين لنا ونحن نضمن لكم عدم ملاحقتكم من قبل النظام ونضمن لكم عدم الحصار، وبالتالي إيران لا يهمها شرعية النظام بقدر ما يهمها تواجدها في المنطقة. كانت في البداية تستخدم النظام كأداة، اليوم ليست بحاجة له إلا جزئياً، فهي تمدّ المنطقة اقتصادياً وتسيطر عليها عن طريق المخدرات وحتى بتوفير الأمان، وبالتالي إيران هي المسيطرة في الجنوب، 90 في المئة من ميليشياتها و10 في المئة من الفصائل التي تم تشكيلها لمصلحتها.
* كان الاتفاق الأمريكي – الروسي – الإسرائيلي – الأردني حول جنوب سوريا عام 2018 يهدف إلى إبعاد إيران وميليشياتها عن المنطقة الجنوبية، لكننا اليوم أمام واقع يُسلّم بسيطرة إيران الكلية برعاية روسية وقبول أردني – أمريكي – إسرائيلي؟
** صحيح، مع اختلاف في 3 نقاط. بموجب اتفاق 2018، استطاعت روسيا تجنيد عشرات الشبان من المنطقة تحت مسمى اللواء الثامن والفيلق الخامس التابع للنظام، وهم يقاتلون حالياً في إدلب. واستفادت إيران من عملية تثبيت وضعها في الجنوب عام 2018 وانتشارها نظرياً خلف طريق دمشق السويداء شرقاً، لكنها عملياً موجودة ضمن المنطقة ألف والمنطقة باء والمنطقة جيم حسب اتفاق الفصل عام 1974، رغم أن المنطقة ألف لا تسمح للقوات السورية  بالتواجد فيها.
الاتفاق اليوم يختلف عن اتفاق 2018، وهو أن المنطقة وهمياً أصبحت آمنة لأن هناك جهة واحدة تحكمها ألا وهي إيران الموجودة عقائدياً وسياسياً ومالياً وأمنياً وعسكرياً، فيما روسيا تمارس الضمانة للجيران، وتعطي كلمتها لإسرائيل بعدم السماح بالاعتداء عليها من الأراضي السورية، وتضمن للأردن بأن لا خوف على مناطقه من القوات الإيرانية وميليشياتها. وهذا من وجهة نظر روسيا يُفترض أن يعالج حالة الفلتان الأمني في درعا التي تشكل خطراً حقيقياً على الأردن وسببه ليس أبناء درعا، بل انتشار الفروع الأمنية التابعة للنظام – الفرقة الرابعة والأمن العسكري والأمن الجوي- والميليشيات الإيرانية من «حزب الله» و»فاطميون» و»زينبيون». النظام كان بمثابة «الأزعر» الذي تُثير أفعاله ردوداً من السكان، ويخلق الفوضى. اليوم لم يعد هناك وجود عسكري للنظام في درعا، لا على الطرق ولا على الحواجز، بل إن وحداته موجودة في القطاعات العسكرية، ويتم بالتالي ضبط الأمور من ضمن الانتشار الإيراني الخفي. في المحصلة، أصبح مصدر التحكّم بالبندقية في درعا وفي الجنوب واحداً وهو إيران، إنما الحركة الإيرانية عليها قيود روسية. إيران موجودة وتتغلغل وتمسك الأرض من خط الجولان المحتل وصولاً إلى البادية.
هل أخطأ أبناء حوران؟
كلمة حوران كانت قوية عندما كانت موحدة غربها وشرقها وجنوبها، لكن عندما أُبرم الاتفاق مع درعا البلد بمعزل عن الباقين كان هذا بمنزلة شق لوحدة الكلمة. وبالتالي استجابوا لسياسة العزل. الاتفاق كان يجب أن يشمل منطقة حوران بالكامل أو التهجير الكامل. كان لديهم خيار كبير جداً، وهو الهجرة الجماعية، وترك درعا لإيران وروسيا وليكن ما يكن هذه هي النقطة الوحيدة التي أخطأ فيها أهل حوران. الاتفاق كان يجب أن يكون جماعياً. اليوم النظام ينفرد بمدن جاسم ونوى والصنمين ويعقد اتفاقات كما يريد هو وليس حسب ما تمَّ الاتفاق عليه.
إيران تنتظر هذه الفرصة أيضاً لتنقضَّ على درعا، لكن اعتقد أن الروس كانوا مضطرين للنزول إلى مستوى ما يريده أهل درعا، ولن يسمحوا بالتهجير، فكيف تنادي موسكو بعودة اللاجئين وهي تسعى لتهجير مَن تبقى؟ هذه كانت فرصة لأهل حوران لاستثمارها كورقة تفاوض قوية مع الروس، لكن للأسف لم يتم هذا.
*ماذا كانت حقيقة الخطة الروسية؟
**الخطة الروسية عند إنجاز اتفاق 2018 كانت تقضي بتمزيق درعا إلى 3 مناطق. فأبناء غرب درعا عليهم إما الانضمام حصراً إلى الأمن العسكري أو الأمن الجويّ أو الفرقة الرابعة. وأهل شرق درعا عليهم أن ينضموا فقط إلى اللواء الثامن، وكل من هو خارج هذه المناطق يمكنه الانضمام إلى الميليشيات الإيرانية. هكذا تمَّ تمزيق المنطقة لتبدأ بعد ذلك عملية زرع الفتنة بينهم فوقعت اشتباكات عديدة بين الموالين للفرقة الرابعة وآخرين موالين للأمن العسكري أو للأمن الجويّ من أبناء حوران. أما المرحلة الثانية فكانت تعتمد على الاعتقالات والتصفيات الفردية، فزج بكثير من أهل درعا في إطار القتال ضد «داعش» في السويداء وقتل أكثر من 200 عنصر منهم. ونصل إلى المرحلة الثالثة التي تعني فتح المجال لهم للهجرة، بعد دعوة النظام لإصدار قوانين إعفاء من الخدمة العسكرية وتزويدهم بجوازات سفر، واليوم أكثر من 50 ألفاً من أهالي درعا وصلوا إلى قبرص، وبالتالي يبقى في درعا كبار السن والوجهاء والأطفال والنساء فتصبح آمنة.
*حصل اتصال ما بين بشار الأسد والعاهل الأردني، والنظام المصري لم يقطع علاقاته يوماً، وهناك محاولات لإعادة وصل الجسور معه عبر مسارات متعددة آخرها خط الغاز أو الربط الكهربائي؟
** مَن أعطى الشرعية للأسد هو الشعب السوري، ومن يحجبها عنه هو الشعب السوري أيضاً. أما عملية وصل الجسور، فمصر والأردن لم يقطعا علاقاتهما يوماً مع النظام، معبر نصيب أغلق بسبب الهجوم عليه وحفاظاً على التجارة والبضائع والشاحنات التي تتم عبره، وبالتالي لا يمكننا القول إن هناك قطعاً للعلاقات بين كل من سوريا من جهة والأردن ومصر والعراق ولبنان من جهة أخرى، ولكني أسأل: هل هناك دول أوروبية من التي سحبت الشرعية من هذا النظام أعادت علاقاتها معه؟ هل أعيدت الشرعية للنظام من قبل أمريكا أو السعودية التي هي صاحبة القرار العربي؟ فعندما نتحدث عن شرعية النظام لا يعنيني اعتراف الأردن ومصر والعراق ولبنان به. بالأمس كان هناك تصريح الخارجية الأمريكية بأنهم غير راضين عن أي دولة تعيد علاقاتها مع النظام، وغير راغبين بإعادة النظام إلى الجامعة العربية، فما يهمني هو القرار الدولي وقرار الدول الأوروبية والقرار السعودي.
*أي نتائج خرجت بها برأيك قمة بوتين – أردوغان حيال إدلب التي تعتبرها موسكو الصفحة الأخيرة لعملية تثبيت نظام الأسد؟
**لا أفهم هذا القول بأن إدلب هي الصفحة الأخيرة لتثبيت النظام، رغم أن المنطقة الشرقية، والرقة والحسكة، و70 في المئة من دير الزور، وشمال حلب وشرقها، كلها مناطق خارج سيطرة النظام. روسيا تعتبر أن إدلب هي معركتها الأخيرة. برأيي أن كلاً من بوتين وأردوغان استطاع أن يُظهر ما يضمره للآخر. كل منهما أكد للآخر أنه لن يسمح بإدلب. ولكن السؤال: لماذا إذاً لا يذهبون إلى الحسم عسكرياً؟ لأن كلاهما ببساطة خائف من الخسارة. خسارة إدلب بالنسبة لأردوغان هي خسارة النظام التركي المتمثل بـ»حزب العدالة والتنمية»، وخسارة إدلب بالنسبة إلى روسيا هي خسارتها سوريا. صحيح أن روسيا سجلت الكثير من الانتصارات، ولكن في العمق هي انتصارات وهمية، بمعنى أنها لم تستطع بالحرب والموازين العسكرية أن تغيّر الجغرافيا العسكرية، بل نجحت في ذلك من ضمن اتفاقات ومبادلات.
*أي مناطق تقصد… مثلاً حلب؟
**كانت حلب مقايضة مع منطقة الباب وشرق حلب. حلب لم تسقط عسكرياً بالأسلحة والدبابات والصواريخ، كانت هناك إجراءات عسكرية من ضمن اتفاقات روسية – تركية أدت إلى سقوط حلب.
أعود إلى سؤالك الرئيسي، لأقول إن روسيا أمام واقع عسكري جديد في إدلب. هي أمام جيش من الثوار المقاتلين الذين لديهم إرادة قتال كبيرة نتيجة الخبرة العسكرية، وهي أمام ظروف تضاريسية لا تسمح لها بتنفيذ عمل عسكري يتناسب ما بين الدبابة والطائرة، وهي أمام تجمّع سكاني كبير، حيث هناك رأي عام عالمي يرفض أن تكون هناك موجات لجوء جديدة. إذاً، ثمة قيود عدة من شأنها أن تؤخّر أو تمنع عمل عسكري روسي. وفي المقابل، تركيا لا تستطيع خسارة بعض القوات الموجودة في الشمال، ولا تستطيع أن تُرهق نفسها عسكرياً واقتصادياً، فهكذا إرهاق قد يدفع المعارضة التركية إلى أن تطفو على السطح.
تستطيع روسيا أن تمارس ضغوطات كما تفعل الآن بالقصف الجوي والصاروخي وعمليات المباغتة البسيطة التي تقوم بها كي تضغط على الحاضنة الشعبية وتستنزف مقدَّرات الثوار، لكنها لا تستطيع أن تُقامر بمواجهة كبيرة.
* إذاً، أنت لست قلقاً من اتفاقات شبيهة بما حصل سابقاً، حيث خسر الثوار مناطق كانت تحت الدعم التركي؟
** لا، لست خائفاً لأن لإدلب أهمية مختلفة. هي ليست كما كان الحال مثلاً مع خان شيخون أو معرّة النعمان أو صوران أو كفرزيتا أو حتى سراقب التي تمَّ الاتفاق عليها، ولم تسقط إلا بمكيدة روسية انطلت على الأتراك. أما في ما يتعلق بمنطقة شرق الفرات، فأي اتفاق هناك يحتاج لأن يحصل بين تركيا وأمريكا التي هي صاحبة القرار في المنطقة الشرقية وليس روسيا.
وإذا عدنا إلى شرق حلب خاصة منطقة منبج أو المنطقة الممتدة شمال حلب، ولا سيما تل رفعت، فقد جرى أكثر من حديث أن روسيا ربما تريد مبادلة بإعطاء تركيا قبضة وتأخذ عشرة، بمعنى أنها تعطيها منبج وتل رفعت على أن تأخذ جنوب الـ»إم 4» أي كل منطقة جبل الزاوية. وهذا بالتأكيد لا يمكن القبول به تركياً ولا حتى أمريكياً. أمريكا تعتبر أن ورقة إدلب لا يزال لها ضلع فيها، وتستطيع أن تستخدمها ضد روسيا في الملف السوري.
* سياسة روسيا والنظام وإيران وميليشياتها هي تجميع كل المقاتلين في إدلب ومن ثم قضمها وحصرهم في بقعة صغيرة، أليس ذلك تمهيداً للمعركة الأخيرة؟
** النظام والقوات الروسية والقوات الإيرانية وميليشياتها هي عبارة عن جيوش نظامية لها أدوات الهجوم كما أدوات التعزيز والدعم. هذه القوات لا تستطيع إلا أن تعمل على جبهات وليس كقطاعات منفردة أو جيوب نارية كما حصل في درعا، حيث خسرت أجهزة النظام حواجزها فوراً لأنها كانت منفردة ولم تكن مرتبطة ضمن سياق واحد، فيما كان هجوم الثوار أشبه بقتال عصابات. ومن هنا أقول إنه لو كان النظام وحلفاؤه لديهم ثقة عشرة في المئة بقدرتهم على تحقيق انتصار في إدلب لكانوا فعلوا ذلك منذ زمن.
برأيي أن تجميع المقاتلين بقدر ما هو مسألة سلبية، لكن فيه إيجابية بالنسبة للثوار، بمعنى أنهم لم يعودوا خلايا منقطعة عن بعضها البعض، وتجمعات هنا وهناك، بل بات بمقدورهم أن يكونوا جبهة واحدة ضمن غرفة عمليات واحدة قادرة على تحديد أولوياتها، وأن تناور وتوازن بين الهجوم والدفاع، وبين الربح والخسارة.
* بوتين اعتبر أن جيش النظام السوري بات يسيطر على أكثر من 90 في المئة من الأراضي السورية، هذا معناه أنه يعتبر الانسحاب الأمريكي من شرق سوريا بحكم المنتهي وتحصيل حاصل، كيف تقرأ ذلك؟
**نحن لا نراهن على تواجد القطاعات العسكرية بل على قيمة القرار الأمريكي. قد تنسحب غداً من الجزيرة السورية، فهل هذا يعني أنها لم تعد مؤثرة وفاعلة. هذا رهان خاطئ. ما قصده بوتين أنه لا يُعير أهمية لقوات سوريا الديموقراطية – قسد – من دون مظلة أمريكية. المهم هو النطق الأمريكي، أو الكلمة الأمريكية، عما إذا كانوا سيخرجون، أي بمعنى إدارة الظهر وليس سحب القطاعات العسكرية. لا أعتقد أن كلام بوتين كان منطلقاً من «اتفاق ما» مع الأمريكيين أو يُبنى عليه أنه أخذ الضوء الأخضر.
* أي واقع بات يحكم المعارضة السورية عموماً؟
**العالم لم يعد ينظر إلى الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة كجسم معارض بل إلى اللجنة الدستورية المنبثقة عن المعارضة وعن النظام. والاثنان قرارهما ليس وازناً بل هو في يد أمريكا وروسيا. يحاول رئيس الائتلاف الشيخ سالم المسلط إعادة الاعتبار إلى الائتلاف وإحياء دوره ومعالجة بعض الأمراض التي أصابته، وأنا أتمنى أن ينجح في ذلك، لكني لا أرى أن الائتلاف سيعود كما كان سابقاً معترفاً به من كل العالم ومؤثراً في حركته وفي قدرته على تغيير القرارات الدولية حول سوريا.
* ماذا بقي من القرارات الدولية، من جنيف واحد ومن القرار 2254؟
** جنيف 1 ما زال موجوداً في أصوات السوريين وفي الوثائق الرسمية، وعند أي حل للقضية السورية يتحدثون عن أن الحل في سوريا يجب أن يكون بناء للقرار 2254، حتى روسيا وإيران والأردن يقولون ذلك، وكل الدول توافقت عليه، وهذا ما يخشاه النظام، وبالتالي لن يكون الحل في سوريا إلا وفق هذا القرار.
لا يستطيع أحد سواء أكان مع النظام أم ضده أن يُغيّر هذا القرار، فكيف للنظام أن يهرب من ذلك؟ لا يمكن أن يموت قرار اتخذه مجلس الأمن مهما طال الزمن، وهذا ما تسعى إليه حالياً أمريكا وروسيا عبر الاتفاق الأخير الذي تضمّن إعادة اجتماع اللجنة الدستورية التي يجب أن تُعيد الدستور إلى سوريا. هذا كلام لا خلاف عليه، إنما حالياً البعض، ومن أجل تسهيل العملية، يقول «مع الاحتفاظ بالحقوق الشرعية للتواجد الروسي»، وهذه نقطة مهمة، وأعتقد أنه عندما تتفق روسيا وأمريكا على الحل في سوريا وفق القرار 2254 ستكون إيران خارجه.
* أليس من الصعب أن تكون إيران خارج المشهد بعد تغلغلها داخل نسيج المجتمع السوري وإمساكها بالأرض؟
** إيران لن تتخلى عن سوريا، لأنها تعتبرها قاعدة للانطلاق باتجاه باقي الدول العربية. لذلك أنا لا أتوقع خروج إيران، وهي نقطة الخلاف حالياً بين أمريكا وروسيا التي يتوقف عليها تنفيذ مضمون القرار 2254. إيران لن تخرج حتى لو طالبها الأسد بالخروج، وهو لن يُطالبها بذلك. روسيا بحاجة لإيران وإذا طالبتها بالخروج فعليها أن تُعطيها حصة أخرى أفضل من سوريا، بمعنى أن روسيا اليوم من أكثر المستفيدين من التواجد الإيراني ومن العلاقة مع إيران. الروس يعتبرون إيران ورقة ضغط يمتلكونها ضد أمريكا والدول العربية، ومن خلالها يسيطرون على سوريا ويعززون اقتصادهم، لذلك الروس لن يتخلوا عن إيران وخلافهم مع أمريكا ليس حول آلية تنفيذ القرار إنما حول قضية إخراج إيران. الاتفاق تمَّ على إبعاد إيران 80 كيلومتراً عن الحدود الإسرائيلية وبوجود أمريكا وإسرائيل والأردن، لكن موسكو لم تنفّذه!
*وقراءتك المستقبلية للمشهد؟
** خروج إيران من سوريا يعني نهاية النظام الإيراني، لأن طهران تُمسك بالمنطقة من خلالها، لذلك إذا لم يتمّ تشكيل تحالف دولي يعمل على إخراج إيران من سوريا عنوة، أي بالسلاح، فلن تخرج مهما كانت الضغوط الدولية عليها، لا عبر الملف النووي ولا ملف الصواريخ.