المطران

 


نبيل  بومنصف
النهار
05032018

يشق عليك ان تشاهد في الجمهورية اللاهية اللاهبة بسخافات الانهيارات والفضائح المتفجرة بأبشع مظاهرها والمنبئة بمزيد من التدهور والتقهقر والتراجع والضحالة، كل ما يمكن ان ينسيك بقوة قاهرة ساحقة ذاك الجانب المضيء الذي كان يوما للبنان المخالف والمعاكس ليومياته البائسة الرائجة هذه. كان لصورة قاتمة كهذه ان تباغتك في يوم الصخب المتعالي والمتفجر حول تلك الفضيحة المتصلة بملف يمس القضاء والاجهزة وبعض الصحافة والاعلام وكل من تورط من قريب او من بعيد بهذه الجرصة العارمة عشية تلك المسماة انتخابات نيابية وان تمر كسواها لانك أدمنت الاستسهال والكسل الوطني واللامبالاة حيال دولة تأبى الا ان تذكرك مع كل اشراقة شمس بأنها تتسيد على الدول الفاشلة في العالم. ولكن خبرا اخترق هذا المشهد ولم تتنبه اليه الجمهورية البائسة يقول بان “المطران” استعفى من مهماته الراعوية وانه تلقى التكريم الارفع من كنيسته والبطريرك يوحنا العاشر. هذا المستعفي الكبير العظيم كان يشغل بال عظيم كبير مثله دوما وخصوصا عصر كل يوم جمعة تحديدا.

كان عميد “النهار” الراحل يدأب على السؤال: هل وصلت مقالة المطران؟ ولا ينتظر الجواب المتلعثم فيسارع الى اطلاق سؤاله الثاني ايضا: عن شو كاتب اليوم؟ عشرات السنوات وآلاف الدرر لا المقالات ذخرت وتذخر بها “النهار” في إرثه المذهل كاتبا وفيلسوفا ومبشرا وأديبا وحبيبا عاشقا ليسوع والناس والأجيال الناشئة على فكره النير. لا اذكر ان المعلم غسان تويني لفظ اسمه الكامل مرة على مسامعي او مسامع سواي بل كان فقط المطران معرفا بالالف لام مع كل ما يختصره ذلك من رؤية عظيم الى عظيم ند آخر. تكتسب مواعيد الافتتاحيات “الأيقونية” في “النهار” كافتتاحية عميدها كما المطران سحرا ومذاقا لا تعود مضامين الافتتاحية تنفصل معهما عن شغف تلقي القرّاء لها كل اسبوع في الموعد الثابت الراسخ الذي لا يتبدل الا متى جد طارئ واستحال اللقاء مع المتعة المنتظرة أسبوعيا. والحال اننا على رغم حزن كبير تسببب به توقف المطران عن كتابة مقالاته الافتتاحية في “النهار” لا نحجب فرحا مقيما من انه الحاضر الدائم بيننا ويستحيل ان يستعفي كما يقول الخبر البارحة لان من كان هو المطران جورج خضر لا اعفاء ولا استعفاء متاحا له او ممكنا او واقعيا بكل المعايير من أعظم مهماته الملتصقة بفكر الناس وقلوبهم والتطلعات التي نشأوا فيها على فكر المطران خضر وفلسفته اللاهوتية والدينية والاجتماعية والإنسانية سواء بسواء.

ولعلها صدفة جيدة ان يذكرنا المطران باستعفائه باننا ننتسب الى ذاك اللبنان القائم على فكر وقيم وقامات لا يزال ممكنا بل ملزما الهروب اليها في الارث المتروك ذخرا لمن شاء ان يعيد الاعتبار يوما الى زمن مشرف مشرق. ولذا لا استعفاء ولا اعفاء من ايحاءات وجمالات ذاك الزمن وتلك القامات. اطال الله بعمر سيدنا المطران والى سنين عديدة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*