الرئيسية / أخبار المصارف / المصارف والأزمة المستمرة… بين التحديات والحلول الممكنة الرسملة مؤمّنة والقيود رهن “السياسة” وتعديل الفوائد أولوية

المصارف والأزمة المستمرة… بين التحديات والحلول الممكنة الرسملة مؤمّنة والقيود رهن “السياسة” وتعديل الفوائد أولوية

يواجه القطاع المصرفي تحديات كبيرة في هذه الظروف الدقيقة التي تمر بها البلاد، خاصة بعد فرض القيود المصرفية التي طالت التحويلات والسحوبات وفتح الاعتمادات للأفراد والمؤسسات، بالإضافة إلى ما تتحمله المصارف من ضغوط ناتجة عن تعرضها للديون السيادية اللبنانية، وضرورة التزامها بالمتطلبات والمعايير الدولية.

مرة جديدة جمعت “النهار” على طاولتها عدداً من مسؤولي المصارف والخبراء الماليين والاقتصاديين وهم  رئيس قسم الأبحاث والدراسات في بنك بيبلوس الدكتور نسيب غبريل،  كبير الاقتصاديين ورئيس قسم الأبحاث في بنك عوده الدكتور مروان بركات، الخبير في الشؤون الاقتصادية والمالية البروفيسور جاسم عجاقة، الخبير الاقتصادي شربل قرداحي، الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور غازي وزني ، مستشار البنك الدولي السابق البروفيسور روك انطوان مهنا، الخبير المالي إيلي عبود، بالإضافة إلى نائب الرئيس للشؤون الأكاديمية في جامعة الروح القدس الكسليك العميد  السابق لكلية إدارة الأعمال والعلوم التجارية  البروفسور نعمة عازوري.

في مستهل حديثه اعتبر بركات أن الأوضاع التشغيلية للقطاع صعبة ومن المتوقع أن تزداد صعوبة في المرحلة المقبلة، وفي الوقت ذاته، لا مخاطر وجودية تهدد القطاع المصرفي، لوجود عناصر حماية ما زالت موجودة، ومن أبرزها ما يتعلق بالرسملة الوافرة التي تصل إلى 21 مليار دولار بالإضافة إلى السيولة المرتفعة حيث تصل الأموال السائلة بين المصارف ومصرف لبنان إلى ما يقارب 40 مليار دولار وتغطي حوالي 32% من الودائع الأجنبية. أما في ما يتعلق بانكشاف المصارف على وزارة المال فما زال محدوداً. ومن هنا، يؤكد بركات أن الوضع ممسوك على صعيد القطاع المصرفي، ولكن المخاوف تبقى على صعيد إستنناف عناصر القوة التي يتمتع بها القطاع في حال استمرار الأزمة. ويعود بركات إلى عرض بعض الأرقام المهمة، حيث يشير إلى أن كلفة الودائع على المصارف اليوم تصل إلى 6.6% بالعملات الأجنبية، أما الـ BRR وهو معدل الفائدة المرجعية في سوق بيروت الصادر عن جميعة المصارف 10.5%، ليبقى الفارق لا يتخطى 4%، وهو يغطي كلفة السيولة بالإضافة إلى كلفة الاحتياطي الإلزامي والنفقات التشغيلية الخاصة بالمصارف، وبالتالي هذا الفارق لا يمثل أي ربح للمصارف.

بدوره يشير عجاقة أن القطاع المصرفي ما زال يحافظ على وضعه المستقر الذي ساد قبل اندلاع الاحتجاجات في 17 تشرين الأول الفائت، فيما الموجودات بالعملات الصعبة لم تشهد استنزافاً بطريقة غير طبيعية، خاصة بعد الإجراءات المصرفية التي فرضتها المصارف لمواجهة الأوضاع غير المستقرة التي تمر بها البلاد. أما على صعيد تخفيض تصنيف المصارف من قبل وكالات التصنيف، فيعتبر عجاقة أن الأسواق المالية العالمية اعتبرت التعميم 536 الأخير الصادر عن مصرف لبنان كإشارة سلبية خاصة لناحية تسديد الفوائد المستحقة على الودائع بنسبة 50% بعملة الحساب و50% بالليرة اللبنانية، ومن هنا أتى تخفيض التصنيف، وليس أكتر من ذلك، رافضاً اعتبار ما تضمنه التعميم نوع من haircut. ويذكر عجاقة أن الاقتصاد اللبناني هو اقتصاد حر مبني على العرض والطلب، والفائدة هي نتاج للعرض والطلب وبالتالي المس بالفوائد يمكن اعتبارها تدخلاً مباشراً في السوق. أما الدولة فتمتلك الأداة التشريعية التي يمكن الاستفادة منها من باب الضرائب على بعض الودائع مع الأخذ بالاعتبار مدتها وحجمها، وقد تكون باباً يتم اللجوء إليه في المرحلة المقبلة.

انطلاقاً من هذا النقاش، دخل قرداحي في تفاصيل بنية الفوائد في لبنان وكيف تكونت خلال السنوات الماضية، معتبراً أن إدارة هذه الفوائد كانت سيئة خاصة لناحية ارتفاع الفوائد بالمقارنة مع المستويات العالمية، مع تأكيده أن ما حصل في الأيام الماضية لا يوصف بالتعثر المالي، ولكن، الانخفاض بنسب الفوائد التي لاحظها تعميم المركزي الاخير أي عند وضع سقف 5% للودائع بالدولار الأميركي و8.5% للودائع بالليرة اللبنانية، ليس تخفيضاً كافياً، كما وان القيود المصارفية المفروضة لا يمكن أن تستمر كثيراً ولفترة طويلة. والأهم اليوم بالنبة لقرداحي يبقى على صعيد تخفيض أكبر للفوائد لتحفيز القطاعات الاقتصادية وما ينعكس إيجاباً على القطاعين العام والخاص. ويعتبر قرداحي أن المطلوب هو هندسة مالية معاكسة تساهم في تغيير كل بنية الفوائد، الدائنة والمدينة، مع الأخذ بالاعتبار ضرورة مساندة المصارف للحفاظ على رسملتها. وفي ما يتعلق بما يحكى عن احتمال تنفيذ ما يعرف بعمليات Haircut، يؤكد قرداحي أن أياً من كل الطروحات التي تم الحديث عنها لن تعتمد حالياً، والحديث يدور حول أفكار مثل اقتطاع جزء من ودائع كبار المودعين بالإضافة إلى طرح حملته بعض المؤسسات الدولية من خلال فرض نوع من الضريبة على بعض الودائع مع الأخذ بالاعتبار مدة استحقاق الوجعين وحجمها، ومن هنا الحديث كان عن فرض ضريبة تصاعدية محتملة، ما يؤدي إلى تخفيض الفوائد من خلال فرض ضريبة تذهب إيراداتها لخزينة الدولة. أما الاقتراح الثالث فهو العمل على خفض الكبير جداً على بنية الفوائد.

بعد تخفيض التصنيف للبنان والمصارف اللبنانية ودخول لبنان في أزمة حقيقية، تبقى الأهمية على صعيد طريقة الهبوط بحسب مهنا، حيث علينا الاختيار بين الهبوط السلس أو الهبوط القوي، وبالتالي الإجراءت التي تتخذها المصارف ومصرف لبنان تساعد على تأمين الهبوط السلس، بأقل ضرر ممكن، مشيداً بتعميم المركزي حول تسديد الفوائد بين الليرة والدولار، ما يحد من نزيف العملة الصعبة والتي تترافق مع القيود المصرفية. ولكن، المشكلة تبقى على صعيد الفوائد على التسليفات فيما الفائدة على الودائع تراجع، ومن هنا ضرورة الإسراع في تخفيض ودائع التلسيف خاصة لناحية تخفيض الكلفة التي تتحملها المؤسسات والشركات المدينة والتي تستحق سنداتها، كما يساهم التخفيض السريع لفوائد التسليفات على حجم محفظة القروض المتعثرة والمشكوك وبتحصيلها والتي تتخطى حالياً نسبة 16%. أما في ما يتعلق بزيادة المصارف لرسملتها وتأمين 4 مليارات دولار إضافية حتى حلول نهاية حزيران 2020، يشدد مهنا على أهمية هذه الخطوة ولكن على أن لا تأتي من أموال المودعين بطريقة غير مباشرة من خلال الفوائد، بل أن تأتي مباشرة من المساهين وضرورة الالتزام بالتعميم وآلية تأمين هذه الأموال حماية للمودعين.

يعتبر عبود أن المطلوب هو مواجهة المخاطر المصرفية والمخاطر المتعلقة بالسيولة بالعملات الأجنبية، بالإضافة إلى ما يتعلق بالمعايير التي يجب على المصارف مراعاتها في حال واجهة امحتان ضغط. فالمصارف استفادت من الهندسات المالية كما تعزز الاحتياطات الأجنبية لدى مصرف لبنان، ولكن المطلوب متابعة هوامش المخاطر في القطاع بشكل عام، ويبقى الخطر الأكبر على صعيد تأمين الرسملة المطلوبة لتعزيز ملاءة المصارف مع الأخذ بالاعتبار ضرورة مراعاة المصارف للمعايير المحاسبية الدولية. فبعد أن كان تقييم المخاطر يأتي استناداً إلى الوضع المالي للمصرف خلال فترة سنوات إلى الوراء، اليوم تختلف الظروف، حيث المخاكر تتعلق بالتعثر المحتمل في المرحلة المقبلة لحاملي القروض في تسديد مستحقاتهم ما يرفع محفظة القروض المتعثرة والمشكوك بتحصيلها، وبالتالي ينعكس على ميزانية المصارف ويحملها المزيد من التكاليف، وبالأرقام يتوقع عبود أن تصل تصل نسبة القروض المشكوك بتحصيلها إلى ما يقارب 20% من محفظة القروض التي تصل إلى أكثر من 54 مليار دولار حالياً.

الملطوب العمل على إعادة الثقة لدى المودعين بالقطاع المصارفي والاقتصاد بشكل عام، هذا ما يشدد عليه عازوري، ويعتبر انه في حال عاد الاستقرار السياسي للبلاد وبدء الاستقرار يعود إلى الأوضاع الاقتصادية، يمكن بعدها أن نسلك طريق إعادة بناء الثقة المالية، وهذا الأمر قد يستغرق فترة طويلة. ومن هنا يشدد عازوري مرة جديدة على ضرورة تشكيل حكومة تتمتع بثقة الداخل والخارج، على أن يترافق هذا الأمر مع إعادة هيكلة اقتصادية مالية مع الاخذ بالاعتبار ضرورة العمل على إعادة هيكلة القطاع المصارفي من خلال عمليات دمج وغيرها.

اضف رد