الرئيسية / أضواء على / المصارف بين مطرقة لبنان وسندان أميركا؟

المصارف بين مطرقة لبنان وسندان أميركا؟

اخذت المواقف الضاغطة في اتجاه تحميل المصارف المسؤولية في معالجة العجز الذي تعاني منه الدولة مع كلام الامين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله بعدا جديدا مختلفا بحيث استفزت اوساطا سياسية ومصرفية لم تخف خشيتها من ان يصب ذلك في اطار سياسة اوسع لمصادفة توقيتها مع مناقشة ورود بنود تقييدية في الموازنة تطاول المصرف المركزي في مجلس الوزراء طلب فيه وزراء بفرض المزيد من الضرائب على عوائد المصارف وعلى فوائد المودعين. واتى موقف السيد نصرالله من ضمن سلة مواقف لافتة لكن هذا موضوع اخر فيما توقف كثر عند قوله تحديدا: “اذا المصارف لا تريد ان تتصرف بهذه الروح الوطنية المسؤولة نعم الدولة معنية والحكومة معنية ومجلس النواب معني في مكان ما ان يتحمل المسؤولية في هذا الموضوع وإما يوجد إجماع لدى كل الخبراء الماليين والإقتصاديين في البلد أن ما لدينا من عجز لا يمكن أن يُعالج فقط بالإجراءات المطروحة أمام الحكومة، إذا لم يكن للمصارف دور”. وقياسا على الغالبية التي للحزب وحلفائه في مجلس النواب كما في الحكومة ثمة تساؤلات اثيرت عن تلويح باستخدامهما لفرض ما يراه اهل السلطة مناسبا لهم على هذا الصعيد علما انه لا يمكن اسقاط ان القطاع المصرفي مقفل امام الحزب وداعميه من رجال الاعمال نتيجة العقوبات الاميركية على الحزب وامواله. ولا يمكن في هذا السياق تجاهل المفارقة التي يمثلها موقف رئيس جمعية المصارف جوزف طربيه من قصر بعبدا بعد لقائه رئيس الجمهورية معتبراً “ان الهجوم على المصارف استهداف للبلد ولاقتصاده وله اسباب لا علاقة للمصارف بها” كما قال في مقابل مواقف سابقة له طمأن فيها الى ان القطاع المصرفي اللبناني غير مستهدف اطلاقاً بالعقوبات الاميركية على “حزب الله” طالما انه يتقيد بقواعد الامتثال للشروط الاميركية المتصلة بالعقوبات على الحزب، و قد اخذ لبنان على عاتقه مقاربة العقوبات عبر تعاميم صادرة عن المصرف المركزي وحاكمه الذي يشرف على اداء القطاع المصرفي والذي لا يزال ناجحا ويتم التنويه به في كل الظروف. المفارقة ايضا في ظل هذا المشهد ان القطاع المصرفي يبدو واقعا بين مطرقة الافرقاء السياسيين في لبنان وسندان الاميركيين على نحو يدفع الى عدم تجاهل تساؤلات مشروعة من صلة او استخدام هذا القطاع في الحرب المستعرة بين الحزب وواشنطن وبين الاخيرة وايران بحيث يكون القطاع المصرفي رهينة بذرائع مشروعة حول العجز كما يعتبر الاميركيون لبنان رهينة. وقد بدت المصارف مضطرة للدفاع عن نفسها في وجه مخاطر داخلية وليس في وجه المخاطر الخارجية بحيث تشعر انها مهددة اما نتيجة للعجز السياسي عن ابتكار حلول باستثناء الذهاب الى اسهلها عبر الضغط على المصارف وتحميل الناس الذين يمتلكون ودائع فيها تبعة تمويل عجز السياسيين واما تبعا لاجندات سياسية مختلفة على نحو يضعه البعض في اطار ادخالها في الصراع الجاري مع الولايات المتحدة الاميركية فيما اجندات محلية اخرى تتفاعل على نارها وتبدأ من تعيينات نواب الحاكم الى الرغبة في تغيير او اطاحة الحاكم نفسه وصولا الى نيات مبيتة على خلفية رؤية سياسية تناقض السياسة النقدية المعمول فيها حتى الان في ظل تخبط الافرقاء السياسيين وعدم رغبتهم او عدم قدرتهم في اجراء اقتطاعات تقشفية تتناول محميات وظيفية وقطاعات انتاجية لهم تضم المؤيدين والداعمين الذين تم توظيفهم باعتبار ان هؤلاء خزان الانتخابات النيابية المقبلة فتلقي التبعة على السياسة النقدية عل تغييرها يخفف عن كاهل السياسيين تبعة اتخاذ اي اجراءات فعلية .

ما يجري يخشى ان يحمل مؤشرات خطيرة على رغم اعتبار سياسيين ان اللعبة مضبوطة وان القطاع المصرفي يدافع عن مكتسباته شأن ما فعل الجيش او بالاحرى بعض السياسيين الذين اعلنوا رفضهم المس بأي تخفيضات تطاول الجيش او العسكريين المتقاعدين على ما ذهب وزير الدفاع مثلا ونواب من المتقاعدين العسكريين وشأن ما فعل وزير العدل البير سرحان في الدفاع عن مكتسبات القضاة ايضا فيما الدعوات متجهة الى اضرابات ايضا على هذا الصعيد. وثمة من يذهب ايضا في الاطار نفسه الى عدم رغبة الرئيس نبيه بري المس برواتب النواب كذلك فيما تتصاعد الاصوات لعدم المس بالطبقات الشعبية. وتاليا فانه ليس غريبا ان يعمد القطاع المصرفي الى الدفاع بدوره عن مكتسباته مع فارق ان افرقاء سياسيين كثراً يلتقون على الضغط في اتجاه المصارف وتحميلهم مسؤولية كلية او جزئية بموازاة سعي البعض الى تحقيق اهداف اخرى. اما المؤشرات الخطيرة فتمكن في ان هناك خيطا رفيعا بين القدرة على المحافظة على استمرار ثقة المواطنين بالقطاع المصرفي وعدم الدفع نحو اهتزاز هذه الثقة وما يمكن ان تؤدي اليه من انعكاسات وكذلك الامر بالنسبة الى المودعين الخارجيين من مغتربين وسواهم وضرب هذه الثقة في العمق نتيجة عجز الافرقاء السياسيين. ويملك القطاع المصرفي اوراقا للضغط بدوره ليست اقل من الضغط الذي يمارسه الجيش او السياسيون بالنيابة عنه او القضاء او الموظفون بدليل اضراب موظفي مصرف لبنان الذي جمد الحركة المالية في البلد .

هناك رؤى مختلفة للوضعين الاقتصادي والمالي بين الافرقاء السياسيين في ظل ما يخشاه البعض من محاولة استكمال استتباع هذين الوضعين بالواقع السياسي استنادا الى انتقادات متواصلة تحمل ما وصل اليه لبنان الى السياسات الاقتصادية والمالية السابقة فيما لا يفهم من هذه الانتقادات والحملات سوى الذهاب الى تعيينات جديدة ومقاربات تساهم في تغيير ليس المشهد اللبناني الراهن فحسب بل الواقع السياسي كليا تماما كما تم تغييره تدريجا منذ العام 2005 حتى الان.

rosana.boumonsef@annahar.com.lb

اضف رد