الرئيسية / home slide / المشلول والسكّير والسيّد النبيل

المشلول والسكّير والسيّد النبيل

28-04-2021 | 00:01 المصدر: النهار

غسان العياش

المشلول والسكّير والسيّد النبيل

صورة تعصى على الفهم. لبنان في طريقه إلى الانفجار الاجتماعي والفوضى الشاملة، وبدلا من تركيز الجهود على وقف الانهيار تُفتح معارك جانبية بعيدة عن أساس المشكلة، مثل تمرّد #القضاء على القضاء وفتح خطوط تماس طائفية في النظام السياسي والإدارة.

 بدا في الآونة الأخيرة أن أسلوب تعطيل المؤسّسات للوصول إلى غايات سياسية لا زال واردا ومحتملا لدى القوى التي تخصّصت فيه منذ سنة 1988. وإذا كان هذا الأسلوب مرفوضا في الظروف العادية فهو مرفوض أكثر في حالتنا الحاضرة، حيث البلد على شفير الانهيار. كل يوم تظهر مؤشّرات تنذر بتردّي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية على نحو لا سابق له في تاريخ لبنان. 

بالاستناد إلى تقارير جمعية مصارف لبنان، وعلى أساس ما سمّي بسعر الصرف “الرسمي”، تبيّن المقارنة بين نتائج سنتي 2018 و2020 أن الموجودات المجمّعة للمصارف تراجعت من 250 مليار دولار إلى 188 مليار، أي بنسبة 25 بالمئة، وهي تقريبا نفس نسبة الانكماش في الناتج المحلي الإجمالي في العام الماضي فقط. وتراجعت الودائع بنسبة 20 بالمئة وتقلّص التسليف للقطاع الخاص بنسبة 40 بالمئة والتسليف للقطاع العام بنسبة 37 بالمئة.
وما زالت إيداعات المصارف في مصرف لبنان في حدود 110 مليار دولار مع أنها تراجعت بنسبة 15 بالمئة، والأهمّ أن الموجودات النقدية الخارجية لمصرف لبنان انخفضت بأكثر من 40 بالمئة.

  ورغم تقلّص هذه المؤشّرات كلها فقد ارتفعت مؤشّرات أخرى يصبّ ارتفاعها في المنحى السلبي، مثلا، فقد ارتفع الدين العام في نفس الفترة بما يزيد عن 12 بالمئة. 

 تتلقّى الطبقة السياسية الحاكمة، ومنذ سنوات طويلة، 365 إنذارا كلّ عام بشأن المنحى الخطر الذي تسلكه التطوّرات الاقتصادية والاجتماعية. فكل يوم جديد يحمل تحذيرا جديدا. وفي السنتين الأخيرتين اشتعل الضوء الأحمر محذرا بأن الأمور قاربت على الانفجار. ومع ذلك لم تُقدم الطبقة الحاكمة على خطوة واحدة باتّجاه خفض سرعة الاندفاع نحو الهاوية.

 ما يخفّف من مسؤولية الفريق الحاكم أن الشعب هو الذي اختاره، ثم جدّد له، فيجب الانتباه إلى المعايير التي يبني الناخبون خياراتهم على أساسها. من المسلّم به أن الناخب اللبناني لا يختار مرشّحه بناء على مدى نجاحه في إدارة الشؤون العامّة، وبينها الشأن الاقتصادي، كما هو الحال في البلدان المتطوّرة، بل هو يفضّل المرشح الأقدر على الشحن الطائفي أو ذلك الذي يلبّي مصالحه الصغيرة.

  فجر الاثنين الماضي، وبعد تأخير لمدّة شهرين فرضه انتشار وباء كورونا، أقيم في لوس انجلوس حفل توزيع جوائز أوسكار للأفلام السينمائية المنتجة خلال سنة 2020 ومطلع سنة 2021.

 في فئة الأفلام العالمية فاز الفيلم الدانماركي “جولة أخرى” للمخرج البارز توماس فنتربيرغ، أحد مؤسّسي حركة “دوغما 95” التي ضمّت عددا من كبار المخرجين الدانماركيين. وتبوّأ دور البطولة في الفيلم الممثل الشهير مادس ميكلسن الذي لعب دور أستاذ التاريخ في إحدى مدارس كوبنهاغن. وبهذه الصفة، طرح على طلابه أن يختاروا بين ثلاثة مرشّحين:

 المرشح الأوّل لديه شلل جزئي ناتج عن شلل الأطفال ويشكو من ارتفاع ضغط الدم، ويعاني من عدّة أمراض خطيرة. وهو معروف بالكذب عندما تقتضي السياسة ذلك، ويستشير الفلكيين في سياسته. يخون زوجته ويدخّن كثيرا ويشرب “المارتيني” باستمرار.

 المرشّح الثاني يعاني من السمنة والاكتئاب وتعرّض لنوبتين قلبيتين وقد خسر ثلاثة انتخابات، وهو يشرب الشمبانيا والكونياك والويسكي ويأخذ حبّتين من دواء منوّم قبل أن ينام. إنه لا يستطيع أن يعمل ليلا أو نهارا إلا إذا كان السيجار في فمه.

  الثالث هو بطل حرب يحمل أوسمة رفيعة ويعامل المرأة باحترام، وهو لا يدخّن إلا البيرة في مناسبات نادرة.

 من الطبيعي أن ينجرف الطلاب إلى اختيار المرشّح الثالث الذي بدا بنظرهم مثاليا، قبل أن يكشف الأستاذ أسماء المرشّحين الثلاثة ويبلغ الطلاب أن الأوّل هو الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، والثاني هو ونستون تشرشل، أما المرشّح الثالث المتّزن والمنضبط فهو أدولف #هتلر.

 لن تتغيّر صورة الحكم في لبنان قبل أن تتغيّر معايير الناخبين، وهو أمر بعيد المنال.