الرئيسية / مقالات / المشرقية ما بين الإطلاق والطلاق؟

المشرقية ما بين الإطلاق والطلاق؟

يستعمل الآباء اليسوعيون منذ زمن بعيد عبارة الشرق الأدنى للمنطقة وفق تصنيف الاقاليم التابعة لرهبانيتهم العالمية، وينطلق الوصف تاريخيا من موقع أوروبا الذي كان قلب العالم، ومنه تتجه الإرساليات والحملات الى بقاع الدنيا. ومن هذا الموقع الجغرافي تحدد التسميات. لكن اليسوعيين بما يعرف عنهم من ذكاء ودهاء، لم يستعملوا يوما تسمية “المنطقة العربية” ولم يتوقف أحد عند هذا التجاهل، ربما لانهم أدركوا قبل غيرهم أن المنطقة ليست عربية، وإنما خليط حضارات وشعوب توالت عليها.

في الامس القريب، اطلقت مجموعة من اللبنانيين المسيحيين تجمعا جديدا حمل تسمية “اللقاء المشرقي” بتأثير واضح ربما من الرابطة السريانية ورئيسها حبيب افرام الذي حمل باستمرار هذا اللواء، معتبرا ان مفهوم العروبة إلغائي وظالم، لانه لا يحترم التعدد والتنوع في هذا الشرق. علما أن العروبة القادرة على الجمع بين عرب من مختلف الديانات شكلت على الدوام رابطة جامعة تراجعت أمام سوط الإسلاميين بدفع دولي يريد للمنطقة ان تغرق في صراعات طائفية ومذهبية وإتنية لتستمر في ضعفها ووهنها وتعجز عن مقاومة اسرائيل.

ومفهوم المشرقية أوسع مدى من العروبة غير القادرة على استيعاب من هم خارج التصنيف العربي، وهم كثر يعيشون في المنطقة ولا ينتمون الى العروبة ولا يريدونها لغة وحضارة وتراثا، ومنهم السريان والارمن والاقباط والكلدان والآشوريون، وايضا الاكراد، واليهود. وهؤلاء ليسوا دخلاء على دنيا العرب، او على دول المشرق، لانهم في صميمها، وبعضهم أصل ناسها ومواطنيها.

“المشرقية حضن حضاري ثقافي يمتد على مساحة العراق وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين، لكننا نريد تحويلها من مفهوم مجرد للحضن إلى حاضنة جغرافية حسية على أمل أن تأخذ شكل الكيان السياسي الاقتصادي الذي يحصد هذا الكمّ الحضاري والإرث الثقافي غير المسبوقين في تاريخ البشرية”. وفق ما قال رئيس اللقاء الوزير جبران باسيل في مؤتمر عقد قبل يومين.

واعتبر ان “ابناء المشرقية هم الذين أيقظوا العروبة في وجه التتريك وهم أول من تصدى للصهيونية بعقيدتها وبمشروعها القائم على تمزيق فلسطين وخلق كيان احادي بديل منها وتوليد توترات من حوله بهدف تشجيع كل الكيانات المتنوعة المحيطة. وأبناء المشرقية هم الذين أشعلوا حركات التحرر والاستقلال، واحتضنوا الحداثة والمدنية والعلمنة فحافظوا على الخصوصيات من دون تقسيم ولا تقوقع. إن مشرقيتنا تنشد الوحدة”.

لكن متابعة اولية للمشروع الوليد تظهر مسيحيته المطلقة، ولبنانيته الضيقة، والتزامه خطا سياسيا واضحا يرتبط بالعهد الحالي، ويرئسه رئيس تيار سياسي لبناني يثار معه وحوله جدل كبير، ما يعني ان الاهداف والتطلعات التي اعلن عنها في المؤتمر الآنف الذكر، كما في كل الخطاب “المشرقي”، وتحديدا في خطاب رئيسه الذي اعتبر بيانا تأسيسيا، تبقى حبرا على ورق، لانها في طلاق مع الواقع التعددي في المشرق، فاللقاء محدود التمثيل والتعدد والتنوع. الفكرة جيدة، لكن انطلاقتها ضعيفة، وتحتاج الى تقويم مبكر حتى لا تعيش في الطلاق الكلي مع الشعارات وتسقط باكرا.

ghassan.hajjar@annahar.com.lb

Twitter:@ghassanhajjar

اضف رد