الرئيسية / home slide / المستقبل الذي حضر دون استئذان (8): تأملات مفكِّر إسرائيلي

المستقبل الذي حضر دون استئذان (8): تأملات مفكِّر إسرائيلي

28-04-2022 | 00:20 المصدر: “النهار”

جهاد الزين

مصادر للطاقة البديلة.

للمهتمين بقراءة المستقبليات لا غنى عن قراءة المفكر الإسرائيلي يوفال #نوواه هاراري أستاذ التاريخ في الجامعة العبرية. تمكنتُ في الفترةالأخيرة، ولو متأخرا، من أن أقرأ كتابَيْه سابيان (Sapiens – A Brief History of Humankind) و (21Lessons for the 21st century) اللذَيْن طلبتُ من صديق في باريس إرسالهما لي باليد فأرسلهما مع أحد معارفه اللبنانيين القادمين إلى بيروت.

ومع أن موضوع هذين الكتابين، وكتاب ثالث للكاتب نفسه لم أقرأه، هو موضوع شامل على مستوى الجنس البشري وجغرافية العالم والحضارات إلا أن الكتاب الآخر عن “دروس القرن الحادي والعشرين” بدا لي أدنى مستوى من الأول ويظهر أنه حصيلة مداخلات شفهيةالطابع أو الأصل ربما قدّمها لطلابه في الجامعة مما يُفْقِده التركيز على المصادر التي تستلزمها الكتابة البحثية التي طبعت كتابه الأول بمقارباته غير العادية أو أنه استهلك معظم أفكاره و توقعاته في كتابه الأول . وقد رصدتُ في كتابه عن القرن الحادي والعشرين ، وهوالثالث في سلسلته ذات الكتب الثلاثة التي باعت ملايين النسخ حول العالم (12 مليون نسخة حتى نيسان عام 2020)، رصدتُ كيف سيقارب الموضوع الإسرائيلي في السياق الذي يطرحه كتابه عن مصير الدول- الأمم والدعوات القومية والدينية وعلاقتها بالشعوب الأخرى فلاحظت انه يصبح حذرا جدا حين يقترب الموضوع من إسرائيل رغم أن هذا العقل النقدي الموسوعي يذهب بعيدا في حرية تقييماته للأديان والقوميات والوطنيات ومصائرها. لا بل حين يأتي على ذكر “الجماعات الوهمية” أو “الجماعات المتَوَهَّمَة”، في كتابه الأول (Sapiens الفصل 18) فهويذكر في مجال الدول والتاريخ السياسي لبنان والعراق وسوريا والأردن كجماعات قرّر هويتَها الوطنية ” بضعةُ ديبلوماسيين بريطانيين وفرنسيين لا يعرفون التاريخ المحلي ” ولا يأتي على ذكر إسرائيل مع أن المنطقي أن يفعل حين يصل البحث إلى الشرق الأوسط، وأقول ذلك ليس فقط بسبب كون إسرائيل كيانا مستجدا بعد الحرب العالمية الثانية، وانطلق هذا الكيان سياسيا كمشروع بعد الحرب العالمية الأولى كبقية الكيانات، بل أساسا بسبب طبيعة استقدام معظم سكان إسرائيل من خارج البقعة التي أُنْشِئت عليها. لأن الكيانات الأخرى تختلف جوهريا في كونها أقيمت من مجموعات سكانية أصيلة كانت تعيش على أرضها وليس بعيدا عنها. وهذا التجاهل يثير التعجب لأننا أمام مفكرذكي جدا ولا يعقل أن تفوته هذه المقارنات.

بعد هذه المقدمة أذهب إلى كتابه الأول Sapiens لأن موضوعنا هنا هو حلقتي الثامنة من سلسلة التفكير في مستقبل المنطقة” و”المستقبل الذي حضر دون استئذان” .وأقف عند فصل سريع من كتاب هاراري ولكن فائق الأهمية ويستخدم في أحد عناوينه عنوان: محيط من الطاقة.

هذا النص اليوم أكتبه وفي ذهني أشقاؤنا الخليجيون لأنه يتعلق أساسا بالطاقة ومصادرها ولأن الجيل الجديد من قادتهم السياسيين والفكريين والإعلاميين أظهر اهتماما ملموسا في التفكير المستقبلي يتركّز بصورة خاصة في مستقبل النفط والغاز كمصدرين أتاحا للخليج الحصول على عائدات، أيا تكن بعض الملاحظات على استخدامها فقد استفادت منها شعوبهم، أي الشعوب الخليجية، كما استفاد الكثيرالكثير من العرب منها ولا زالوا. ويحضرني هنا حين أذكر النخبة الخليجية كتاب الدكتور محمد الرميحي: “الخليج ليس نفطاً” الذي أطلق مبكرا أسئلة وأجوبة جوهرية حول التكوين الخليجي ومفاهيمه السياسية والاجتماعية والثقافية وطبعا الاقتصادية.

وبما أنني لست هنا في مجال مراجعة مجمل كتاب نوواه هاراري وإنما في مجال التركيز على أطروحته الهامة حول الطاقة، سأقف بشكل سريع عند بعض أبرز الأفكار والمعلومات التي تضمّنها الفصل 17 حول الطاقة ومستقبلها،وأجدها مثيرة جدا للاهتمام خصوصا للعالم العربي وبصورة أخص لمنطقة الخليج منه.

في رد نوواه هاراري على سؤال يطرحه:
لماذا يتخوّف كثرٌ من أن #مصادر الطاقة توشك على النفاد؟
يجيب : على نحو أدق، الحدود الوحيدة (لاستثمار مصادر الطاقة اللامحدودة التي نملكها كبشر يعيشون على هذا الكوكب) هي تلك التي يفرضها علينا جهلنا. جهلنا وحده. ولذلك يستنتج أن التقدم العلمي سمح بالانتباه إلى أن المصدرين اللامتناهيين للطاقة هما النبات والشمس.

إنه يشرح:
“ ….سيطرت دورتان أساسيتان على التاريخ البشري: دورات نمو النبات والدورات المتغيّرة للطاقة الشمسية (نهار وليل، صيف وشتاء). حين كان ضوء الشمس شحيحاً وكانت حقول القمح لا تزال خضراء، كانت كميات الطاقة المتاحة للإنسان ضئيلة. كانت صوامع الحبوب تفرغ من المحاصيل، ويتوقّف جباة الضرائب عن العمل، وكان الجنود يجدون صعوبة في التنقل والقتال، وكان الملوك ينزعون عادة إلى المهادنة والحفاظ على السلم. وحين كانت أشعة الشمس تسطع بقوة وتنضج سنابل القمح، كان الفلاحون يحصدون المحاصيل ويملأون مخازن الحبوب. وكان جباة الضرائب يهرعون للحصول على حصتهم. وكان الجنود يستعرضون عضلاتهم ويشحذون سيوفهم. وكان الملوك يعقدون المجالس ويخططون لحملاتهم المقبلة. كان الجميع يشحنون أنفسهم بالطاقة الشمسية – التي كانت تُجمَع وتوضَّب في القمح والأرز والبطاطا.”

ويتابع:
“كانت الثورة الصناعية، في صميمها، ثورة في تحويل الطاقة. فقد أظهرت مراراً وتكراراً أنه لا حدود لكمية الطاقة الموضوعة في تصرفنا. أوعلى نحو أدق، أظهرت أن الحدود الوحيدة هي تلك التي يفرضها علينا جهلنا. نكتشف، كل بضعة عقود، مصدراً جديداً للطاقة، وهكذا فإن مجموع كميات الطاقة المتاحة لنا هو في ازدياد مستمر.”

“لماذا يتخوّف كثرٌ من أن مصادر الطاقة توشك على النفاد؟ لماذا يحذّرون من كارثة إذا استنزفنا كل كميات الوقود الأحفوري المتوافرة؟ من الواضح أن العالم لا تنقصه الطاقة. كل ما ينقصنا هو المعرفة الضرورية لاستخدام الطاقة وتحويلها بما يتناسب مع احتياجاتنا. كمية الطاقةالمخزّنة في مجمل الوقود الأحفوري في الكرة الأرضية ضئيلة جداً مقارنةً بكمية الطاقة التي توفّرها الشمس يومياً، ومن دون أي كلفة. لايصلنا سوى جزء صغير جداً من الطاقة الشمسية، لكنه يولّد 800 766 3 إكساجول من الطاقة سنوياً (الجول وحدة لقياس الطاقة في النظام المتري، تساوي تقريباً كمية الطاقة التي تستهلكها لرفع تفاحة صغيرة مسافة متر واحد نحو الأعلى؛ والإكساجول يساوي 108 جول– أي عدد كبير جداً من التفاح). تستحوذ جميع النبتات في العالم على نحو 3000 إكساجول فقط من وحدات الطاقة الشمسية من خلال عملية التركيب الضوئي. وتستهلك جميع الأنشطة البشرية والصناعات مجتمعة نحو 500 إكساجول سنوياً، أي ما يساوي كمية الطاقة التي تحصل عليها الأرض من الشمس في تسعين دقيقة فقط. هذا ما تؤمّنه الطاقة الشمسية لوحدها، علماً بأننا محاطون أيضاً بمصادر هائلةأخرى للطاقة، مثل الطاقة النووية وطاقة الجاذبية، وتتجلى هذه الأخيرة بصورة خاصة في قوة حركة المد والجزر المحيطية التي يسببها تأثيرجاذبية القمر على الأرض.”

“قبل الثورة الصناعية، كانت سوق الطاقة البشرية تعتمد بصورة شبه كاملة على النبات. كان الناس يعيشون بجوار خزّان للطاقة الخضراءيولّد 3000 إكساجول في السنة، وكانوا يحاولون ضخ أكبر قدر ممكن من الطاقة من الخزان. إنما كانت هناك حدود واضحة للكميات التي يمكنهم استخراجها. خلال الثورة الصناعية، أدركنا أننا نعيش في الواقع بجوار محيط ضخم من الطاقة يحتوي على مصدر محتمل للطاقةيؤمّن مليارات مضاعفة من وحدات الإكساجول. كل ما نحتاج إليه هو اختراع مضخّات أفضل.”
“ولّدت الثورة الصناعية مزيجاً غير مسبوق من الطاقة الرخيصة والوافرة والمواد الخام الرخيصة والوافرة. وكانت النتيجة زيادة هائلة في الانتاجية البشرية. وقد تجلّت هذه الزيادة بصورة خاصة في الزراعة. عادةً حين نفكّر في الثورة الصناعية، تخطر في بالنا مشاهد المداخن التي يتصاعد منها الدخان في المدن، أو محنة عمّال مناجم الفحم الذين يتعرضون للاستغلال ويتصببون عرقاً في جوف الأرض. ولكن الثورةالصناعية كانت قبل أي شيء آخر الثورة الزراعية الثانية.
“ازدادت إنتاجية الحقول والحيوانات إلى حد كبير بفضل الأسمدة ومبيدات الحشرات الصناعية، وترسانة كاملة من الهرمونات والأدوية.
“حالياً، يعتاش اثنان في المئة فقط من سكان الولايات المتحدة من الزراعة، ولكنهم ينتجون كميات تكفي لتأمين المواد الغذائية لجميع سكان الولايات المتحدة، لا بل أكثر من ذلك تُصدَّر الفوائض إلى باقي دول العالم.” (انتهت هذه الفقرات المترجمة حرفياً عن الفصل 17 من الكتاب).
لا تترك هذه التأملات العلمية مجالاً للشك أن البشرية سائرة حتما نحو الاستغناء عن النفط والغاز كمصدرين وحيدين للطاقة مع استبدالهما ليس فقط بالطاقة الشمسية ومخزونها اللانهائي بل بمصادر أخرى لم يكتشفها العلماء بعد، استنادا لكون “الجهل” هو المانع الوحيد أمام استخدامها حسب نواه هاراري.

وكل الخلاصات السياسية الاستراتيجية تصبح مفتوحةً إذا صحّت هذه الرؤية التي تعنينا مباشرة وتعني بصورة خاصة أشقاءنا أهل الخليج :
تغيير مصادر الطاقة مسألة وقت، تأخّر أم لم يتأخر.


‏‪j.elzein@hotmail.com‬‬
‏Twitter: @ j_elzein

الكلمات الدالةمصادر الطاقة