الرئيسية / home slide / المستقبل الذي حضر دون استئذان (10)… الصين بين تحديات الذكاء الاصطناعي وشيخوخة السكان!

المستقبل الذي حضر دون استئذان (10)… الصين بين تحديات الذكاء الاصطناعي وشيخوخة السكان!

19-05-2022 | 00:20 المصدر: “النهار”

جهاد الزين

تعبيرية.

رغم كل النجاح في مجال إنتاج ال#تكنولوجيا العالية وتصديرها الذي غزا أسواق العالم، لا تزال #الصين دولة مستوردة على ضوء معاييرتصنيع التكنولوجيا الدقيقة لاسيما في “الهاردوير” (الرقاقات والأجهزة).

من أبرز الدراسات في هذا المجال تقرير الاقتصادي ديتر إرنست عام 2020 الذي نقلت أبرز نقاطه المجلة المتخصصة EE Times. يخلص أرنست أنه لا زال بإمكان الولايات المتحدة الأميركية وقف قدرة الصين على تطوير نفسها إذا أوقفت واشنطن تصدير منتجات التكنولوجيا العالية إليها. ويستطيع المراقب أن يستذكر هنا أن هذا التشديد على “الوطنية التكنولوجية الأميركية” صدر في السنة الأخيرة من عهدالرئيس دونالد ترامب الذي كان باشر قبل ذلك في التشديد على محاولة خنق التقدم الصيني في التكنولوجيا. ولهذا فهو يستنتج أن الخوفمن تهديد الصين للطليعيّة الأميركية ليس له أسس على أرض الواقع.

جورج ج. جيلباي كتب عام 2004 في “فورين أفيرز”وكان يدير شركة متعددة الجنسيات في بكين منذ العام 1995 أن الصين بلد مستورد أكثر من أي بلد آخر في شمال شرق آسيا. ويضيف أنه “صحيح أن لديها فائضاً لصالحها يبلغ 124 مليار دولار مع الولايات المتحدةالأميركية غير أن لديها عجزا تجاريا لصالح دول عديدة: 15 مليار دولار مع اليابان و23 مليار دولار مع كوريا الجنوبية و40 مليار دولار معتايوان و16 مليار دولار مع دول منظمة جنوب شرق آسيا (ASEAN). والصناعات المصنّفة دقيقة (التكنولوجيا العالية) بلغت عجزا من 12 مليار دولار سنويا في العقد المنصرم” ( حتى 2004).

لكن حسب مقالة في أيار عام 2019 لجايمس ماكبرايد نائب مدير تحرير “فورين أفيرز” وأندرو تشازكي كان هدف الصين الرئيسي لا يزالخفض تبعية الصين في مجال التكنولوجيا العالية وتعزيز الصناعات الصينية في هذا المجال في الأسواق العالمية. وفي فرع آليات التسييرالذاتي الذي تعطيه الصين أهمية فائقة يمثِّل طلبُها عليه ستين بالماية من الأسواق العالمية ولكنها لا تحتل سوى 13 بالماية من العرض العالمي. ويلاحظ الكاتبان أن الخطةالعشرية عام 2015 تحت عنوان “صُنِع في الصين 2025”
التي أُعلِن أن هدفها تحقيق اكتفاء ذاتي بنسبة 70 بالماية في صناعات التكنولوجيا العالية وتحقيق سيطرة على الأسواق العالمية عام 2049 موعد الذكرى المئوية الأولى لتأسيس جمهورية الصين الشعبية…. هذه الخطة لم يُشر إليها رئيس الوزراء الصيني لي كيكيانغ في خطابهأمام الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الوطني في بكين عام 2019. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يفعل شيئا كهذا، أي التجاهل، منذ الإعلانعن الخطة. وهكذا اتجه الرسميون الصينيون لاحقا إلى تقديمها كخطة غير رسمية.

وبالعودة إلى تقرير ديتر إرنست فإنه يركز على عدد من النقاط منها:

• تأخرت الصين كثيرا في الانخراط في أنشطة البحوث والتنمية في مجال #الذكاء الاصطناعي.
• لا تزال صناعة الذكاء الاصطناعي في الصين فتية فالولايات المتحدة بدأت قبل 60 عاماً، وتركّز “منذ البداية على الأبحاث الرياديةالأساسية”. أما الأبحاث عن الذكاء الاصطناعي في الصين فلم تبدأ إلا في الثمانينيات من القرن المنصرم.
• غالبا ما يبدي الأفرقاء في منظومة الذكاء الاصطناعي في الصين اهتماما أكبر ب “المراوغة وعقد الصفقات” ويسكنهم هاجسالشركات الناشئة المنتجة لرقاقات الذكاء الاصطناعي.
• بعد عام 2000 تبيّن أن سياسات التمويل من وزارة العلوم والتكنولوجيا والحكومات المحلية “تُحقق نجاحا مذهلاً” ما أدّى إلى تعزيزدور الباحثين الصينيين المتخصصين بالذكاء الاصطناعي في كبريات المؤتمرات والمجلات المعنية.

في كتابه “طريق الحرير الديجيتالي” يصف جوناثان إي. هيللمن بطريقة قد تستهوي قراء الصحف وصفحات الرأي كيف “يلعب” الأفرقاءالثلاثة الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا التي تطمح أساسا إلى تفاهم بل تطوير التفاهم بين المجتمعات الديموقراطية على طرفي المحيطالأطلسي ، والصين بالمقابل ، كيف “يلعب” كلٌ منهم هذا الصراع على التكنولوجيا العالية. فيقول أنه بينما واشنطن التي تملك أكبر الشركاتالعملاقة وهي تتصرف ك “tycoon” تلعب لعبة “المونوبولي” للمزيد من التوسّع، تلعب الصين، الدفاعية داخل أراضيها والتي تتقدم شركاتهافي الخارج، تلعب لعبة “الريسك”، أما الاتحاد الأوروبي الذي ليست لديه عمالقته التكنولوجيون فيتصرف كشرطي سير على أساس لعبةالضوء الأحمر والضوء الأخضر. إذْ يرسل الاتحاد الأوروبي إشارات متناقضة، حسب هيللمن، بين الرغبة بتوحيد الجهود ومع واشنطنوالسعي لتطوير علاقات أساسية مع الصين، في وقت أصبح الفصل بين الاقتصاد والمصالح الاستراتيجية مفهوما غير مقبول في واشنطنكما يرى الكاتب.

لاحظت “الوول ستريت جورنال” في عددها في السادس من أيار أن بعض شركات التكنولوجيا العالية الصينية العملاقة خفّضت تعاملاتهامع السوق الروسية منذ بدأت الحرب في أوكرانيا ومرد ذلك الخوف من تأثير العقوبات الأميركية عليها. وهذا يُظْهِر إلى أي حد تتأثر الصينبالاعتبارات التجارية حتى مع شريك كبير كروسيا كما مدى سيطرة الولايات المتحدة على الاقتصاد العالمي. مع العلم أن هذه التخفيضاتفي التعامل تتم، حسب الصحيفة، بضغط مباشر من شركات تصدير معدات تكنولوجية أميركية تحتاجها الصناعة الصينية.

على صعيد لا يمكن إغفاله في هذا السياق، لا نعرف من أين تأتي بعض المقالات الجادة في الصحافة الأميركية المتخصصة بالسياسةالخارجية بمعلوماتها حين يجزم كاتب أو أكثر بأن الصين تنفق المبالغ نفسها التي تنفقها الولايات المتحدة في مجال تعزيز الصناعةالعسكرية بالذكاء الاصطناعي. بل يذهب هؤلاء إلى أن سيناريوهات حرب بين الدولتين على تايوان باتت توضع في بكين في مجالاستعدادات تطوير الذكاء الاصطناعي العسكري. والسؤال هنا لماذا إذا كانت واشنطن متقدمة عموما في أبحاث الذكاء الاصطناعي ستكونأقل اندفاعاً من الصين في المجال العسكري؟ حتى ليخيل للقارئ غير المتخصص مثلي، أن بعض هذه المقالات ولو في مجلات ك”فورينأفيرز” لا يعدو كونه جزءا مدروساً ومعقداً من البروباغاندا !؟

على أني أختم هذه الحلقة بملاحظة أراها ضرورية. فالانطباع السائد هو أن الصين التي أصبح عدد سكانها العام 2022 حوالي مليار وأربعمائةوخمسين مليون نسمة ( 1,449,590 مليار حتى الأسبوع المنصرم! حسب داتا الأمم المتحدة) تتميّز بالوفرة السكانية الشبابية .. ولكن هذا انطباع خاطئ في نظر خبراء أميركيين، بل هي تشيخ بسرعة. فحسب الإحصاءات التي ينقلها كارل ميزنر الأستاذ في القانونفي مقالة في “فورين أفيرز” في 3 أيار الجاري، بلغ عام 1978 متوسط عمر المواطن الصيني 21,5 سنة وقد ارتفع عام 2021 إلى 38,4سنةمتجاوزا المعدّل الأميركي وإذا استمرت الصين في هذه الوجهة فمن المتوقع أن يصل معدل العمر العام فيها عام 2050 إلى خمسين عاماً. ويشير الكاتب أن الصين حقّقت تاريخيا، وتحديدا منذ ما بعد نهاية الحرب الأهلية عام 1949 تقدما سريعا في الصحة العامة. لقد دخلتالصين عام 2021 حقبة السماح بِ وتشجيع ولادة الطفل الثالث عندما يكون أحد الأبوين وحيدا لأبويه بعدما كانت قد انتقلت إلى التخلي عنسياسة الطفل الواحد للزوجين عام 2016 والسماح بسياسة طفلين للعائلة الواحدة. ومن المثير أن نقرأ حجم نظام مراقبة الكاميرات الذيوصلت إليه الصين والذي تقول بعض الإحصاءات أنه بات يطال نصف عدد السكان. إنما علينا أن نكون أيضا حذرين حيال أي تضخيمغربي، وأميركي تحديدا، لهذه الظاهرة في سياق “الشيطنة” الغربية المتواصلة لقدرات الحزب الشيوعي الصيني السياسية.

ليست جديدةً ظاهرة الدولة المتقدمة اقتصادياً والهرِمة سكانيا، فدول الغرب هي كذلك بينما نحن في العالم الثالث العكس. متخلفونوشباب… وبلا مستقبل إلا بعض الاستثناءات!


‏‪j.elzein@hotmail.com‬‬
‏Twitter: @ j_elzein