الرئيسية / home slide / المساكنة المستحيلة في جمهورية بيت العنكبوت

المساكنة المستحيلة في جمهورية بيت العنكبوت

تأتي مطالبة السيد نصرالله لحكومة الرئيس حسّان دياب بالتوجه شرقا في غير مكانها وزمانها.

على رغم حيازة “حزب الله” ترسانة صاروخية دقيقة وغير دقيقة وفي رصيده خبرة قتالية تراكمت عبر السنين وهو يعارك أعداء إيران انطلاقا من لبنان وامتدادا نحو سوريا والعراق واليمن، وعلى رغم إطباقه على القرار السياسي لحكومة الرئيس حسّان دياب بالتكاتف مع قيادة “التيار العوني” لا القاعدة الشعبية المسيحية، وعلى رغم تصريح قائد فيلق القدس الراحل قاسم سليماني بأن “حزب الله حقق نصرا كبيرا، وحصد 74 مقعدا من أصل 128” في الانتخابات النيابية اللبنانية الاخيرة، فإننا نلاحظ ان موقف الحزب بات مُرتبكا ومُتعثرا بل مشلولا أمام جدار الفساد وكأنه أوهن من خيوط بيت العنكبوت.

لم تأتِ التبريرات التي عدَّدها السيد حسن نصرالله خلال مقابلته الإعلامية في الذكرى العشرين لتحرير الجنوب اللبناني مقنعة للرأي العام حول أسباب قصور الحزب عن مكافحة الفساد، على رغم اطلاقه شعار “إن مكافحة الفساد أصعب من محاربة إسرائيل”. لقد استفاض السيد نصرالله في تصوير عملية مكافحة الفساد على انها سلحفاتية بطيئة لا “ثورية”، وهي بحاجة الى أكثر من ثلاث سنوات، كما تتطلب قضاة استشهاديين وتستلزم ازالة القوانين التي تحمي الفاسدين. أما الخيار الآخر فهو الانتظار عامين الى حين اقتراب موعد الانتخابات النيابية لإحداث التغيير المرتجى في تركيبة الطبقة السياسية الفاسدة، مُسقطاً إمكان ابتداع المجلس النيابي الحالي الفاقد شرعيته الشعبية أسباباً قاهرة للتمديد، كما جرت العادة.

ومع ان السيد نصرالله طالب الحراك المدني بالضغط على الطبقة السياسية اللبنانية لإحداث التغيير، الا انه في الوقت عينه ادّعى انه مسيَس وينصاع لأوامر خارجية وينسّق مع السفارات الأجنبية، كما يسعى الى استهداف العهد والحكومة ورئيس مجلس النواب مع “حزب الله”… والسؤال الذي يتبادر فورا الى الذهن هو: ضد مَن يريد السيد نصرالله أن يسدد الحراك المدني سهامه؟

الاكثر غرابة ان السيد نصرالله الذي يطالب الحراك المدني بعدم قطع الطرق والتعدي على الأملاك العامة، هو ذاته الذي اجتاح حزبه العاصمة بيروت والجبل في 7 و11 أيار من العام 2008 مدججاً بالعتاد والسلاح، حيث سقط في حينه اكثر من سبعين مواطنا لبنانيا، ضاربا عرض الحائط النتائج الدامية والمدمرة التي اعترت صيغة العيش المشترك، بعد اعتباره الاجتياح الدموي يوما مجيدا!

واذا كان “حزب الله” لم يتحمل بضع ساعات قرار حكومة الرئيس فؤاد السنيورة بمصادرة شبكة الاتصالات التابعة له، فكيف يطالب السيد نصرالله الحراك المدني بتحمّل لصوص السلطة سنوات أخرى بدل المسارعة فورا الى تأييد مطالبهم ومساندتهم لاستعادة الأموال العامة المنهوبة، أو أقله عدم تعطيل انتفاضتهم عبر غض النظر عن مواكب الدراجات النارية الزاحفة براياتها السود والصفر، والمنطلقة من الضاحية الجنوبية ومنطقة الشياح والخندق الغميق الى وسط العاصمة وهي تشتم بعض الرموز الدينية وتهتف بغضب ممزوج بالتحدي والثأر “شيعة، شيعة، شيعة” ليتعدّوا على خيم الحراك المدني بعد إضرام النار فيها، محوّلين بيروت الى ما يشبه معركة كربلاء!

وعلى رغم معرفة النائب حسن فضل الله بأن القضاء عاجز حتى يومنا هذا عن محاسبة الطبقة السياسية التي تأسر استقلاليته، فقد أمسى مشهد النائب مُقلقا بل مضجرا وهو يلوّح بملفات الفساد من دون البوح عن فحواها امام محكمة الرأي العام اللبناني.

كل ذلك يعطي انطباعا بأن الغرض الحقيقي من اطلالات النائب فضل الله الاعلامية لا تصب في مسار عملية مكافحة الفساد، انما في استغلال “حزب الله” لتلك الملفات كسلاح فعّال لتطويع خصومه وتجميد حركة معارضيه. هذا مع العلم بان الحزب وحلفاءه متهمون هم أيضا بأنهم شركاء في منظومة الفساد التي هدمت بنية الدولة اللبنانية وفككتها لمصلحة الفيديراليات الطائفية والمذهبية وفي صدارتها فيديرالية “حزب الله”.

تأتي مطالبة السيد نصرالله لحكومة الرئيس حسّان دياب بالتوجه شرقا في غير مكانها وزمانها. فلو كان العلاج للأزمات الاقتصادية بالاتجاه شرقا، لكانت إيران أول من سلك ذاك الدرب، عوض التوجه نحو صندوق النقد الدولي طالبة قرضا بقيمة خمسة مليارات دولار اميركي. كما ان كشف السيد نصرالله ان الصين محظور عليها دخول السوق اللبنانية بقرار اميركي، يؤكد أن طرح نظرية التوجه شرقا ما هو إلا طبخة بحص لشراء بعض الوقت تعويما لحكومة الرئيس دياب المترنحة، فيما المنشود وقوف لبنان على الحياد وتموضعه على الخط الفاصل بين الشرق والغرب!

واللافت قول السيد نصرالله بان لدى “حزب الله” خطة اقتصادية، الا انه يتمنّع عن كشفها لكي لا تُحارَب من بعض اللبنانيين، وبأن قادة الاحزاب والتيارات السياسية متآلفة بعضها مع بعض، فيما قواعدها على تباعد وتنافر بل تصادم عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وقد قدّم السيد نصرالله مثالا على ذلك المرحلة التي سبقت ترشيح العماد ميشال عون حيث احتدم الصدام بقوة بين قواعد “حزب الله” و”التيار العوني”، مما يعطي انطباعا بأن الثقة بين قواعد حلفاء المحور السوري – الايراني أصبحت شبه مفقودة، وبأن مقولة “الجيش والشعب والمقاومة” باتت مخلّعة الركائز او ربما منتهية الصلاحية.

تتلخص ازمة لبنان الحاضرة بوجود تصادم بين ثقافتين متناقضتين، حاول الرئيس رفيق الحريري المساكنة بينهما فانتهى شهيدا. كان الرئيس الحريري رجل تسامح واعتدال وسلام ينظر الى مستقبل لبنان، فيما السيد نصرالله كرجل مقاومة ينظر الى مستقبل ايران. كان الحريري يريد بناء لبنان الحديث مستخدما كل علاقاته العربية والدولية، بينما يريد السيد نصرالله استخدام لبنان لتحرير القدس ونصرة ايران. كان رفيق الحريري يشكل حاجزا أمام سطوة المحور السوري – الايراني على لبنان… لذلك قتلوه. ثم يسألونك عن أسباب نشأة التطرف عند أهل السنّة وبروز أسماء مثل أبو بكر البغدادي وأيمن الظواهري وأبو مصعب الزرقاوي ومنظمات كداعش والنصرة وغيرهما؟!

لقد قلب “حزب الله” لبنان الى جمهورية أوهن من بيت العنكبوت يَسهل تمزيقها. فاستقلالية القضاء مفقودة، والحرية مهددة في أي لحظة بالاعتقال، والفقر متفشٍ بين السكان، والسلاح يحرس الفساد، مقابل غض نظر الفساد عن شرعية السلاح. بينما نريد نحن لبنان حرا وسيدا ومستقلا ومزدهرا ينعم بالسلام والاستقرار، كما أراده الشهيد الرئيس رفيق الحريري. لا نريد تحرير القدس على أنقاض لبنان، ولا مصارعة أميركا لئلا نقاسي من حصار وعقوبات. حياد لبنان هو الحل والعلاج، والا فان المساكنة باتت مستحيلة بين حلمين، حلم ولاية الفقيه وتحرير القدس، وحلم لبنان الواحد والجيش الواحد على مساحة 10452 كلم2!