الرئيسية / home slide / المزبليّة السياسيّة

المزبليّة السياسيّة

يكشف انفجار مرفأ بيروت الذي دمّر أحياء بكاملها في قلب العاصمة ولاسيما الجزء الشرقي منها وأدّى إلى مئات الضحايا بينهم من لا زال تحت الأنقاض، يكشف أن المعطى الأساسي أيا يكن المتورطون في الإهمال أو الفساد أو حتى التفجير المتعمّد الذي سمح بالتفجير، أكرر: مهما يكن مصدره، فإن جهاتٍ غامضةً نَظَرَتْ إلى مرفأ بيروت كمزبلة لتكديس مواد أو نفايات لا يمكن الاحتفاظ بها طويلا وبسهولة في مكان آخر أي في دولة أخرى. ونفّذت ذلك.

واقع الدولة المزبلة بدأنا نلمسه في الحقبة الأخيرة من الحرب الأهلية في ثمانينات القرن المنصرم. فلقد أظهرت قضية النفايات النووية آنذاك، بمعزل عن حجمها الحقيقي، وربما المتواصل إلى اليوم، أن الذي يسمح خارجيا وداخليا لجهات رسمية أو مافيات بالتفكير في اللجوء إلى تخزين مواد خطرة أو ممنوعة، أو تصريف مواد فاسدة، هو تحوّل الدولة اللبنانية إلى دولة مزبلة في العلاقات الدولية الخاصة والعامة.

مفهوم الدولة المزبلة، وهو مفهوم يمكن أن يُدرّس في العلوم السياسية، عندما تتيح شبكات الفساد السياسي والمالي والاجتماعي والاقتصادي المترابطة والمتداخلة في دولة ما، جعلَ هذه الدولة، أي أراضيها، مكاناً يمكن القيام فيه بعمليات تخزين أو تصريف مخالفة للقانون الدولي أو لقوانين الدولة نفسها.

بهذا المعنى فالمزبلة هي مؤسسة أو مؤسسات وليست مجرد تعبير مكاني، والمزبليّة هي سلوك ممنهج وليس انتقائيّاً.

المادة أو المواد التي تفجّرت في مرفأ بيروت لا تختلف من حيث آلية توجيهها إلى لبنان، بمعزل عن تفاوت نسب الخطورة، عن توجيه صفقات اللحوم الفاسدة والأدوية الفاسدة والسيارات المسروقة ( من وإلى لبنان) وأي مادة غذائية أو صناعية لا يمكن تصريفها أو تخزينها قانونا في دولة أخرى. من يدري ربما كان أيضا بين صفقات السلاح الذي يتدفّق على بلادنا سلاح فاسد أيضا!؟

الدولة المزبلة، ليست الدولة الملجأ. الثانية هي دولة حماية الحريات كما كان لبنان ذات يوم وكما هي فرنسا أو بريطانيا أو ألمانيا اليوم، دولة يلجأ إليها الهاربون من القمع والسجون في عالم ثالث مليىء بالاضطهاد، بينما الدولة المزبلة هي دولة الفساد الذي يستقبل الفساد ويصدِّر الفساد.

ليس ضعف الدولة التقليدي هو الذي يحدد معطى المزبلة بل “المؤسسة” السياسية التي تدير الدولة هي التي تحدد.. فخلال الحرب صارت الطائفية المسلّحة والعميلة مصدراً لإنتاج سياسيي المزبلة الذين تخرجوا في الشارع من “مدارس” الخروج على القانون، وعندما انتهت الحرب وسيطر هؤلاء المزبليّون على الدولة، صارت الدولة مزبلة، أي انتقل الفساد فيها إلى المرحلة المزبليّة وهي أعلى مراحل الدولة الفاسدة.

لم ننتبه نحن اللبنانيين أن جوهر أزمة النفايات التي فجّرت الحراك المدني عام 2015 و الذي كان أول إرهاص لثورة 17 تشرين الأول 2019، كما ظهر لاحقا، هو أن الفساد المزبلي العميق والشامل في الحياة السياسية اللبنانية، أقفل الطريق، في جملة ما أقفل، حتى على النفايات الطبيعية من حيث بدا أن الأرض اللبنانية كما لو أنها لم تعد تتسع للمزابل “الطبيعية” التي هي جزء من الحياة الصحية السليمة في أي دولة. امتلأت المزابل الأخلاقية والمالية والسياسية داخل أجهزة الدولة التي استخدمتها الميليشيات كمزابل لنفوذها، امتلأت بحيث لم تعد هناك قدرة أو متّسع لتخزين أو إحراق أو تحويل النفايات الصحية. صارت هذه الأخيرة وهي تملأ الشوارع أكثر نظافة من النفايات السياسية التي تتحكّم بنا ولا نعرف إلى اليوم ماذا تخزّن في أرضنا ومؤسساتنا وحتى بعض مدارسنا وجامعاتنا ومصارفنا.

كان كل ذلك يحصل ومواد النيترات أمونيوم وغيرها موجودة في العنبر رقم 12 في مرفأ بيروت ونحن منشغلون بنفايات أخرى أقل خطورة ولا نعرف أننا صرنا مشروع تفجير موقوت على مدى سنوات. هناك دولٌ في القارة الإفريقية بلغت مستوى الدولة المزبلة قبلنا. العراق، ليبيا، اليمن، تفكّكت إلى الحد الذي لا نعرف فيه درجتها المزبلية، وهي مزبلية أكيدة، بينما هنا في بيروت يرتدي المزبليّون ثيابَ رجال دولة ويفتخرون بالإنجازات التي حقّقوها خلال تاريخهم المزبلي وهم ينتقلون من صناعة أو حماية أو إخفاء مزبلة إلى أخرى. أنبياء مزورون على مزابل حقيقيّة

حوّلوا أحد أجمل وأهم بلدان الشرق الأوسط إلى مزبلة قاتلة….

انفجرت في مرفأ بيروت مع نيترات الأمونيوم الشهادة الجامعية النفاية، والوظيفة النفاية، واللحوم النفاية، والانتماء الحزبي النفاية، وأكاد أقول المقال النفاية وحتى الأغنية النفاية. هذا انفجار الحمض النووي في جينات المزبليّين الذين يديرون حياتنا بل انفجار الثقافة السياسية المزبلية التي تدير حياتنا. أكاد أقول أيضا أن هذه الثقافة المزبلية تجعلنا جميعا مسؤولين عن استمرار الوضع القائم حتى لو كانت ثورة التغيير الشبابية تواجه معضلة عدم القدرة على التغيير. والمفارقة أن هذا العجز التغييري تشاركنا فيه دول كبرى من حيث أنها راغبة في التغيير وغير قادرة عليه في آن.

يجب أن ننتبه إلى أننا البلد الوحيد في العالم الذي انطلقت فيه ثورة نخبوية واسعة، بسبب النفايات. وهذا الجيل الواسع من آلاف شباب الطبقة الوسطى الذي استطاع أن يخاطب الروح النبيلة في الشعب اللبناني ويُسْقِط، أخلاقيا لا سياسيّاً، المافيا المزبلية هو نفسه ربما جعل انفجارُ مرفأ بيروت ما تبقّى من أحلامه التغييرية تتكسّر وتتطاير مع أطنان الزجاج المنهار.

وأنا، كأب، لن أقول لهذا الجيل الرائع ما لم أقله لبناتي قبل سنوات: هاجِرن……هاجِروا.

jihad.elzein@annahar.com.lb

Twitter: @ j_elzein