الرئيسية / أضواء على / المخطوطات اليمنية: تراث نفيس ومصير مجهول تحت نير الحرب

المخطوطات اليمنية: تراث نفيس ومصير مجهول تحت نير الحرب

 

صنعاء -أحمد الأغبري
القدس العربي
Nov 09, 2017

تواجه المخطوطات اليمنية، تحت نير الحرب، مصيراً مجهولاً في ظل ما تعانيه مكتبات هذا التراث في عموم البلاد، من تحديات ضاعف من مخاطرها استمرار ضعف الدولة وتعدد سلطاتها وتراجع اهتمامها بما دون الحرب.
الحديث عن المخاطر المُحدقة بتراث المخطوطات هناك، جراء الحرب، هو حديث عن تهديد يتعرض له أكبر تراث مخطوطات عربي. ويضاعف من فداحة هذه المخاطر، وفق باحثين، أن هذا التراث لم يحظ بما حظي به تراث مخطوطات البلدان العربية الأخرى، من اهتمام أصبح معه تراث معظم تلك البلدان آمناً؛ بينما تراث المخطوطات في اليمن لم يُستكمل ترميمه وتوثيقه ورقمنته إلكترونياً وفهرسته وتحقيقه وطباعته ونشره؛ بل لا يتوفر عنه حصراً كاملاً أو رقماً كلياً، ولا يضمه أو يديره مَجَمعاً شاملاً؛ إذ ما زال هذا التراث متناثراً في عموم البلاد بين مكتبات حكومية تحت سلطات متعددة، بالإضافة إلى مكتبات مواطنين، وبالتالي فإن تعرض هذا التراث لأي من مخاطر الحرب؛ قد يودي برصيد ثقافي باهظ الثمن من تراث هذا البلد وهذه الأمة.
مثّل اليمن، في عصر ما بعد صدر الإسلام، مركزاً مستقراً انتقل إليه الكثير من كنوز التراث العربي المخطوط من بلدان المراكز العربية التي كانت تعيش حينها صراعات سياسية وثقافية. تنتشر المخطوطات في كل مناطق اليمن وأبرز أماكنها: المدارس والجوامع والمكتبات الشخصية والمكتبات الحكومية. وتتمثل المكتبات الحكومية للمخطوطات في: دار المخطوطات في صنعاء والمكتبة الشرقية للجامع الكبير في صنعاء، مكتبة الاحقاف في محافظة حضرموت/ شرق اليمن، التابعتين لوزارة الثقافة، بالإضافة إلى المكتبة الغربية للجامع الكبير في صنعاء التابعة لوزارة الأوقاف. ويُعد «دار المخطوطات» في صنعاء أكبر مركز ومكتبة ومعرض للمخطوطات على مستوى البلد، ويمتد التهديد الذي تفرضه الحرب على مخزونه ليشمل كافة مكتبات المخطوطات في اليمن، بما فيها مكتبات المواطنين، الذين قد يضطرون بسبب الظروف المعيشية المتردية للتصرف بما في حوزتهم من مخطوطات، يتجاوز حجم مخزونها ما بحوزة المكتبات الحكومية، وفق مصادر رسمية.
مصدر في «دار المخطوطات» في صنعاء، طلب عدم ذكر اسمه، أوضح لـ«القدس العربي» أن انقطاع الكهرباء وتوقف صرف الموازنة التشغيلية للدار، جراء الحرب، تسببا بتعطيل معظم أعمال الدار، وفي مقدمتها أجهزة النظافة، التي كانت تعمل بشكل يومي داخل الدار، كما توقفت كافة أنشطة الدار الرئيسة، وفي مقدمتها: توثيق وفهرسة وصيانة وترميم المخطوطات وغير ذلك، معتبرا توقفها «مشكلة كبيرة وتهديدا أكبر». وكانت جهود حماية المخطوطات في الدار قبل الحرب قد أسفرت عن صندقة أربعة آلاف مخطوطة، فيما ما زالت عشرة آلاف مخطوطة بدون صناديق؛ وهو ما يهددها بالتلف في ظل توقف أعمال التنظيف. كما تسبب انقطاع الكهرباء بتوقف نظام المراقبة الإلكترونية عبر الكاميرات؛ وباتت الدار تعتمد، فقط، على حراسة الشرطة. ويختزن الدار، وفق أحدث معلومات ما قبل الحرب، (48) ألف مجلد ومخطوطة موزعة في أقسامه؛ منها (13) ألف مخطوطة بالإضافة إلى (15) ألف رق والبقية مجلدات.
وكانت «دار المخطوطات» في صنعاء قد أطلقت مشروع فهرسة لمخطوطاتها خلال فترة ما قبل الحرب، أنجزت فيه فهرسة نحو ألف مخطوطة، ومن ثم توقف المشروع، وما زال هناك زهاء (12) ألف مخطوطة بدون فهرسة.
يتوزع تراث اليمن من المخطوطات ما بين: رقوق قرآنية ومخطوطات ورقية… والأخيرة تشمل نحو ثلاثين علماً رئيساً، في ما تتفرد المخطوطات الرقية برصيد كبير من الخصوصية في جوانب متعددة. ويتجاوز عمر بعض الرقوق ضمن هذا التراث الألف عام، ويعود تاريخ نسخ بعض من المخطوطات إلى ما بين القرنين الأول والسابع الهجريين.

التهريب والسرقات

أرجعت مصادر، عدم حصر تراث اليمن من المخطوطات إلى الحجم الكبير لهذا التراث، وتناثره في مناطق البلاد، في ظل ضعف الإمكانات وتعدد وتداخل اختصاصات المؤسسات المعنية وغيرها من المشاكل. كما أن تناثر هذا التراث في مناطق البلاد مع محدودية جهود التوثيق وتأخرها، وعدم وجود مؤسسة واحدة معنية وتشريع واضح وصارم ووعي حكومي مُدرك لقيمة هذا التراث وغير ذلك، قد تسبب في تكريس معاناة هذا التراث من الإهمال خلال العقود الماضية، ما كان سبباً في تسريب بعضه لأيادي لصوص التاريخ ومافيا التراث، الذين بدورهم سربوه ويسربونه لبلدان كثيرة، من خلال أنشطة منظمة لعصابات مرتبطة بمزادات عالمية. وبالتالي فإن الحرب الراهنة تضاعف من هذه المخاطر، في ظل استمرار تراجع مكانة الدولة وضعف السلطات القائمة وتعددها وتجاهلها لأهمية هذا القطاع، في ظل الأوضاع المعيشية المتردية، وما قد تفرضه تداعياتها، سواء على صعيد دفع المواطنين إلى بيع مخزون مكتباتهم للصوص، أو على صعيد ما قد يتعرض له هذا التراث في المكتبات الحكومية من مخاطر السرقات والتلف. ووفق مصادر فإن تأريخ نهب وتهريب المخطوطات اليمنية ما زال مجهولاً، إلا أنه يعود في الغالب إلى ما قبل ثلاثمئة سنة، وتحديداً إلى القرن السابع عشر، حين أخذت بعثة (نيبور) الدنماركية، التي ورد ذكرها في كتاب «من كوبنهاغن إلى صنعاء» 70 صندوقاً تضم في داخلها مخطوطات يمنية من مختلف العلوم، ولم يُعرف أو يُكتب عنها شيء حتى يومنا هذا؛ نظرًا لتدني الوعي بأهمية هذا التراث، وعدم وجود مَن يهتم بهذا الكم الهائل من المخطوطات.
وحسب مؤرخين فإن القرنين الـ(19) والـ(20) شهدا عمليات تهريب واسعة للمخطوطات اليمنية، التي أصبحت مجموعات منها في مكتبات أوروبية وآسيوية وعربية. ووفق المصادر ذاتها فإن مكتبة (الميروزيانا) الإيطالية تحتوي ما يقرب من سبعة آلاف مخطوطة من المخطوطات اليمنية، فيما تحتوي مكتبة الكونغرس الأمريكية أكثر من ثلاثة آلاف مخطوطة منها سبعمئة مخطوطة نادرة، فيما تضم مكتبة المتحف البريطاني زهاء ألفي مخطوطة، بالإضافة إلى آلاف أخرى في مكتبة (الأسكريال) الإسبانية، ومكتبات وأرشيفات أخرى في مُدن وبلدان عديدة.
وشهدت «دار المخطوطات» في صنعاء عدداً من السرقات منها سرقة رواها المؤرخ اليمني الراحل إسماعيل الأكوع لكاتب السطور؛ وتمت في بداية تسعينيات القرن الفائت، وتمت فيها سرقة نحو (14) مجلداً مخطوطاً نفيساً من مكتبة الدار في الجامع الكبير في صنعاء.
وعلى الرغم من الجهود الحكومية التي بذلت خلال فترة ما قبل الحرب في مجالات التوثيق والفهرسة والاقتناء، إلا أنها ظلت جهوداً محدودة لاحتياجها لتضافر جهود قطاعات ومؤسسات مختلفة وفق استراتيجية وطنية تعالج وضع هذا التراث بشكل كلي، وترتقي بالوعي العام إزاءه، فتلك كانت المهمة الأهم لكنها غابت؛ فتجلت عنها اليوم المشكلة الأخطر: تداخل الاختصاصات المؤسسية وغياب وعي مجتمعي وحكومي بقيمة هذا التراث باعتباره ثروة وطنية وقومية وإنسانية.
وكما سبقت الإشارة؛ فما يضاعف من مخاطر الحرب على المخطوطات في اليمن، هو أن وعي المواطنين والمؤسسات المعنية بقيمة هذا التراث ما زال متدنياً، وهذا يمثل مشكلة ستدفع، كما سبقت الإشارة، بفعل ظروف الحرب، بكم كبيرٍ من مخزون مخطوطات مكتبات المواطنين إلى أيدي السماسرة، وبالتالي ضياع بعض هذه الثروة. على صعيد المكتبات الحكومية فإن تعدد السلطات في البلاد، حالياً، مع تداخل اختصاصات المؤسسات المعنية وافتقادها للإمكانات، بالإضافة إلى ما فرضته الحرب من تداعيات ضعفت معها قدرة ومكانة الدولة كثيراً. كل ذلك يضاعف من المخاطر على هذا التراث؛ وهي المخاطر التي أصبحت أكبر وأكثر تهديداً مع ارتفاع مؤشرات الفساد والتسيب الإداري والانفلات الأمني، التي نرى معها مخاطر كبيرة جداً تتهدد – على هامش الصراع العسكري – ذاكرة البلد وتراثه، بالإضافة إلى ما يتهدد كيانه وهُويته من مخاطر التقاسم والتمزيق من قبل قوى إقليمية ببيادق محلية.
قد نعتبر هذا التقرير دعوة للمؤسسات الدولية المعنية، لإطلاق مشروع مساعدة عاجلة لإنقاذ تراث اليمن المادي، على صعيد التوعية المجتمعية بأهمية هذا التراث وواجب الحفاظ عليه من جانب، ومن جانب آخر مساعدة المؤسسات المعنية بما يمكنها من مواصلة أنشطتها المهنية، بما يعزز من كفاءتها في حماية التراث في الظروف الطارئة؛ وفق ضوابط تضمن للمساعدة الدولية تحقيق الأهداف المنشودة.
ألحقت الحرب المستعرة في اليمن منذ آذار/ مارس 2015 دماراً كبيراً بعددٍ من المعالم الأثرية والمُدن التاريخية والمنشآت الثقافية في عموم البلاد، وتسببت بتدمير وسرقة ونهب بعض المتاحف والمكتبات، وإيقاف البرامج الثقافية الحكومية والدولية ذات العلاقة بالتراث هناك.

اضف رد