المخاوف على الاقتصاد العالمي

المخاوف التي تواجه وزراء خارجية الدول الكبرى والدول الناشطة على صعيد الانتاج والتصدير مثل كوريا الجنوبية وأندونيسيا والدول النفطية في الشرق الاوسط تتمحور حاليًا على ثلاث قضايا:

– الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة.

– انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

– توسع التأثير الروسي في شرق المتوسط.

الحرب التجارية تبدو كأنها نتجت من تعديل موازين المدفوعات بين الولايات المتحدة والصين، وهذا المظهر لا يدل على جوهر المشكلة بين الولايات المتحدة والصين والبرهان ان الرسوم الجمركية الاميركية التي باتت على مستوى 25 في المئة على بضائع ومستوردات من الصين، بما فيها مستوردات للمنتجات الالكترونية تبلغ قيمتها 250 مليار دولار، لن تغني الولايات المتحدة، ولن تخفض هذه المستوردات بنسبة تفوق 10 في المئة. في المقابل، واستناداً الى دراسات صندوق النقد الدولي ستؤدي هذه الرسوم الى ارتفاع تكاليف انتاج السيارات في الولايات المتحدة، واسعار المنتجات الالكترونية بما يفوق 200 مليار دولار من الخسائر على الاقتصاد الاميركي نتيجة ارتفاع تكاليف المستوردات الصينية، واذا توسع بيكار الرسوم ليطاول مستوردات يبلغ حجمها المالي 300 مليار دولار اضافية، سوف يعاني الاقتصاد الاميركي أكثر وسترتفع اسعار السيارات – وهذا القطاع يعاني انخفاض الطلب – وتكاليف السفر والتعليم وتبادل الخبرات التقنية ووسائل الاتصال الهاتفي وشبكات الاتصالات.

أوضاع التبادل التجاري والفني بين الولايات المتحدة والصين معقدة لاسباب متعددة سنذكر بعضها. والواقع ان مواقف الولايات المتحدة التي هي الدولة الأكثر استيرادًا في العالم والصين التي هي ثانية كبرى دول العالم تصديرًا، تدور أميركيًا حول دور الدولار في التجارة العالمية.

لقد أصبح الدولار بعد الحرب العالمية الثانية العملة الاساسية للتبادل التجاري، والى حد بعيد اكتساب المعارف والتقنيات الحديثة. فالجامعات الاميركية استقطبت بعد الحرب العدد الاكبر من الطلاب الاجانب، إن بسبب انفتاح الاميركيين على التعليم، أو بسبب طغيان صورة النشاط والازدهار في الولايات المتحدة على الاوضاع في أوروبا، أو الصين، أو اليابان، وبالطبع بلدان كانت تعاني الفقر مثل الهند، وباكستان واندونيسيا الخ. وكان الاتحاد السوفياتي يلملم خسائره البشرية والمادية بعدما قدم الضحايا التي اسهمت في انتصار الدول الغربية على المانيا.

اليوم الصورة مختلفة تمامًا. فمنذ بداية القرن وتوسع التطورات التقنية الالكترونية هو المحرك الاقتصادي والتقني الاول، ومعلوم ان الشركات الخمس الكبرى التي توفر الخدمات الألكترونية العلاجية والترويجية هي اميركية، علمًا بان نسبة ملحوظة من اسهم شركة التسويق الاكترونية الكبرى، أي “غوغل”، تملك نسبة 40 في المئة من اسهمها، شركة “علي بابا” للتسويق التي انشئت في الصين منذ بداية هذا القرن.

ومزاحمة الصينيين للاميركيين في مجالات الخدمات الالكترونية ليست محصورة في التجارة، بل هي تطاول اعداد الابتكارات التي تسجل سنويًا لحماية اصحابها على المستوى الدولي، وبراءات الاختراع التي يسجلها العلماء الصينيون سنويًا تنافس براءات الاختراع التي تسجل لعلماء أميركيين، علمًا بان نسبة عالية من هؤلاء هم صينيون وفدوا لاكتساب علوم التكنولوجيا في الولايات المتحدة منذ عشرات السنين. ويبلغ عدد العلماء الصينيين اليوم في الصين عشرة أضعاف العلماء في الولايات المتحدة، في حين أن 30-40 في المئة من العلماء في الولايات المتحدة وفدوا من بلدان مختلفة منها الصين وتايوان والهند وفرنسا وبريطانيا.

اضافة الى التطورات التقنية، وحذر الولايات المتحدة من التقدم الصيني والذي ظهر في جهود الولايات المتحدة لكبح توسع شركة “هواوي” لانتاج الهواتف النقالة وانظمة تفاعل الخدمات الالكترونية للاتصالات واكتشاف خصائص الابتكارات. والى حذر الاميركيين من الاعتماد على تصنيع الشرائح للادمغة الالكترونية في الصين في المقام الاول، هنالك خوفهم من إضعاف مركز الدولار في معاملات التجارة العالمية والتحويلات الاستثمارية.

الصينيون، بالتعاون مع الروس وجنوب افريقيا والبرازيل والهند، يسعون الى توسيع دور العملة الصينية في المعاملات التجارية والاستثمارية. فعلى سبيل المثال، ان البضائع الصينية التي تستوردها بلدان الخليج او بلدان كلبنان – ومستوردات لبنان من الصين هي الاكبر بين جميع الدول المصدرة الى لبنان – يمكن تسديد تكاليفها بالعملة الصينية عبر تسهيلات مع “بنك قطر الوطني” الذي بات أكبر مصرف عربي، كما مع “فرنسبنك” في لبنان.

لقد استشعر الاميركيون ابعاد توسيع استعمال العملة الصينية، خصوصاً ان صادرات الصين توازي بالقيمة ربع حجم التجارة العالمية، ومبادرة الصين منذ بضع سنوات الى تأسيس مصرف يؤمن التمويل والمشورة لبلدان جنوب شرق آسيا على قواعد تشابه عمل البنك الدولي، وتمويل الصين نصف رأس مال هذا المصرف ومشاركة بريطانيا في تأسيسه التي اغضبت الاميركيين، كلها أمور تحث الاميركيين على مواجهة التوسع الصيني تجاريًا، تقنيًا وماديًا.

ويضاف الى ذلك برنامج الصين المدعوم من رئيسها الذي سيستمر رئيسًا ما دامت صحته تسمح له بذلك، والمسمى طريق الحرير (سواء عبر الطرق البرية، أو المسالك الجوية أو البحرية) والتي ترصد له القيادة الصينية تريليون دولار يفترض تخصيصها بمشاريع لتكامل هذا المشروع مدى عشر سنين، سيؤدي في حال انجازه الى تفاعل اقتصادات على الطريق البري والبحري تمثل حاليًا 40 في المئة من الاقتصاد العالمي، وبعد 10 سنين ونتيجة نمو الصين والهند بمعدلات تفوق معدلات نمو الاقتصاد الاميركي ستصبح بلدان طريق الحرير ممثلة لـ50 في المئة من حجم الاقتصاد العالمي، ويكون هذا المشروع أكبر مشروع عالمي لربط الاسواق وتسهيل التجارة. وتجدر الاشارة الى ان الصين تملكت منشآت أكبر ميناء في باكستان، ومراكز لتسهيل التجارة البرية في قازاقستان، وحازت ملكية ميناء أثينا، وانجزت اتفاقًا مع الكويت لاقامة انشاءات لتسهيل التجارة حتى تجارة النفط مدى 40 سنة وبكلفة هائلة.

اسباب احتقان قادة السياسة الاميركيين حيال الصين معروفة، وعسى ألا تطيح الاندفاع الانمائي عبر مشروع طريق الحرير. ولنا عودة الاسبوع المقبل الى مفاعيل انسحاب بريطانيا من الاتحاد الاوروبي (اذا حصل) وتوسع روسيا ومصالحها في شرق المتوسط.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*