الرئيسية / مقالات / المخاض اللبناني يحرّك مطلب اللامركزية الإدارية

المخاض اللبناني يحرّك مطلب اللامركزية الإدارية

حظر تجول.

كرس “كوفيد 19” طروحات تغييرية في أذهان شرائح لبنانية واسعة، كان لها أن رسخت قناعة هبت مع رياح انتفاضة السابع عشر من تشرين الأول، عصارتها الحاجة إلى تطوير النظام اللبناني. وتأكد هذا الواقع مع عدم قدرة الحكومة الجديدة على التوصل إلى رؤية موحدة بين وزرائها في ملفات جوهرية. ويأتي ملف قطاع الكهرباء على رأس القائمة. وتفيد معلومات “النهار” بأن التوصل إلى قرار في هذا الملف مؤجل وأن تبني صيغة توافقية بين القوى السياسية المؤثرة على الساحة المحلية أبعد ما يكون عن التحقق. وتتطور الذهنية المعتمدة في مقاربة المشاريع الاقتصادية وتدور نقاشات حول ضرورة إعطاء صلاحيات أوسع للمناطق والأقضية. وتتحول اللامركزية الإدارية الموسعة مطلبا واسع النطاق، خصوصا بعدما أظهرت الجائحة الحاجة إلى تأهيل مراكز رعائية ومستشفيات في الأقضية، واتجاه المواطنين إلى تقديم التبرعات إلى مؤسسات خاصة ومحددة مع تضاؤل ثقتهم بالدولة.

كثيرة هي المشاريع اللامركزية التي تم تداولها منذ ما بعد الحرب وهي في غالبيتها مشاريع جدية ومتكاملة. وتعيد الوقائع الراهنة تسليط الضوء على القرار الذي أصدره مجلس الوزراء في السابع من تشرين الثاني 2012 (يحمل الرقم 166/2012) شكلت بموجبه لجنة لإعداد مشروع قانون لتطبيق اللامركزية الإدارية برئاسة الوزير السابق زياد بارود. وقد عقدت اللجنة 47 جلسة عمل في القصر الجمهوري أنجزت خلالها مشروع قانون اللامركزية الإدارية والتقرير الذي يفسر المشروع والأسباب الموجبة. ويأخذ المشروع بالإجماع اللبناني حول اللامركزية الموسعة انطلاقا من اتفاق الطائف، واذا كان يغطي الصلاحيات للمناطق فعلا لا قولا، إلا أنه يلقيها ضمن الدولة الموحدة. ويعتمد المشروع اللامركزية فعلا من حيث استحداث مجالس منتخبة بالكامل ومنحها الاستقلالين الإداري والمالي والتمويل والواردات اللازمة ويحصر الرقابة إلى أقصى حد ويجعلها لاحقة لا مسبقة. ويبقي المشروع على البلديات كوحدات لامركزية أساسية ولا يمس بصلاحياتها وأموالها ويعتمد القضاء مساحة لامركزية نظرا لشرعيته التاريخية وتأمين الحاجات التنموية. ويستحدث المشروع صندوقا لامركزيا يحل محل الصندوق البلدي المستقل ويكون أعضاء مجلسه منتخبين ويعمل وفقا لقواعد منهجية ومعايير توزيع تعتمد مؤشرات موضوعية تراعي ضرورة الإنماء المتوازن وتحفيز النمو المحلي.

وتفيد المعلومات بأن المشروع لا يزال قيد المناقشة في مجلس النواب. وكانت لجنة فرعية من الإدارة والعدل تجتمع أسبوعيا وقد خطت خطوات متقدمة في مناقشته، قبل مرحلة 17 تشرين الأول الماضي.

ويرى الوزير السابق بارود في حديث ل”النهار” أن “اللامركزية أصبحت من الإصلاحات الضرورية والملحة ومن القوانين الميثاقية المتعلقة بإدارة التنوع من ضمن وحدة البلاد. وتحصن اللامركزية الوحدة والانتماء الوطني وهي نظام معتمد في دول موحدة من بينها فرنسا التي تعتمد نظام لامركزي متقدم وهي دولة لا خوف على وحدتها. ويكمن العنصر الأهم في تحقيق اللامركزية المالية. ولا بد من أن تستكمل الصلاحيات الواسعة بموارد مالية كافية لتمكين السلطات المحلية من ممارسة الصلاحيات. وينص المشروع المقدم نفسه على فصل واضح وخاص لتمكين مجالس الأقضية من رفع نسبة الانفاق المحلي من 5% حاليا إلى 20% من الإنفاق العام”.

ويشدد بارود على أن “الخيار المعتمد في مشروع القانون تمثل في عدم استحداث ضرائب جديدة. ويقول أحد مبادئ القانون بنقل جزء من الواردات التي كانت في السلطة المركزية إلى السلطات اللامركزية. وينص على تحويل عدد من الضرائب والرسوم المركزية إلى مجالس أقضية، ومنها ضريبة الأملاك المبنية (مركزية) التي تذهب الى خزينة الدولة، فيما ينص المشروع المقترح أن تسدد في صندوق مجلس القضاء مباشرة ما يغذيه”.

ويلفت إلى أن “البعض لا يتذكر اللامركزية إلا في الأزمات وهذا أمر يعبر عن أهميتها لناحية اتصالها المباشر مع الناس”، منوها بالدور الذي اضطلعت به البلديات في التعامل مع الطارئة الصحية مقدمة “نموذجا جيدا جدا في التفاعل مع الأزمة بصورة فعالة وسريعة مع الاشارة الى أن البلديات ليست مقتدرة في كليتها لكنها تتمتع بالنخوة والتواصل المباشر مع الناس واستطاعت تغطية جزء من الحاجات المحلية، ومع عدم إغفال أهمية ما قام به المحافظون والقائمقامون من تحرك على الأرض لكن السلطات المنتخبة المحلية تتمتع بدرجة أعلى من الفعالية الفورية”.

وهنا يذكر بأن “اعتماد القضاء كوحدة لامركزية لا يلغي دور البلديات التي تبقى الوحدة اللامركزية الصغرى الأولى ويغدو مجلس القضاء الحالة اللامركزية الأوسع”. ويشير الى أن “السلطات اللامركزية هي سلطات منتخبة وهذا معيار اساسي في اللامركزية، وتاليا هي تمارس ما يعرف بديموقراطية القربى، بمعنى أن السلطة المنتخبة محليا قريبة من الناس وتعلم حاجاتهم وتستطيع أن تلبي هذه الحاجات بسرعة وفعالية أكبر بصفتها محلية وتتحرك بصورة فورية وسريعة على عكس السلطة المركزية المعتبرة ماكينة ثقيلة”.

Volume 0% 

ويشرح بارود أن “اقتراح القضاء وحدة لامركزية مرده إلى عدم الدخول في تقسيمات جديدة باعتبار أنه يتمتع بشرعية تاريخية على مستوى تقسيم الأقضية وعلى المستوى الإنمائي وحجمه مقبول لتحقيق عملية تنموية صحيحة. وقد تحدث اتفاق الطائف عن الوحدات الصغرى وقال بالقضاء وما دون كوحدة لامركزية”.

يربط كثيرون بين اللامركزية الإدارية كمقدمة تمهيدية للنظام الفيدرالي. يقول بارود في هذا الصدد إن “الفيدرالية نظام حكم ومطالبته حق ولا اناقش في أحقية المطالبة من عدمها. ولا أخون من يطالب بالفيدرالية ولو أنني لست من هذا الرأي. تعطي اللامركزية ما يمكن الحصول عليه من إيجابيات في الفيدرالية دون اعتماد الأخيرة، طالما أنها سلطات محلية منتخبة تتمتع باستقلال مالي وإداري وصلاحيات واسعة”.

ويخلص إلى أن “البلاد تحتاج إلى اعتماد اللامركزية الإدارية الموسعة في أسرع ما يمكن وبناء على تجربتها يمكن تقويم الوضع وتبيان النتائج. العنوان لا يكفي والموضوع رهن بآليات التنفيذ وتفاصيل القانون ونسبة الصلاحيات المعطاة وارتباطها بقدرة مالية لممارستها… وقد يكون التوقيت السياسي هو الذي لا يحول دون إقرار اللامركزية منذ اتفاق الطائف”.

majed.boumoujahed@annahar.com.lb

اضف رد