الرئيسية / home slide / المحكمة الدولية: كأن لبنان غير معني!

المحكمة الدولية: كأن لبنان غير معني!

14-03-2022 | 00:25 المصدر: “النهار”

روزانا بومنصف

المحكمة الدولية.

في ظل العتمة الشاملة التي اعادت السلطة السياسية عبرها #لبنان إلى زمن القرون الوسطى نتيجة فشلها الرهيب في ادارة البلد فيما تعيد ترشيح نفسها للانتخابات النيابية كما لو ان معاناة اللبنانيين تجري في زيمبابوي او اي بلد بعيد اخر، استعادت #المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري بعض الصدقية عبر الحكم الذي أصدرته غرفة الاستئناف في المحكمة الخاصة بلبنان وثبتت عبره ادانة متهمين أساسيين من مجموعة المتهمين باغتيال الرئيس السابق للحكومة. اذ شكل الحكم الصادر عن غرفة الدرجة الاولى في 18 آب 2020 القاضي بتبرئة عناصر مشاركين في جريمة الاغتيال وحصرها بمتهم وحيد هو سليم عياش خيبة امل كبيرة في محكمة دولية رغب اللبنانيون بشدة ان تشكل تعويضا معنويا لهم عن عجز القضاء اللبناني عن التحقيق والحكم في اي جريمة وقعت في لبنان ليس منذ 2005 وما تلاها من مجموعة اغتيالات رهيبة في حق فريق سياسي بل ما قبل هذا التاريخ ايضا. وذلك فيما ان وقائع جريمة اغتيال الحريري وحيثياتها كشفت عن دلائل دامغة لتورط أكثر من شخص وحتى فريق كامل فيها انطلاقا من ان الاستناد إلى ادلة ظرفية لم تدن سوى شخص واحد كان يفترض الا تدين هذا الاخير في حال اعتمادها او ان تشملهم جميعا من زاوية انه لا يمكن الاستناد إلى وقائع منفصلة في حد ذاتها بل إلى وقائع مترابطة ادت إلى جريمة كبرى. فالمحكمة الابتدائية كانت اخذت الوقائع بصورة منفردة من دون النظر إلى الوقائع مجتمعة وليس متفرقة ما ادى إلى حكم غريب متناقض صدر عنها. بدت ادانة غرفة الاستئناف في المحكمة بالاجماع المتهمين حسين حسن عنيسي وحسن حبيب مرعي بجريمة المشاركة في جريمة الاغتيال بمثابة خطوة تعيد الثقة إلى حد ما بان محكمة دولية قد تنصف الضحايا على غرار ما يطالب اهالي الضحايا في انفجار مرفأ بيروت الذي ادخلته السلطة في دهاليز العقم ومنع الوصول إلى اي نتائج على رغم كل المطالبات الداخلية والخارجية. ثمة فضيحة بكل معنى الكلمة يشكلها غياب اي رد فعل من اهل السلطة ولا حتى من السلطة القضائية التي تشكل جزءا متكاملا مع المحكمة الدولية من حيث المبدأ. فاذا كانت السلطة اللبنانية وعلى حد قول أحد القانونيين لا تهتم باغتيال رئيس سابق للحكومة فلتهتم على الاقل بالرأسمال الذي وظفته في المحكمة الدولية من خلال تمويلها والا كانت دولة مبذرة وغير مسؤولة ان لم تكن مرتهنة وضعيفة فحسب، وذلك في غياب اي مؤشر على ملاحقة المدانين.
شكل القرار الصادر عن المحكمة الدولية وفق معلومات موثوقة مفاجأة من زاويتين: الاولى تصحيحه لقرار الغرفة الاولى في المحكمة الدولية في حين كانت اعتبرت المحكمة منتهية بفعل تراجع لبنان عن تمويلها من اجل متابعة عملها والثانية من حيث صدور القرار بالاجماع . طمست السلطة الحكم الصادر عن المحكمة الدولية عن عمد وكأن لا صلة لها به ولا يرتبط بلبنان او بمتهمين لبنانيين بدلالاته المباشرة اي بادانة اشخاص محددين ارتكبوا الجريمة كما بدلالاته غير المباشرة من حيث ان هؤلاء لم يكونوا يعرفون الرئيس رفيق الحريري بل هم عناصر في منظمة حديدية على رأسها شخص تمت تسميته ولكن سقطت الدعوى في حقه بسبب الوفاة فيما ان الحكم لا يغفل دوره القيادي في تنظيم اعتبره التنظيم من اهم قادته حين نعاه. فالادانة الجديدة التي تبنتها المحكمة الدولية تكتسب دلالة سياسية لا تحتمل التأويل .وهذا يعني انه يطاول على نحو غير مباشر ” حزب الله” ولو انه حيل دون محاكمة اشخاص معنويين في المحكمة الدولية. وطمس الحكم يعود إلى ان السلطة التي يخوض غالبية افرقائها الانتخابات على لوائح واحدة لن ترغب في ان تفتح عليها ابوابا عشية الانتخابات علما انه يفترض ان تأخذ القوى الخصم قرار المحكمة من اجل البناء عليه في ظل العناوين الواضحة في الصراع الانتخابي بدلا من المساهمة في نقل هذا الاخير فحسب إلى عناوين تندرج في صراع اقليمي دولي بين ” مواجهة اميركا وازلامها بالنسبة إلى ” حزب الله” وحلفائه ( الطامح بعضهم إلى رضى الاميركيين باي ثمن ) ومواجهة الحزب وسيطرة النفوذ الايراني لخصومه، بعيدا من الاجندة الداخلية الملحة على كل المستويات اي التحقيق في انفجار مرفأ بيروت، ملف انهيار البلد من كهرباء واتصالات ومؤسسات ومصارف وسوى ذلك الكثير وليس فقط الحكم الصادر عن المحكمة الدولية. ولكن السلطة لا تعني فقط رئيس الجمهورية المتحالف مع الحزب الذي تجاهل كليا كما وسائل اعلامه حكم المحكمة كما لو انه لم يكن بل ايضا الحكومة التي كان رئيسها ابرز من تصدى في الحكومة التي ترأسها في 2011 لمنع تمويل المحكمة في اغتيال الحريري . وهناك درجة كبيرة من الصحة بالنسبة إلى البعض للتذرع بان حكم الغرفة الابتدائية لم يأخذ اي مفاعيل سابقا لدى السلطة السياسية ليس في ضوء التحالف القائم بين اركانها راهنا فحسب بل بفعل اعتبارات اخرى عادت إلى زمن “ربط النزاع” بين الرئيس سعد الحريري و” حزب الله” وابتلاعه قسرا ومن على ابواب المحكمة حكما مبتسرا وغير منصف ما لا يبرر اي رد فعل راهنا، وهو ما يعني ان السلطة لن تذهب إلى مشكلة كبيرة لم يذهب اليها ولي الدم اصلا وفق هؤلاء، الا ان اغتيال الرئيس رفيق الحريري بما كان يمثل وتداعيات اغتياله التي تفرض نفسها بقوة حتى الان على صعيد تغيير هوية لبنان وصورته، هو ابعد بكثيرمن الاعتبار الشخصي او العائلي وبات يتعلق من حيث اللجوء إلى محكمة دولية بابا لاحقاق عدالة لم تكن واردة او محتملة في لبنان في اي وقت سابق. ولكن ومن باب الانصاف، فان السلطة التي تعيش حال انكار كلية لتداعيات الانهيار الذي قادت لبنان واللبنانيين اليه وتسعى إلى وكالة لإكمال دورها لاربع سنوات مقبلة على الاقل، لن تجد حرجا في تعميم هذا الانكار على كل المستويات الاخرى.

rosana.boumonsef@annahar.com.lb