المجتمع المدني.. علمانية أم طائفية في النفوس؟!

ما من جديد في الحياة السياسية اللبنانية، وكأن الزمن يدور في حلقة مفرغة. منذ نشوء هذه الجمهورية، يتكرّر الكلام نفسه عند كل استحقاق. من طائفية النصوص إلى طائفية النفوس، الحديث هو ذاته مع حلول كل دورة من دورات الانتخابات النيابية. تعود اليوم مجموعات الحراك المدني إلى الواجهة مجدداً عبر تحالف يضم بعض المجموعات مثل “بدنا نحاسب” و”حزب سبعة”، و”طلعت ريحتكم”، ولا تحمل هذه العودة أي جديد، فقد سبقتها في الماضي مجموعات أخرى اتحدت وسعت إلى التغيير، غير أنها فشلت في مسعاها فشلا ذريعا. 

في آذار/مارس 1953، تحدّثت صحيفة النهار عن “سياسة التردّد وأنصاف الحلول” التي أنهكت البلاد وعرضّتها للخراب، وقالت: “منذ أسابيع والبلاد تعيش في جو طائفي محموم يذكّرنا بجو 1942، عندما برزت العنعنات الطائفية لمناسبة توزيع المقاعد النيابية على الطوائف، ولن يكن ما نسمعه اليوم من نغمة طائفية يصحّ اعتباره دليلاً على تعثّر خطى لبنان في طريق التطوّر، فما لا ريب فيه ان المرتكزات التي تقوم عليها الدولة اللبنانية هي التي حالت دون تطوّرها، ومن هذه المرتكزات ما سمّوه ميثاق 1943 الذي جعل التوازن الطائفي الدعامة الرئيسية للكيان وللدولة نفسها”.

قبل هذا الإقرار، تحت عنوان “الطائفية والقانون”، كتب غسان تويني في نهاية 1952: “اللبنانيون جميعهم يطالبون بإلغاء الطائفية، وقد هلّلوا جميعهم لإلغائها من انتخابات المختارين والبلديات، كخطوة أولى نحو الغائها من الدستور. غير ان أكثر اللبنانيين، ولا سيما في بيروت، يرتّبون الانتخابات البلدية على أساس طائفي، وقد شنّها بعضهم حربا طائفية، بالرغم من القانون، وبالرغم من المنطق ومن كل مصلحة وعاطفة. وقد اعتبر البعض، ان لم نقل الأكثرية، هذه الترتيبات برهانا قاطعا على انه لا يمكن الغاء الطائفية في لبنان، وان كل الغاء لها في النصوص القانونية من شأنه أن يزيد خطرها خطرا، وان يرسّخها في النفوس. وفي منطق هذا البعض انه يجب بالتالي الغاء الطائفية من النفوس قبل الغائها من النصوص، حسب القول الساري الذي غدا مثلا”.

سبق سعيد فريحة، زميله غسان تويني، في إدانة هذه الحالة السياسية، وكتب في تشرين الثاني/نوفمبر في مجلّته “الصياد”: “هل يُعتبر وجود الطائفية في لبنان خطرا يهدّده في صميم حياته الاجتماعية والسياسية أم لا؟. قد يقول بعضهم: لا. أما انا، وأما الكثيرون من المواطنين، فنقول: نعم، وألف نعم.  فالطائفية في لبنان خطر، وخطر كبيرا جدا، وليس أدل على ذلك من وجود هذا الكوكتيل العجيب الذي يتألف منه شعب لبنان. بل ان الكوكتيل العادي يمتزج ويختلط ويصبح واحدا له طعم خاص ونكهة خاصة. أما شعبنا الأبي فيتألف منه كوكتيل لا يمتزج ولا يختلط، بل يظلّ بمئة طعم ومئة لون، مع ثلاث وثلاثين دائرة انتخابية، كل واحدة منها لطائفة أو لعدة طوائف، وكل طائفة، لها نواب منها وممثلون عنها، سواء أكان القانون على أساس طائفي أم كان على أساس: الدين لله والنيابة للجميع”.

رأى سعيد فريحة أن هذه الحالة “محزنة ولا ريب”، وان “هذا الوضع الطائفي لا مثيل له في أي بلد من بلدان العالم”، وأضاف: “انا متشائم، وأقولها بصراحة وبالفم الملآن. وسأظل متشائما إلى أن أرى في لبنان حكومة قوية تسخّر كل رجولتها وامكانياتها لمحاربة الطائفية ولمزج هذا الكوكتيل من الطوائف والشيع في أناء الوطنية الصحيحة. قد يكون هذا في نظر البعض حلما، ولكن استقلال لبنان كان في وقت من الأوقات حلما أيضا، ومع ذلك فقد تحقّق بفضل وحدة اللبنانيين وتضامنهم في الدرجة الأولى، وكما اتّحد اللبنانيون وتضامنوا ضد الأجنبي يجب أن يتّحدوا ويتضامنوا أيضا ضد الخطر الطائفي، والا فان المستقبل مظلم، وأشد ظلاما مما يتصور الكثيرون”.

أثبتت الأحداث في السنوات التالية أن الواقع بقي على حاله. ظهر بوادر “الحراك المدني” في الستينات، وظلّت على هامش الحياة السياسية. تأسّست “الحركة العلمانية” بموجب علم وخبر رقم 846 بتاريخ 19 أيلول/سبتمبر 1963، وكان مؤسسوها ميشال غريب، يوسف أبو عسيلي، محمد غلاييني، هنرييت الحاج، سامي الشقيفي، جورج الشويري ويوسف الغصن. اقتصر عدد أعضائها على مئة في سنتها الأولى، وبلغ حوالي الألف سنة 1969. ضمت هذه الحركة عناصر من جميع الفئات ومن الجنسين، وشكلّ المحامون فيها أكبر مجموعة.

بعد”الحركة العلمانية”، وُلدت “حركة 1943” بموجب علم وخبر 500 في 10 تشرين الأول/أكتوبر 1969. اسّس هذه الحركة على شكل ناد ثلاثة من المحامين الشباب إثر تخرجهم من الجامعة، وهم مرسيل جعارة، أنطوان زيدان، ومارون رزق الله. اتخذ هذا النادي من عام 1943 رمزا لوحدة صفوف اللبنانيين. بحسب شهادة مرسيل جعارة، شهد ذلك العام “أول حدث تاريخي موحّد للبنانيين بجميع طوائفهم، وهو أكبر دليل على القومية التي كانت تتأسّس، والتي ما لبثت أن أخذت تتعثّر في ظل الطائفية التي كُرّست في البلاد”، ومع هذا الإخفاق، بات اللبناني “ملزما بان ينتسب إلى احدى الطوائف الثماني عشرة التاريخية”. في بداية عهدها، ضمّت “حركة 1943” حوالي العشرة إلى جانب مؤسسيها الثلاث، وارتفع هذا العدد إلى 330 من حملة الشهادات الجامعية في سنة 1969، “ذلك ان شروط هذه الحركة تقتضي ان يكون المنتسب لبنانيا وحائزا على شهادة جامعية أو ما يعادلها”. شكّلت العناصر النسائية يومها نسبة 25 بالمئة من الحركة التي ضمت في عداد أعضائها 160 محاميا ومحامية مسجلين في نقابة المحامين.


.  محام درّس في البعثة العلمانية في بيروت. تقدّم بدعوى ألزم فيها الدولة بشطب مذهبه في دوائر النفوس وعن تذكرته  وقد ربح الدعوى وألزم الدولة بذلك ه.ل.

في نهاية عام 1969، اتّحدت الحركتان تحت اسم “الجبهة العلمانية”، كما نقلت مجلة “الأسبوع العربي”، وكان مشروعها “علمنة الدولة بكافة أنواعها، وفي كافة مرافقها، انطلاقا من تفهّم روح المادة 95 الانتقالية من الدستور”.استعادت “الجبهة العلمانية” نص هذه المادة: “بصورة مؤقتة، والتماسا للعدل والوفاق، تُمثّل الطوائف بصورة عادلة في الوظائف العامة وبتشكيل الوزارة دون أن يؤول ذلك إلى الاضرار بمصلحة الدولة”. وقالت في بيانها: “لما كان قد مر ما يزيد على الربع قرن على تطبيق المادة 95 الانتقالية، المؤقتة، فقد حان الوقت لوقف مفعول المادة المؤقتة بتطبيق أحكام المادة 12 الدائمة من الدستور، تطبيقا سليما شاملا”. أما نص المادة 12 فهو الآتي: “لكل لبناني الحق في توّلي الوظائف العامة. لا ميزةلأحد على الآخر إلا من حيث الاستحقاق والجدارة حسب الشروط التي ينص عليها القانون”.

كان ذلك في نهاية 1969. بعد ما يُقارب نصف قرن من الزمن، لا يزال لبنان يعتمد التمثيل الطائفي “بصورة مؤقتة” وفقا للمادة 95 الانتقالية، ولا نزال ننظر “الغاء الطائفية من النفوس قبل الغائها من النصوص، حسب القول الساري الذي غدا مثلا”، كما كتب غسان تويني في نهاية 1952.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*