الرئيسية / أضواء على / المثقفون وأنطون سعادة: حليم بركات والاستغفار(1)

المثقفون وأنطون سعادة: حليم بركات والاستغفار(1)

محمد حجيري|الخميس28/05/2020
Almodon.com

حليم بركات

ثمة جوانب ينبغي رصدها وتأملها، وإن كانت متأخرة، في علاقة بعض المثقفين بأنطون سعادة، وأسباب “سحره” وكاريزماه وقدسيته. فأحدهم، وهو “شاعر كوني”، يعتبره “السياسي الأوحد في العالم العربي”. وآخر، وهو “كاتب وقاص” من عائلة ذات نفوذ، يعتبره “الزعيم الأوحد”، وقِس على ذلك.. هنا حلقة أولى عن علاقة الروائي والكاتب السوري حليم بركات بأنطون سعادة… 

حليم بركات، المقيم في الولايات المتحدة، كتب سيرته “المدينة الملونة”(دار الساقي) وهو جاء الى بيروت العام 1942 من بلدة الكفرون الحمصية السورية، بعد وفاة الأب وهو في العاشرة، تقدمته امه، هو، وشقيقته ندى وشقيقه كمال. وعثرت الأم على عمل في فرن، وعلى غرفة للعائلة في قبو في رأس بيروت. اما هو، حليم بركات، فكان يعمل في الصيف صبي مصبغة في شارع المكحول… سردية بركات عن بيروت هي سردية المدينة نفسها، التي دخلها الكاتب كما دخل يونان بطن الحوت، فإذا للحوت نوافذ، يتأمل زجاجها المطلي بلون أزرق داكن فيحسب أن المدينة ملونة ولم تتغير هذه الصورة الأولى في ذهنه. يربط بركات ربطاً وثيقاً بين مرحلة تبلور وعيه، ومسار بيروت واندفاعها في خمسينات القرن الماضي نحو الحداثة وتجديد الفكر السياسي، بين الأفكار الماركسية والأفكار القومية، وعن توزعه بين حب الأدب، ونزوعه العقلاني إلى السياسة وإبداء الرأي بحرية… كان بركات جزءاً من صورة بيروت التذكارية مع مجموعة من الشعراء والكتّاب مثل أدونيس ومحمد الماغوط ونذير العظمة وصادق جلال العظم، وهؤلاء كانوا جميعاً، تلامذة عند انطون سعادة، ورفاقاً ناشئين لغسان تويني وأنيس صايغ وسعيد تقي الدين.

حليم بركات الذي رأى أنطون سعادة مرتين في حياته، مرة في سوريا محمولاً على الأكتاف، ومرة ماشياً في شارع “بليس”، يتذكر يوم أعلن اعدامه ودموع شقيقه كمال القومي ومواساته له، والنقطة البارزة أن بركات يروي تجربته بأنه كان يحضر نفسه لاجتماع حزبي (قومي)، جلس يفكر ماذا يقول “لجأت الى البحر وتركت جسدي وعقلي يستسلمان لتموجاته وتياراته. في تلك اللحظة عرفت ماذا سأقول في مداخلة أُعدّها للمشاركة في لقاء حزبي في منزل هاني بلطجي قرب المنارة”. وتوصل بركات القومي إلى أننا “منغلقون على أنفسنا داخل دوائر النظريات المطلقة المستمدة من مفاهيم القداسة لا مفاهيم الفكر النقدي”، ويردف “وفاجأت نفسي أقول للحضور بجرأة لم أتوقعها في تلك اللحظة، ومن دون أن أفكر ملياً بتداعياتها، إن من مشاكلنا كحزب أننا قدسنا أنطون سعادة وأفكاره فجردناه من انسانيته وأصبحنا نكرّر أقواله كما يكرر المؤمنون أقوال أنبيائهم من دون تمعن، فندخل في سجون الكلمات، العبارات خارج سياقها التاريخي، ونغلق نوافذها لا نجرؤ أن نخرج من أسرها، ولم يمر وقت طويل قبل أن تضمحل قدراتنا الابداعية ونصبح رهينة الذاكرة، فنتلكم لغتها لا لغة العقل”. وما انتقده بركات وجده أمامه، فما إن تطرق إلى “قدسية” سعادة، حتى ساد صمتٌ و”سمعت والد هاني المتقدّم في العمر يردّد: استغفر الله من الشيطان الرجيم”، والغَفُورُ الغَفّارُ، بحسب لسان العرب، وهما من أَبنية المبالغة ومعناهما الساتر لذنوب عباده المتجاوز عن خطاياهم وذنوبهم. يقال: اللهمَّ اغفر لنا مَغْفرة وغَفْراً وغُفْراناً، وإنك أَنت الغَفُور الغَفّار يا أَهل المَغْفِرة.وأَصل الغَفْرِ التغطية والستر. غَفَرَ الله ذنوبه أَي سترها؛ والغَفْر: الغُفْرانُ.

وحين سمع بركات جملة الاستغفار هذه، والتي يقولها المؤمنون في لحظة الخروج عن “السياق” بشكل مباشر أو غير مباشر، “أدركتُ أنني لم أقدّر خطورة ما أقول وأصابني ارتباك تجاه كيفية التعامل مع الوضع الذي وجدت نفسي فيه من حيث لا أدري. توقعت ترحيباً بما ظننته فكراً جديداً باعتبار أننا حركة تقديمة تقول بالتجديد لا بالتقليد، فما كان مني إلا أن اعتذرت موضحاً انني لم أقصد الاساءة لمشاعر الناس الدينية والسياسة وكل ما في الامر أنني أسعى للتجدد(…) ولا أبحث عن معركة مع أحد”. و”هنا توقفت عن الكلام أغالب حيرتي”  ولم يرد أن تنتهي الأمور عن هذا الحد، فأصر على حق الاختلاف، مع رفض “كل أشكال فرض الامتثال”، وارتأى فتح “باب النقاش” بدلاً من متابعة مداخلته، ولم يناقشه الرفاق، فخيم صمت مخيف، ثم انفضت الجلسة، وفي الطريق عاتبه أحد الرفاق بأنه لم يحترم مشاعر الحاج في منزله، لكنه شعر ضمنياً أن ما أزعج الرفيق حقاً أنه خاف أن يسبب الاختلاف في الرأي بلبلة وخلافاً في نظام الأشياء…

الصورة التي رسمها حليم بركات عن قدسية أنطون سعادة، تبدو جلية، وهو قبل زواجه، احب فتاة، كان لها اثر كبير في حياته الحزبية والروائية. هو يطلق عليها اسم “صَبَا”، واسمها الاول الحقيقي صفية. كانت رفيقته في الحزب السوري القومي. وتطورت الرفاقة إلى حب، ولقاءات في ضهور الشوير وبيروت. وكان يمكن ان تتوج العلاقة بالزواج، لولا تدخل احد مسؤولي الحزب، وإصدار الأمر لحليم بوضع حد “للطلعات” وقطع العلاقات، كما يقول الكاتب جان داية.. ولم يصدر “الأمر” تطبيقاً لقاعدة، بل كحالة استثنائية. فصفية هي الابنة البكر لانطون سعادة. ونفذ حليم الأمر، رغم عدم قناعته به. وكان من تداعيات ذلك، مغادرته الحزب، وإصداره رواية “ستة ايام” التي يحكي فيها قصة حبه.