الرئيسية / home slide / المافيا اللبنانية!

المافيا اللبنانية!

 الياس خوري
 القدس العربي
28072020

في مئوية إعلان الجنرال غورو دولة لبنان الكبير، جاء وزير الخارجية الفرنسي إلى بيروت، مؤنباً ومنذراً. وعلى الرغم من المسحة الكولونيالية في كلام السيد جان ايف لودريان، و«حنانه» الخاص على المدارس الفرنكوفونية والكاثوليكية، وهو حنان يذكّرنا «بالأم الحنون» وبزمن اعتقدنا أنه مضى، فإن الوزير الفرنسي قال الحقيقة التي لا لُبس فيها.
لبنان في الانهيار الشامل، ولا يمكن إنقاذه من خلال استمرار هيمنة المافيا الحاكمة على السلطة.
لم يستخدم الوزير الفرنسي كلمة مافيا لكنها كانت مُضمرة. فلبنان تحكمه عصابات من اللصوص والأوغاد.
هذه الحقيقة كانت المحرّك الأول لانتفاضة 17 تشرين، لكن بين الحقيقة والتغيير الجذري، تقع منظومة حاكمة لا علاقة لها بفن الحكم، وطبقة فاسدة حوّلت الفساد من ممارسة تجري في الخفاء إلى نظام سياسي.
واللافت أن ثقافة الاحتجاج انتشرت بعد اتفاق الطائف، وبدأت تتبلور مع مقاومة مشروع سوليدير، والنضال من أجل مخطوفي الحرب، وتوالت بتأثير الربيع العربي ووصول الفساد إلى درجة إغراق المدن والقرى بالنفايات. لكن هذا الاحتجاج بقي يدور بين قطبين: قطب إصلاحي يعتقد أن النظام يمكن إصلاحه بالوعي، وهذا القطب يحمل الكثير من أيديولوجيا المنظمات غير الحكومية، وقطب سياسي علماني اكتفى بمهاجمة البنية الطائفية للنظام.
القطبان لم يستوعبا أن المعركة ليست فقط مع نظام سياسي طائفي تتحكم به الأوليغارشية، بل أيضاً مع مافيات تختلف وتأتلف حسب مصالحها المرتبطة بنهب الدولة. صحيح أن النظام طائفي، وصحيح أيضاً أنه خاضع لتحكم الرأسمالية المصرفية، وصحيح ثالثاً أنه يحمل سمة الخضوع للمصالح الإقليمية التي تستخدم الصراعات الطائفية لمدّ نفوذها، لكن جوهر النظام يكمن في مكان آخر وله اسم واحد هو المافيا.
فلا السلطة سلطة، ولا المصارف مصارف، ولا الازدهار يشبه الازدهار. لقد قامت المافيا برشوة الناس من أجل أن تنهبهم، وأسست لفقاعة لبنانية قائمة على الوهم. وعندما استنفدت كل شيء انهار النظام المصرفي، وانكشفت اللعبة. ومع ذلك، فهم يتابعون «التناهب» حسب أحمد بيضون.
المشكلة لا علاقة لها بالطروحات السياسية أو بالقضايا الكبرى، فالكلام السياسي صار لغواً، ولم يعد يحمل أي دلالة. المسألة مجرد حفلة تناهب، تستخدم المصطلحات الطائفية والوطنية في لعبة معقدة تحاول فيها المافيا أن تحتجب خلف كلامولوجيا لا معنى لها.
هذا النظام السياسي يطبّق لعبة المافيا، أي لعبة الابتزاز والنهب والسرقة والتشبيح وتهريب المخدرات والاتجار بالرقيق الأبيض إلى آخره.
وعندما رشح لبنان مساعدة سفير سانت لوتشيا (والسفير المشار إليه هو بليونير لبناني) لمنصب مدير عام الأونيسكو، (سانت لوتشيا جزيرة صغيرة في الكاريبي) لم يفهم أحد دوافع وزير الخارجية جبران باسيل لاتخاذ هذا القرار. ثم زال العجب حين اكتشفنا أن هناك أكثر من لبناني يمارس ديبلوماسية الجزر النائية والجنّات الضريبية، وهي ديبلوماسية لها قوانينها المرتبطة بالثروة وتبييض الأموال والرشوة وإلى آخره…
الوزير الفرنسي لم يفهم المنطق الخفي للعبة الكهرباء التي شكل الهدر فيها نصف الدين اللبناني. كيف صرفوا على الكهرباء رقماً خيالياً يقدر بأكثر من أربعين مليار دولار، ولا كهرباء ولا هيئة ناظمة. من سلعاتا إلى بسري ومن وزارة الاتصالات إلى كل الوزارات، تحولت الدولة إلى منهبة.
بربكم كيف نحلل هذا الواقع مستخدمين القاموس السياسي العادي؟
الطريقة الوحيدة لتحليل هذا الواقع هي قراءته بصفته مافيا، لكن مشكلة هذه القراءة هي أنه لم يسبق لأي واحدة من المافيات العريقة أن استولت على الحكم في أي بلد من العالم.
لبنان يثبت طليعيته، فكما نجح خلال أعوام الحرب الأهلية الطويلة في اختراع عبارة «اللبننة» التي أضيفت الى القواميس بكل اللغات، فإن العصابة اللبنانية بأجنحتها المختلفة تقدم اليوم نموذجاً لا سابق له، هو سلطة المافيات.
تعود نشأة المافيا إلى صقلية في إيطاليا في القرن التاسع عشر، وهناك نقاش في تحليل نشأتها، هل بدأت كحركة اجتماعية وجزء من الانتفاضات الفلاحية حسب المؤرخ البريطاني اريك هوبسباوم، أم كانت ردة فعل على القمع الذي مارسه الجنود الفرنسيون؟ كما أن هناك نقاشاً في تحليل أصول الكلمة، هل هي كلمة طليانية أم هي تحريف لكلمة عربية تأثراً بالغزوات العسكرية العربية التي حكمت الجزيرة بين أواسط القرن التاسع وأواخر القرن الحادي عشر. هذه المافيا تحولت مع المافيا الإيطالية في أمريكا إلى ظاهرة معولمة. واليوم هناك العديد من المافيات في العالم: المافيا الروسية، المافيا الألبانية، المافيا الكولمبية، المافيا المكسيكية…. لكن لم يسبق لأية واحدة منها أن استولت على السطلة. فالمافيات تكتفي من السلطة بحصتها الخفية، وتقاتل وتقتل حين تشعر بأن هذه الحصة مُهددة من السلطة أو من مافيات منافسة.
لا وجود لشيء اسمه المافيا اللبنانية على خريطة مافيات العالم، فالمافيات اللبنانية تفتقر إلى الخيال والحنكة اللازمتين، لتأسيس نظام معولم ومعقد. البناء المافيوي اللبناني تركيبة محلية رثة تبلورت من لقاء عاملين: الميليشيات التي استولت على السلطة بعد نهاية الحرب، والبترو دولار والمضاربات المالية والعقارية في سياسة نيوليبرالية متوحشة. هذا التلاقي في ظل الهيمنة السورية التي رعت نظام «البلص» أنتج نظاماً سياسياً اقتصادياً لا شبيه له، وأسس لما يمكن أن نطلق عليه اسم هيمنة المافيات على الدولة.
«النُخب» الحاكمة هي مجرد مافيات، تحكمها قوانين السلب، لكنها عكس المافيات الأخرى في العالم لا تلتزم الصمت. مافيات لبنان ثرثارة وتملأ الفضاء ضجيجاً، لأنها تستند إلى البنى الطائفية وتحتمي من المحاسبة بالتلويح بشبح الحرب الأهلية.
ثم يأتيك من يتكلم عن الإصلاح!
هل يمكن إقناع «العرّاب» دون كورليوني بإصلاح نفسه؟ هل يمكن تخيّل بطل رواية «العرّاب» لماريو بوزو، وهو ينفتح على ضرورة وقف السلبطة والنهب والصراع مع المافيات المنافسة؟
إصلاح نظام المافيا مجرد هراء.
إما أن تذهب المافيا إلى الجحيم، وإما أن ينزلق الشعب اللبناني إلى الخراب.

الياس خوري