المؤامرات والمقامات تطغى على الحقيقة

لفتني، بل آلمني، تصريحان استمعت اليهما في الايام الاخيرة لوجهين من منطقتي البقاع الغربي. الاول لنائب رئيس مجلس النواب ايلي الفرزلي، والثاني لوزير الاعلام جمال الجراح.

الاول اعتبر الحراك المدني المطلبي مؤامرة خارجية رداً على مواقف الرئيس ميشال عون في نيويورك، وتلويحه بحوار مباشر مع النظام السوري حول قضية اللاجئين السوريين، او ما اصطُلح على تسميتهم النازحين السوريين. وربط الفرزلي تحرك ساحتي الشهداء ورياض الصلح بتحركات مماثلة في العراق ومصر، ما يعني ان المعتصمين عملاء يحركهم الخارج، وبات عقابهم واجباً، كما الإعلام الذي يسيء الى البلد والى الامن العام، ويتحمل مسؤولية ما آلت اليه الاوضاع.

بهذا الكلام يبرّىء الفرزلي وغيره من المسؤولين انفسهم، اذ ينفون وجود ازمة تستأهل التحركات والاعتصامات والاضرابات. ويبررون كل تحرك مضاد، او عملية قمع للشارع، تحت شعار مواجهة المؤامرات الخارجية. واذا كنا نصدُق الرئيس الفرزلي في وصفه، فانه من الواجب سحب فتيل الانفجار، في لبنان، كما في مصر والعراق، لان معاناة هذه الشعوب بلغت مداها. فالمعتصمون في الشارع اللبناني انما ينطلقون من حاجات لم تعد خافية على احد. الكهرباء، والمياه الملوثة، والمزروعات المسمّمة، والهواء غير النظيف، والبحر الممتلئ نفايات، والشحّ في الدولار، والاقتصاد المتباطئ، وإقفال شركات كثيرة، ما يعني بطالة متزايدة، وبضاعة مهربة غير مراقبة، وجواز سفر غير محترم، وأمن غير مستتب، و… ألا تستأهل كل هذه المصائب اعتصامات واضرابات جاءت متأخرة؟ لولا اللعبة الطائفية المذهبية البغيضة والوضيعة، لكان الانقلاب أفضل الحلول للبنان، وإنزال اشد العقوبات بالذين توارثوا الحكم وشاركوا فيه على كل المستويات.

اما الثاني، ففي معرض رفضه المثول امام المدعي العام المالي، للاستماع اليه كشاهد في ملف الاتصالات، دعا الى وجوب احترام “المقامات السياسية”. وهذه العبارة التي تدخل القاموس السياسي اللبناني حديثاً، غير واضحة، بل عصية على الفهم، لان اللبنانيين بالكاد يحترمون مَن يسمّون انفسهم “مقامات دينية” لانهم ربطوا انفسهم بالمقدسات وبالالوهة، واستغل بعضهم هذا الوضع لتغطية مخالفات وتجاوزات لا تحصى. وبات مثولهم كغيرهم امام القضاء، متى اخطأوا، مطلبا عاما، فلا يستغلون مواقعهم لتحقيق مصالح شخصية لهم ولعائلاتهم متحصنين بأثواب وتيجان وعمامات.

واما المقامات السياسية، فمصطلح جديد، لتبرير تجاوز القانون، ووضع السياسيين في مصاف رجال الدين، وجعلهم نصف آلهة، لا يحاسَبون على ارتكاباتهم واخطائهم، وبالتالي عدم خضوعهم للمحاكمة والمساءلة، اي تركهم يسرقون ويسرحون ويمرحون، ويعاملون الناس بفوقية، كما الكثير من رجال الدين.

اخطأ الوزير الجراح، عندما كان وزيراً للاتصالات، برفضه المثول امام المدعي العام المالي، واخطأ تكراراً برفضه ثانية، وارتكب الخطيئة المميتة، باعتبار نفسه وغيره من السياسيين “مقامات سياسية”.

السياسيون في كل دول العالم يحاسَبون على قبولهم هدية، وعلى عدم التصريح عن اي مدخول اضافي، وعلى استغلال المال العام، ويحاكَمون.

اما عندنا فانهم يصرّحون ويرتكبون ما يشاؤون، ويحتمون بطوائفهم ومذاهبهم، وبشعب لبنان “العظيم”. 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*