اللّحاق بالغرب وتجاوزه مستحيلان عند بوتين… ما البديل؟

سركيس نعوم
النهار
15122018

وصل فلاديمير بوتين إلى السلطة في روسيا الاتحاديّة عام 2000 بانتخابه رئيساً للجمهوريّة، وبقي فيها ولايتين رئاسيّتين (8 سنوات) واستمرّ ممارساً لها من موقع رئاسة الحكومة لتعذُّر تجديد انتخابه لولاية ثالثة احتراماً للدستور الذي يُحظّر ذلك. وبعد انتهاء رئاسة خلفه ديمتري ميدفيديف عاد إلى رئاسة الدولة عبر الانتخاب طبعاً، ثم جدَّد له الشعب مرّة رابعة عام 2016، ولا يعرف أحد إذا كان سيسعى إلى ولاية خامسة بعد انتهائها عام 2020. علماً أن تاريخه الرئاسي السياسي لا يوحي ذلك وأن إقدامه على هذا الأمر يقتضي تعديلاً للدستور

ما هو نظام الرئيس بوتين وعلى ماذا يقوم؟ يقوم على قاعدة من اثنتَيْن استناداً إلى كُتّاب ومُحلّلين ومُتابعين روس. الأولى يعتبر أصحابها أن روسيا هي دولة “مافيويّة” الهدف الأساسي للنخبة التي تحكمها سرقة المال من البلاد، لإخفائها في الخارج أو لإنفاقها فيه. أمّا الثانية فيعتبر أصحابها أن بوتين صار رهينة شعبيّته وأن ما يفعله وحكومته وإدارته وحتّى حزبه في بلاده يهدف إلى الاحتفاظ بها كما إلى زيادة عدد مؤيّديه. لكل من هاتين القاعدتين مؤمنين داخل روسيا وفي الغرب عموماً. لكن لفهم العوامل التي تُحرّك الكرملين يجب مُتابعة ما يفعله سيّده الذي يقوّضهما عمليّاً. إنطلاقاً من ذلك يؤكِّد هؤلاء وجود الفساد عند شركاء الكرملين، إذ يستفيدون من إدارة البلاد للحصول على أموال طائلة يودعونها بنوك لندن وغيرها، ولتعليم أولادهم في أرقى مدارس الغرب ولشراء العقارات والنوادي الرياضيّة. لكن لو كانت النخبة الروسيّة فقط مافيا لما أقدمت على القيام بأعمال تؤذي استثماراتها في الخارج. ومن الأدلّة على ذلك دعم هذه النخبة المغامرات الخارجيّة لبوتين ومن أهمّها “استعادة” شبه جزيرة القرم رغم العقوبات التي فرضها الغرب عليها والتي تأثّرت هي منها كثيراً. علماً أن أحد أهمّ أسباب “الاستعادة” كان رغبة بوتين في رفع نسبة شعبيّته بعدما لاحظ أنّها بدأت في الانخفاض. علماً أيضاً أن ذلك ليس فقط همّه كما يُقال، إذ عندما صوّت مجلس النوّاب على زيادة سن التقاعد في روسيا بدفع من بوتين واجه الأخير نسبة رفض واسعة من 90 في المئة على الأقل من الروس استناداً إلى استطلاعات رأي موثوق بها وبالمؤسّسات التي أجرتها. وقد تمّ التعبير عنها بتظاهرات شعبيّة، لكن الكرملين استمرّ في هذا النوع من الإصلاحات رغم ذلك، وتلك لم تكن المرّة الأولى التي يُنفّذ فيها سياسات داخليّة غير شعبيّة. إذ أمر باقتطاعات عدّة وفرض ضرائب جديدة تسبّبت باحتجاجات. ويشير ذلك كلّه في رأي الكتّاب المُحلّلين والمُتابعين الروس إلى أن بوتين يتّخذ قرارات غير شعبيّة ويُنفِّذها لأن روسيا ليست دولة عادية مثل الفيليبين وغيرها. فالنخبة الروسية عندها طموحات عالميّة شاملة، والذي على رأسها مثل بوتين ومساعديه يؤمنون بأن على روسيا أن تفرض بل أن تنشر نفوذها وسلطتها في العالم اقتصاديّاً وعسكريّاً وسياسيّاً. هذه الطموحات متجذِّرة في حجمها وتاريخها وعمرها قرون عدّة. طبعاً أضعفت هزيمة موسكو في الحرب الباردة الطموحات المذكورة ولا سيّما عندما قرّر قطاع من “النخبة” نفسها أنّ الخيار الأفضل هو الانضمام إلى الفريق الرابح في تلك الحرب أي الغرب. لكن ذلك كان موقّتاً.

هل يُؤمن الروس فعلاً بأنّ موسكو لم تتدخَّل خارج أراضيها؟

الأزمة الماليّة التي حصلت عام 2008، وكانت أوّل أزمة عالميّة منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، قوّضت الثقة بالاقتصاد الغربي. وقد أظهر ذلك، مع العقوبات التي فرضتها أميركا على رجال أعمال وأصدقاء روس لبوتين، انعدام الثقة في الغرب اقتصاديّاً وسياسيّاًّ. وبالمقارنة، يقول المُحلِّلون والمُتابعون والكُتّاب الروس أنفسهم، بدا بوتين ضامناً أفضل لموجودات الطبقة الحاكمة في بلاده. إذ بادر في خضمّ الأزمة المُشار إليها إلى إعطاء كميّات ضخمة من المال لمساعدة الكبار من رجال الأعمال الروس على الصمود في وجه مطالب دائنيهم الغربيّين. وهو انطلق من القاعدة الآتية: كلّما قويت الدولة تكبر قدرتها على الحماية. ونشر النفوذ في العالم كان دليل قوّة. طبعاً حرّكت روسيا عضلاتها حول العالم في السنوات القليلة الماضية، فنشرت قوّات لها من أوكرانيا إلى سوريا، ونفّذت عمليّات الكترونيّة (سيبرانيّة)، وحاولت بنجاح في بعض الأحيان إيجاد حلفاء في كفاحها من أجل عالم مُتعدّد “القطب” في آسيا وأفريقيا وأوروبا وأميركا اللّاتينيّة. وكان ذلك جزءاً من استراتيجيا واضحة ومُحدّدة. حتّى في القضايا المحليّة الداخليّة فإن ما يقود بوتين وحلفائه هو ضمان مركز روسيا في العالم. ولهذا فإنّه يقوم بأعمال غير شعبيّة وغير مقبولة من غالبيّة الشعب الروسي، فسن التقاعد هو الأدنى في معظم اقتصادات الدول النامية. والمبالغ التي يرتّبها ذلك على الدولة يتصاعد في سرعة. والحكومة في موسكو تعتبر ذلك عقبة في طريق الاقتصاد القومي ولذلك فإنّه يعتزم رفعه.

في اختصار يقول الكُتّاب والمُتابعون والمُحلِّلون الروس أنفسهم أن هذا ما على المُهتمّين وصانعي السياسات في الغرب أن يفهموه ولا سيّما بعدما صار بوتين وروسيا شاغلين معظم الخيال الغربي. طبعاً يقول قادة روس آخرون يحّنون إلى المدرسة السوفياتيّة أن طموحهم اللّحاق بالغرب وتجاوزه. لكن هدف بوتين مختلف. فهو مع داعميه من النخبة وجدوا أنّ اللّحاق بالغرب مستحيل وأن المستحيل أيضاً هو تجاوزه، ولذلك قرّروا أن يبنوا أو يُؤسِّسوا بديلاً أو خياراً آخر.

ملاحظة: بعض هذا التحليل نُشِر في “النيويورك تايمز” الأميركيّة.

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*