الرئيسية / home slide / الله معك يا فارس أنرتَ واستنرتَ ورأت ابتسامتك الحياة

الله معك يا فارس أنرتَ واستنرتَ ورأت ابتسامتك الحياة

28-07-2021 | 00:00 المصدر: النهارسليمان بختي

الله معك يا فارس أنرتَ واستنرتَ ورأت ابتسامتك الحياة

سليمان بختي

عرفت الراحل #فارس ساسين بداية من أبحاثه وحواراته وشهرته الأكاديمية. قرأت له مساهمته في كتاب عن سليم تقلا “من بناء الدولة إلى معارك الإستقلال”، وآخر عن “لبنان: قرن في صور”، و”كتاب الإستقلال: صور ووثائق” مع نواف سلام وغسان تويني، وكتاب “البرج” مع غسان تويني، وكذلك حواره مع فوكو 1979 الذي نشره مترجما في مجلة “كلمن” وسبق وأجرى حوارا مع ميشال سير.

  عرفته عن قرب أكثر عندما تعاونت معه لإنجاز بعض الكتب في “دار النهار للنشر” بهمة غسان تويني ومودة سامية الشامي. وتعددت اللقاءات وتعمقت مع جلسات العمل في التدقيق والترجمة والمراجعة والتبويب والغلاف والعناوين. اكتشفت فيه عبر ذلك مفكرا فلسفيا عميقا يعتبر كانط وهيغل وأفلاطون وأرسطو من أركان هويته.

  كان فارس ساسين دقيقا في نبش الأخطاء والتحقق من مصدرها ومتواضعا في الإشارة إليها أو مناقشتها مع المؤلف. كل كتاب يخرج من يده يلقى العناية والاهتمام والرعاية. كل كتاب هو مشروع مستقل. ما إن يقرأ النص حتى يضعه في إطاره التاريخي والفكري والحضاري. وكان  ظريفا، فإذا ما نفدت  من بين يديه وسائل المنطق لجأ إلى السخرية الراقية القارصة تأتيه من برج الرصد. كان يتذكر دائما أنه مدين لأساتذته وخصوصا فريد جبر وجيروم غيث في جذوة الفلسفة والتفكر والتأمل. ولا يخفي إعجابه بنظرية الإدراك الحسي لهنري برغسون وفيها الأساسي الصالح لتخطي المثالية والواقعية في نظرية المعرفة. 

 كتب رسالة الكفاءة في كلية التربية عن الفكر الإجتماعي عند هنري برغسون (1969)، لكن ما يميز فارس ساسين حقا قدرته على تأصيل أكاديميته في الحياة وفي العلاقة مع الآخرين بتواصل وتلقائية وعفوية، وفي ربط الفكر بالواقع عبر معاناة ذاتية موضوعية يستخلص منها موقفا. اتسعت همته للاهتمام بالتاريخ والمتاحف وتجارب الأحزاب والواقع اللبناني مشددا على العقلانية و”أن لبنان بحاجة في كل ركن فيه إلى أن نشغل عقلانيتنا فيه ونحاول التغيير بدءا من مواجهة الطائفية السياسية وثقافة التوريث”. 

 كان لديه شغف هائل بالفن ويحرص على ترداد قول أدورنو “الفن هو السحر وقد نزعت منه صفة الواقع”. اهتم بنصوص المبدعين اللبنانيين، وكان يعتبر الفيلسوف ناصيف نصار صاحب نص فلسفي عربي أصيل، ويرى في الشاعر جودت فخر الدين الأهم والأبرز بين شعراء جيله. يتحمس لنصوص صديقه الأثير جبور الدويهي والروائية هدى بركات. وكان يسعى لأن يظفر بالكتاب الكتاب. مدينته زحلة هي ايابه الأخير في آخر النهار أو آخر الأسبوع وهو مستعد دائما. اشتركنا معا في مناقشة كتاب فارس يواكيم عن “ظلال الأرز في وادي النيل” في مهرجان الكتاب في انطلياس. كما تبادلنا الكتب بهمة الصديق المشترك جوزف صايغ وخاصة كل جديد واعد أو قديم نادر.

  كان في السنوات الأخيرة منشغلا بتدوين السيرة السياسية والفكرية لغسان تويني. روى لي غير مرة أنه كان في زيارة لغسان تويني وقد استبد المرض وصعوبة النطق بهذا الاخير. اندهش ساسين وهو يودعه كيف نطق تويني وخصه بهذه العبارة وحده دون غيره من الحاضرين: “الله معك يا فارس…”.  نودع مع فارس ساسين زمنا جميلا وتعبا طيبا وفكرا قيما ومثقفا موسوعيا وانسانا خلوقا. “الله معك يا فارس”، أنرت واستنرت ورأت ابتسامتك الحياة.