اللغة العارية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الياس خوري
القدس العربي
04122018

 

ما معنى أن تتعرّى اللغة؟ أو ما معنى أن تسود عالم السياسة في زمننا لغة نيئة وفجة تنزع عنها أغطيتها، وتأخذنا إلى حضيض همجي تصير فيه الجريمة عارية ومعلنة؟
مناسبة هذا السؤال هو محاولة فهم كيف صار محمد بن سلمان توأم بشار الأسد، وكيف تنافس ترامب وبوتين على ودّ ولي العهد السعودي في قمة الأرجنتين. وجه بوتين الضاحك المتحرر من أي ضغط تمارسه المؤسسات الروسية على القيصر، هو الوجه الآخر لتردد ترامب في انتظار أن تمرّ عاصفة جريمة القنصلية في إسطنبول بسلام في الكونغرس.
هذا الواقع لا يشير إلى انحطاط أخلاقي فقط، بل يشير أيضاً إلى انحطاط اللغة السياسية وهي تتحول من بنية متعددة الدلالات والمستويات إلى كلمات فجة لا منطق لها سوى المصلحة المباشرة، بحيث تنهار القيم أمام جبروت قيمة واحدة هي المال والربح.
واللافت في هذه اللعبة هو أن العالم العربي هو أحد عناوينها. لا نستطيع أن نقول إن الاستبداد العربي اخترع هذه اللغة، فهي موجودة قبله، ونعثر عليها حين نقرأ المراحل المظلمة في تاريخ كل الشعوب، لكننا نستطيع القول إن المنطق الذي ساد في مرحلة هزيمة الانتفاضات الشعبية العربية لعب دوراً أساسياً في بلورة هذه اللغة وفي جعل منطقها المتوحش هو السيد.
لعل كتاب الداعشي أبو بكر الناجي «إدارة التوحش» هو فاتحة هذه اللغة، ففي نص «مدهش» في فجاجته لخّص الرجل بكلمات دقيقة و«منطقية» اللغة التي تسود اليوم في المشرق العربي، والتي وجدت في صعود الترامبية والبوتينية والفاشيات الأوروبية، وعاءها العالمي.
وبصرف النظر عن المصير البائس للوحشية الداعشية، فإن ما يبدو جلياً هو أن لغة «إدارة التوحش» هي اللغة السائدة في عالم اليوم.
وإسرائيل التي يحكمها اليمين العنصري والديني لم تشأ أن يفوتها هذا الاحتفال اللغوي الصاخب، فقامت عبر قانون القومية بعملية تعرية علنية للغتها السياسية، في مشهد بالغ الدلالة والطرافة في آن معاً، عندما نزعت كل الأغطية «الأخلاقية» التي كانت تحاول أن تحجب بها حقيقتها العنصرية، معلنة بشكل لا التباس فيه أنها دخلت في لعبة الأمم الجديدة، وأن لا ضرورة بعد اليوم للغة قيم كانت تحاول استعارتها.

سبق لبوتين أن قام بغسل النظام السوري وجعله مقبولاً في العالم، فإذا كان نظام البراميل والكيماوي يمكن تبييضه، فلماذا لا تطوى صفحة المنشار الذي قام بتقطيع الصحافي السعودي في إسطنبول؟

حتى الصراع العربي-الإسرائيلي تعرض هو الآخر لتعرية لغوية شاملة، بحيث لم نعد ندري هل الأنظمة العربية الاستبدادية تقلّد إسرائيل وتتخذها نموذجاً، أم أن إسرائيل هي من يقلّد هذا النظام العربي.
حين نتحدث عن عراء اللغة أو عن استخدام اللغة النيئة فإن هذا يضعنا أمام مفارقة عجيبة، فاللغة ليست أداة تواصل فقط، بل هي غطاء للروح، بالكلمات يعيد الإنسان صوغ روحه، فهذا الغطاء اللغوي للتعبير ليس أداة حجب للغريزي فقط، بل هو أيضاً أداة كشف واكتشاف.
لن أعود إلى التاريخ القديم كي أستل منه الأمثلة، من زمن الغزو المغولي إلى زمن محاكم التفتيش الإسبانية إلى آخره… لأننا نجد في تاريخنا الحديث مثالاً صارخاً للمصير الإنساني عندما تتعرى اللغة. يكفي أن نستعيد أهوال المرحلة النازية التي قادت العالم إلى المجزرة بلغة فجة تعرت من كل القيم، وحاولت أن تستبدلها بمقولة التفوق العنصري، بحيث أوصلت كل الممارسات الغريبة كاسترقاق البشر أو إبادة السكان الأصليين بسبب «تخلفهم» إلى ذروتها.
الثلاثي دونالد ترامب وفلاديمير بوتين وبنيامين نتنياهو، ومعهم مجموعة من اللاعبين الصغار كمحمد بن سلمان وبشار الأسد وبقية لفيف المستبدين والفاشيين الجدد، يقود العالم إلى لحظة مخيفة يجب مواجهتها الآن بكل الوسائل قبل أن تستولي البربرية على العالم.
النظام العربي كان سبّاقاً في تأسيس هذه البربرية الجديدة، فكتاب أبو بكر الناجي لم يكن مجرد تأملات وأفكار خطّها قلم رجل، بل كان مشروعاً ملموساً جرى تطبيقه. وفي هذا الكتاب يلخّص هذا المؤلف المجهول حصاد بربرية الأنظمة العربية، ويقوم بعملية توليف بين ممارساتها المختلفة، عبر تركيبة تدّعي أنها إحياء للتفكير الإسلامي!
هنا نجد بصمات الاستبداد الصدّامي والتراكم الاستبدادي الأسدي ممزوجة بتجارب القمع والقتل في مختلف أرجاء العالم العربي. وبهذا المعنى يكون البغدادي قد سمّى زمن هذا العري اللغوي وأعطاه ملامحه.
لا أدري إذا كان الرئيس الأمريكي قد قرأ هذا الكتاب الذي وزعته وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية عبر الإنترنت، فالمعروف عن ترامب أنه لا يقرأ، كما أنه لا يثق بأجهزة الدولة الأمريكية، فهو رجل يتبع مصلحته المادية وحدسه، وحدسه قاده إلى استنتاجات شبيهة بتعليمات مؤلف «إدارة التوحش». صحيح أن ترامب لا يزال مكبّلاً باللغة السياسية الأمريكية القديمة، التي تدّعي قيما تغطّي بها سياستها العنصرية، لكنه يحاول بكل ما أوتي من قوة أن يمزق هذه اللغة، ويهزأ بها.
لقد وجد ترامب في محمد بن سلمان حجته، صحيح أن الرئيس الأمريكي لم ينف التهمة عن ولي العهد، لكنه لم يؤكدها. بل اعتبر المسألة غير ذات معنى أمام المصلحتين الأمريكيتين الكبريين: النهب وحماية إسرائيل. وليس غريباً أن يلتقي هنا مع نتنياهو الذي صار وسيط المستبدين العرب، من الخليج إلى السودان، وأملهم الوحيد في التأهل لدخول عالم جديد صار فارغاً من القيم والمعاني.
وقد سبق لبوتين أن قام بغسل النظام السوري وجعله مقبولاً في العالم، فإذا كان نظام البراميل والكيماوي يمكن تبييضه، فلماذا لا تطوى صفحة المنشار الذي قام بتقطيع الصحافي السعودي في إسطنبول؟
تبدو الأمور وكأننا في عالم لا واقعي وقد يكون كوميدياً من فرط تبسيطيته، لكن حقيقة عالمنا تقول إننا أمام واقع جديد، لا يثير سوى الغضب، وأن تأجيل مواجهة هذه المرحلة السوداء هو الكارثة بعينها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*