الرئيسية / home slide / اللبناني الفرنسي سليم نسيب في كتابه «الجَلبَة»: محبة بيروت تلاحقك حتى رمقك الأخير

اللبناني الفرنسي سليم نسيب في كتابه «الجَلبَة»: محبة بيروت تلاحقك حتى رمقك الأخير

 سمير ناصيف
القدس العربي
20112022

نظم القسم الثقافي في السفارة الفرنسية في بيروت في نهاية شهر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي معرضاً للكتاب الفرنسي (الفرنكوفوني) تخللته محاضرات ونقاشات بين عدد من الكتّاب والمفكرين من لبنان وفرنسا وسائر أنحاء العالم.
وبرغم نجاح المؤتمر، فقد تعرض المنظمون لبعض التحفظات بالنسبة لهوية عدد من المدعوين الفرنسيين الذين نبهت وزارة الثقافة اللبنانية انهم من مؤيدي إسرائيل وانهم ربما قد يدعون في مداخلاتهم إلى التطبيع بين لبنان وإسرائيل. وبالتالي، امتنع عدد منهم عن الحضور. بيدَ ان أحد الممتنعين، وهو الكاتب اللبناني الفرنسي سليم نسيب، صاحب كتاب جديد بعنوان «الجلَبة» تردد في اتخاذ مثل ذلك القرار وخصوصاً ان اسمه لم يُذكر في التحفظات، بل على العكس ظهرَ تأييد لقدومه في بعض الأوساط الفكرية والإعلامية اللبنانية. وانتهى الأمر إلى انه قدّم كتابه إلى جمهور المشاركين من فرنسا بواسطة تقنية «سكايب».
سليم نسيب (واسمه الحقيقي سولي تركية) ولد في لبنان عام 1946 ونشأ في كنف عائلة يهودية عاشت في حي وادي أبو جميل على مقربة من الشاطئ البحري لبيروت، واختَبر الحياة في العاصمة اللبنانية وفي مدرسة الآليانس حتى سن المراهقة، ثم هاجرت عائلته إلى فرنسا وذهب معها ولكنه عاد في أكثر من مناسبة إلى لبنان وخصوصاً بعدما حظي بمنصب صحافي بعد إتمام دراسته في صحيفة «ليبراسيون» الفرنسية الليبرالية التوجه والتي كلفته بتغطية الحرب الأهلية اللبنانية بالإضافة إلى شؤون أخرى.
ومن خلال زياراته وتفاعله مع الحركة الطلابية اللبنانية المناهضة للنظام الطائفي الرأسمالي (في شبابه) في لبنان وعبرَ تفاعله مع المقاومة الفلسطينية هناك آنذاك، ثم بعد تحوله إلى مراسل «ليبراسيون» نشط في حلقة اختبرت الحرب الأهلية اللبنانية بشكل مباشر. وبالتالي، قام هو وأصدقاؤه بمجازفات خطيرة أدت إلى مقتل بعضهم وتعرض الآخرين لأخطار محدقة. إذن فالجمهور اللبناني المؤيد للثورة الفلسطينية ولتحقيق نظام أفضل في لبنان احتضنه سابقاً ولاحقاً واعتبر بان أي تحفظ على حضوره إلى لبنان للمشاركة في مؤتمر الكتاب الفرنكوفوني أو أي مناسبة أخرى غير مقبول.
انقسم المعجبون بكتابه «الجَلبَة» إلى مجموعة رأت في هذا (الكتاب ـ السيرة) الذي يشمل المذكرات عن المراحل المختلفة في حياته إنجازاً شبيهاً لما حققه المفكر الفلسطيني ـ الأمريكي ادوارد سعيد في كتابه «خارج المكان» إذ تضم صفحاته تغطية للحياة الشخصية والعائلية للمؤلف مندمجة في الوقت نفسه بتغطية تاريخية للأحداث من منطلق ملتزم بعدالة القضية الفلسطينية ومرتبط بشكل وثيق بمحبته لبيروت حيث يعتبرُ تلك المدينة منبع جذوره التي لاحقته وتلاحقه طوال حياته.
ورأى معجبون بالكتاب في مجموعة أخرى أن الاختبارات الشخصية المباشرة للكاتب التي وردت في الكتاب شكلت لوحة أدبية مكتوبة بأسلوب رفيع المستوى لغوياً (باللغة الفرنسية) يصف فيه بيروت قبل وبعد الحرب الأهلية لعام 1975ـ 1990 بصدق ووجدانية والتزام إنساني ومحبة رغم عدد من الاختبارات السلبية التي تعرّض لها في تلك المدينة التي طبعت شخصيته بشكل غير قابل للزوال.
أما الجهات التي تحفظت على دعوة كتّاب يؤيدون التطبيع مع إسرائيل إلى معرض الكتاب الفرنكوفوني في بيروت والتي لم تحددهم بالأسماء فإن بعض أركانها من الصحافيين والإعلاميين أكدوا وحددوا بوضوح بان سليم نسيب ليس مشمولاً بهذا التحفظ لان ماضيه المقاوم والمؤيد للحق والعدالة في فلسطين معروف ولا غبار عليه.
لكن هناك بعض صفحات الكتاب قد تفسر تحفظ جهات حزبية لبنانية عما ورد فيه وهي متعلقة بمواقف الكاتب إزاء حزب الله اللبناني وإيران. ففي الصفحة (248) يسأل يوسف (الاسم الذي اختاره المؤلف ليمثل شخصيته في الكتاب) صديقه فؤاد، الذي ينتمي إلى الطائفة الشيعية المسلمة والذي كان جاره في وادي أبو جميل في صغرهما، عن شقيق فؤاد (واسمه زيد) فيرد فؤاد قائلاً: «ان شقيقي زيد، ومنذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران لثلاث سنوات خلت، صار متمسكاً بمبادئها تمسكاً شديداً. فيسأل أحد شباب الشلة المجتمعة فؤاد: «أليست الثورة الإسلامية مؤيدة وملتزمة بالقضية الفلسطينية؟» فيجيب: «إنهم يعارضون الأمريكيين والإسرائيليين ويؤيدون القضية الفلسطينية ليس لأن الفلسطينيين طُردوا من أرضهم بل لأنهم مسلمون ولأن الإسلام برأيهم سينتشر بشكل محتم في فلسطين والعالم».
وفي مقطع آخر في الصفحة (369) وبعد مقتل صديق يوسف وأحد أركان الشلة الصيدلي رالف فارحي، أثناء خروجه من أحد المخيمات الفلسطينية حيث كان يقوم بعمل طبي وإنساني، يقول منير (اسم مستعار لسياسي لبناني يساري بارز، توفي في السنوات الماضية) لرفاقه: «ان رالف لم يُقتل بسبب سقوط قذيفة عليه أثناء خروجه من المخيم بل لقد تم اغتياله من قبل جهة أصدرت أمراً بذلك». ويضيف في الصفحة اللاحقة (ص 369) مقطعاً يشير إلى ان وكالة الصحافة الفرنسية تسلمت بياناً من «حركة المحرومين على هذه الأرض» بانها هي التي نفذت عملية اغتيال رالف تنفيذاً لمشيئة الله! لأن رالف فارحي كان عميلاً للموساد ويُشرف على شبكة تجسسية تابعة لإسرائيل في لبنان، وأن اغتياله كان انتقاماً للعمليات الإرهابية التي تنفذها إسرائيل في لبنان». علماً ان رالف فارحي، بدوره كان ينتمي إلى الطائفة اليهودية اللبنانية ويخدم طبياً في المخيمات الفلسطينية وكان بدوره مقرباً من القيادات الفلسطينية في المخيم لتوفيره الصيدلة والأدوية لسكانه.
ويضاف إلى ذلك المقطع، ما أورده الكاتب عن جولة قام بها يوسف لتغطية صلاة الجمعة في مسجد بئر العبد في الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث تم الاشتباه به والتحقيق معه، «فأبرز جواز سفره الإيراني للمحققين ما دفعهم لاعتباره متعاطفاً معهم» (ص 376). وهذا الأمر أدى إلى اتاحة إجراء مقابلة مع شاب مقاوم في حزب الله قال له: «ان الجهات المقاومة غير المنتمية إلى الثورة الإسلامية لا تتمتع بجرأة المقاومين الإسلاميين ولا استعدادهم للاستشهاد في سبيل الإسلام والأمة الإسلامية إذ أنهم جبناء». ويقول نسيب ان زيد (شقيق فؤاد) شاهده يقوم بالمقابلة وغض الطرف عن إبلاغ العناصر المحققة معه عن هويته الحقيقية، وان زيد نفسه نبهه في لقاء آخر معه أمام الجامعة الأمريكية في بيروت، عن ضرورة تركه لبنان لأنه قد يتعرض للخطف (ص 387).
هذه المقاطع الواردة في الكتاب ربما هي التي أثارت التحفظات من جانب الجهات الحزبية اللبنانية حول مواقف سليم نسيب بالنسبة إلى أيديولوجياتهم الإسلامية.
كما ذكرنا، يُعطي الكاتب لنفسه في هذا الكتاب اسم يوسف، كما يعطي أسماء مستعارة لأصدقائه.
إحدى اللبنانيات المتعاطفات مع الكتاب، نظراً لقيمته الفكرية والأدبية بالنسبة لها، قالت في لقاء على هامش المعرض ان «يوسف ظهر لها كشخصية درامية تراجيدية تعيش أكثر من حياة واحدة». واعتبرت ان «ما عاناه المؤلف في سنيّ حياته الأولى وحتى سن المراهقة يشبه ما يعانيه أولاد آخرون ينشأون في كنف عائلات من أقليات اجتماعية غير مرحب فيها في مجتمعات تفرض عليهم الغربة عن قصد أو غير قصد، فيما هم وعائلاتهم يحاولون تجاوزها ويسعون للاندماج في مجتمعاتهم التي تهيمن عليها المجموعات والطوائف ذات الأكثرية العددية والنفوذ السياسي ويضطرون في النهاية إلى الهجرة إلى بلدان أخرى».
واللافت، حسب رأيها ورأي آخرين أُعجبوا بالكتاب، قدرة مؤلفه على الوصف الوجداني المتميز والزاخر بالمحبة برغم الصعوبات التي واجهها في بيروت. ويضاف إلى ذلك الأسلوب الطريف والمبتكر الذي يصف فيه سليم نسيب فترة اعتقاله في سجن لبناني عندما كان طالباً متمرداً، ومدى علاقته الحميمة بوالدته التي أحضرت إليه الطعام في السجن وتهافتا للقاء أمام دهشة السجناء الآخرين.
كما يصف نسيب عملية اعتقاله من جانب مجموعة فلسطينية لدى خروجه من أحد المخيمات بسيارة رفيقه رالف ثم إيقافها في مكان أثار الشبهة. وكيف تدخلت عناصر من حركة «فتح» وأفرجت عنه وعن صديقه واعتذرت منهما. ويفسر نسيب ذلك الحدث بان الرئيس ياسر عرفات كان يهمه أن يؤكد للعالم بان الشباب من الأقليات عموماً، ومن غير الأقليات، يؤيدون المقاومة الفلسطينية.
ربما اختار الكاتب عنوان «الجَلبَة» لكتابه وهي قد تعني الضجة والصخب لكونه يتوق إليها ويخشاها في الوقت عينه، إذ نرى يوسف في الكتاب يذهب إلى أخطر الأماكن ويجازف بحياته ويختبئ مع أصدقائه في البيوت السرية للمقاومة، ولكنه يفضل تلك الحياة على العيش في حياة رتيبة في المهجر. بيد أنه يخشى الموت أيضاً، وذلك ظهر جلياً في وصفه لمقتل صديقه رالف فارحي المفجع له ولرفاقهما.
وفي الصفحات الأخيرة، يتم إبلاغ يوسف ان بإمكانه السفر على الباخرة التي ستقل المقاتلين الفلسطينيين من مرفأ بيروت إلى خارج لبنان وبينهم قادة المقاومة، والرئيس ياسر عرفات.
ويتم تنفيذ ذلك مع انه كان من المفترض ألا تنقل الباخرة إلا المقاتلين، ولا مكان فيها للصحافيين، ولكن الرئيس عرفات شاء (حسب المؤلف) تواجد بعض الصحافيين الأجانب لتغطية مواقفه وتفسير إقدامه على خطوة القبول بالانسحاب من بيروت ولبنان في تلك الظروف.
وتتم المقابلة مع عرفات على متن السفينة التي تحط أولاً في مرفأ في اليونان حيث يتم استقبال الرئيس عرفات من جانب رئيس وزراء اليونان باباندريو. وبعد ذلك، ينتقل يوسف إلى باريس حيث يتلقى مكالمة هاتفية صاعقة من صديقه روكو المقيم في شقة داخل الجامعة الأمريكية في بيروت مع رفاق آخرين يبلغه فيها عن حدوث مجزرة صبرا وشاتيلا بعد اغتيال الرئيس اللبناني بشير الجميل.
ويقول المؤلف ان صحيفة «ليبراسيون» طلبت إليه استقلال طائرة والعودة إلى بيروت لتغطية الحدث وتفاعلاته، ولكنه رفض، حيث انه وافق مع نظرية صديقه روكو بان الجميع خرجوا خاسرين في غزو 1982 للبنان والمجازر التي أنتجت عنه فالفلسطينيون اضطروا للخروج من لبنان والإسرائيليون خسروا حليفاً غالياً لهم، واللبنانيون ظلوا في محنتهم واليهود العرب تم اقتلاعهم من العالم العربي بسبب إسرائيل وتجاوزاتها.
بالنسبة إلى المؤلف، فإن حبه لبيروت وتعلقه بها، حسب قوله، سيظل يلاحقه حتى رمقه الأخير.
Selim Nassib: «Le Tumulte»
Editions De L Olivier, Paris 2022
412 Pages.

سمير ناصيف