الرئيسية / أخبار الاقتصاد / اللبنانيّون يستشعرون الكارثة: في الإمكان تفاديها

اللبنانيّون يستشعرون الكارثة: في الإمكان تفاديها

ساحة رياض الصلح (تصوير رينه معوض).

اللبنانيون باتوا مدركين أن كارثة المعالجات لقضية الكهرباء كانت السبب الرئيسي في زيادة الدين العام بما يساوي 51 مليار دولار، كان لا بد من تأمينها بالدولار وفي غالبية الاحيان بمقترضات الدولار، التي اذا توافرت من مصادر خارجية ولم نتمكن من تسديدها قد تؤدي الى إعلان افلاس البلد. ومعلوم أن تجاوز مرحلة الافلاس تستوجب سنوات ويرافقها ما يشبه السطو على موارد المواطنين ممن اجتهدوا سنوات من أجل كفاية حاجاتهم وحاجات أولادهم ولا سيّما منها تكاليف التعليم والتخصص.

في خضم الأزمة، ثمة مؤشرات لقدرة لبنان على تجاوز المصاعب المتفشية، والتي أسهم انتشارها بسبب سياسات المصارف في زيادة مخاوف المواطنين من خسارة مدخراتهم والقدرة على المحافظة على مستوى حياتي مقبول.

ان مناعة الاقتصاد اللبناني خلال المحن السياسية كانت كبيرة ويكفي ان نستذكر توافر العملات الاجنبية والبضائع المستوردة في أيام القتال المستعر بين قوى لبنانية وفرق فلسطينية معززة بحماسة لدى بعض فئات اللبنانيين، ومع ذلك ورغم تدني سعر صرف الليرة من 5 ل. ل. للدولار عام 1982 حين تولى أمين الجميل رئاسة لبنان الى 2850 ل.ل للدولار في أيلول 1992 وخلال تلك الفترة (1988 – 1992) كانت نسبة الدولرة في الودائع تساوي 92 في المئة وتالياً لم يؤثّر انخفاض سعر الليرة على نفقات العائلة، وبقيت الأعمال الشرعية وغير الشرعية ناشطة ولم تكن هنالك شكاوى من قلة توافر الغذاء أو الأدوية كما هو الوضع اليوم.

يبلغ الدين العام اليوم حدود الـ90 مليار دولار منها 60 في المئة ديون بالليرة تعود إلى المصارف اللبنانية والمواطنين اللبنانيين والرصيد البالغ 40 في المئة من الدين العام هو بالعملات الاجنبية. والبعض يرى ان نسبة الدين بالليرة تعني حماية لبنان من الافلاس لان اصحاب السندات الصادرة بالليرة غالبيتهم من اللبنانيين الذين ليست لهم مصلحة في افلاس البلد والخزينة.

اضافة الى الارتخاء المعنوي لأن غالبية الدين العام بالعملة المحلية، يمكن معالجة الوضع الضاغط باتخاذ خطوات جذرية القصد منها الحيلولة دون تدهور الوضع الى حد الافلاس الذي يؤدي الى تخلي المستثمرين، لبنانيين، عربًا أو أجانب، عن التوجه إلى الاستثمار في لبنان.

حاليًا نعاني مشكلتين، اضافة إلى تحديات تأليف الحكومة من لبنانيين أكفياء ينكبون على معالجة المشاكل التي تعطي صورة عن لبنان وكانه بمواصفاته لا يزال من عالم الثلاثينات ولا نقول الأربعينات.

المستثمر في الصناعة أو السياحة يحتاج الى مساحات واسعة بأسعار مقبولة، كذلك يحتاج الصناعيون وأصحاب الفنادق الى توافر الكهرباء دون انقطاع ومقابل تكاليف لا تزيد على 12-14 سنتاً للكيلووات/ ساعة. ومعلوم ان كلفة الانتاج في معاملنا تزيد على 24 سنتًا للكيلووات/ ساعة ،الامر الذي يعني ان التصنيع الذي يحتاج بكثافة إلى الطاقة الكهربائية يصبح غير اقتصادي مع اسعار شراء الطاقة من أصحاب المولدات الخاصة. وتوافر الكهرباء بتكاليف معقولة اساسي للمستشفيات والمدارس ودوائر الحكومة، والجامعات والتكنولوجيات الحديثة التي تشمل وسائل الاتصالات وتصنيع الادوية وتوفير المعالجات الإلكترونية للاعصاب والعضلات وأوجاع الظهر والقدمين الخ.

اصلاح الكهرباء شرط أساسي لاستدرار مساعدات “سيدر”، وهذه ان توافرت نتيجة رضا بعض المساهمين الأساسيين، تمهد لتوسع الحلقة، فمؤتمر “سيدر” يؤمن 11.2 مليار دولار على خمس سنوات يفترض ان نوفر مقابلها ما يزيد على 12 ملياراً لتغطية تكاليف مشاريع البنية التحتية، وتالياً فإنّه إذا لم نتمكن من استرجاع حماسة اللبنانيين للاستثمار في لبنان لن نشهد حماسة ظاهرة لدى الأوروبيين وأهالي الخليج العربي، كما ان القيود على توفير أموال المودعين على مستوى حاجاتهم لن تشجع اللبنانيين الذين كانوا يحوّلون 7.5 مليارات دولار بتحويلات مصرفية الى لبنان على اعتماد هذه الوسيلة لان نتيجة التحويلات بالعملات الاجنبية تتحول مباشرة الى تحويلات بالليرة اللبنانية للمستفيدين في لبنان، وقد تكون حاجتهم ملحة إلى الاستثمار، أو تأمين اقساط المدارس إلخ.

البداية في اهمال برنامج خفض عجز الكهرباء تدريجاً بانتزاع القرار من أيدي ممثلي “التيار الوطني الحر” الذين تسببوا في العجز الحالي، وتقريبًا في تعجيز الدولة عن الوفاء بالتزاماتها، واستمرار المصارف في العمل بشكل طبيعي.

خطوة شجاعة تتمثل في إيلاء شركة “سيمنز” أو شركة “جنرال الكتريك” مسؤوليّة التصدي لتحديات تامين الكهرباء بالكميات المطلوبة والأسعار المقبولة غير مستعصية إلّا في أفكار السياسيين التقليديين. في المقابل انتاج الكهرباء وتوزيعها وتأمين منافسة بين اكثر من منتج وموزع، هو البرنامج الذي اسهم في تأمين الكهرباء لجميع الحاجات في بريطانيا، وكذلك في المانيا، أما فرنسا فقد أوكلت هذه المسؤولية إلى شركة كهرباء فرنسا، التي هي مختلطة على صعيد الملكية مع القطاع الخاص، وكان لها مشورة في المشاريع اللبنانية لم تأخذ مداها للتنفيذ.

معالجة موضوع الكهرباء، وازالة الحاجة إلى تمويل عجز الكهرباء، تؤديان الى تناقص حجم الدين العام تدريجاً، وتحسين انتاجية اللبنانيين في المصانع والمدارس وقطاعات الخدمات السياحية، وحتى خفض مستويات استهلاك الكهرباء في المؤسسات الرسمية مع التوجه إلى خفض أعداد الموظفين والصناديق التي انتهت مهماتها.

الفائدة من معالجة قضية الكهرباء تظهر خلال سنة 2020 وتالياً تؤدي الى توافر بعض المال من مؤتمر “سيدر” خلال السنة المقبلة، وتفسح في المجال لتفحص امكانات صناعية وسياحية ملحوظة، لكن الأزمة النقدية الحالية لن تزول خلال سنة أو سنتين، وان تكن حدّتها ستتراجع تدريجاً.

يبقى هنالك تذكير مفيد مع جارتنا قبرص، حيث اضطرت السلطات النقدية إلى اتخاذ تدابير احتياطية عامي 2008 و2009، وكرست جهودًا كبيرة لاستقطاب السياح الذين بلغ عددهم حتى تاريخه (24/12/2019) أكثر من خمسة ملايين سائح. وقبرص كما هو معروف وبعد لجوئها إلى مصادرة ودائع تفوق الـ100 الف ليرة قبرصية منذ سنوات، أصبحت تستقطب المصارف الأجنبية، ومن هذه مصارف لبنانية تستطيع تعويض حاجات رجال أعمال سوريين لفتح الاعتمادات والتي كانت نشاطًا مجزيًا للبنان، أصبح اليوم معدوماً، لأن قدرة المصارف العاملة في لبنان على تعزيز الاعتمادات تبخرت بسبب ظروف البلد. وأخيرًا يجب التذكير بأن قبرص عضو في الاتحاد الأوروبي، الذي وفر لها 10 مليارات أورو من الدعم عام 2009 وقد استردت بكاملها، كما ان قبرص التي بدأت الاهتمام بموضوع الغاز في البحر قبالة مصر واسرائيل ولبنان بعد اهتمام لبنان بانجاز اتفاقات البحث والتنقيب، توصلت الى اكتشاف مكمنين مهمين، وحاجات القبارصة من الغاز لتوليد الكهرباء، والاستعمال في الفنادق والمنازل متوافرة. وقد تتوافر لنا مؤشرات ايجابية خلال بضعة أشهر.

اضف رد