الرئيسية / home slide / الكُتاب العرب يتحمسون للرواية التاريخية والقراء ينتظرونهم

الكُتاب العرب يتحمسون للرواية التاريخية والقراء ينتظرونهم

الكُتاب العرب يتحمسون للرواية التاريخية والقراء ينتظرونهم

إعادة قراءة الواقع على ضوء الماضي وبحث عن حلول للقضايا الراهنة

شريف صالح 

الخميس 9 يونيو 2022 15:30

    

عندما تتداخل الحكايات في لوحة برهان كركوتلي (صفحة الرسام – فيسبوك)

أليست كل رواية تأريخاً لماض أو للحظة راهنة سوف تصبح ماضياً بالضرورة؟ ما الجديد الذي تقدمه روايات موصوفة بأنها “تاريخية”؟ هل هي موضة دفعت الروائيين إلى التنقيب في العصور السحيقة وسير القدماء؟ ربما الجوائز الكبيرة حفزت مخيال الكتاب في هذا السباق لضمان إنتاج نص مهادن لا يشتبك مع الواقع ولا يثير غضب أحد.

إذا اعتبرنا أنها “حل هروبي” تجنباً لبطش السلطة أو قناع للاختباء وراءه، فإن توجه الرواد لكتابتها لم يكن هرباً وإنما العكس، فمثلاً جرجي زيدان (1861 ـ 1914) مؤسس دار الهلال بنى مجده الأدبي على كتابة التاريخ العربي والإسلامي روائياً مثل “المملوك الشارد” و”العباسة الأخت الرشيد” ولدينا أيضاً باكثير في “واإسلاماه”، ونجيب محفوظ نفسه أسس مشروعه الروائي على أعمال فرعونية مثل “رادوبيس” و”عبث الأقدار” و”كفاح طيبة”.

حاول الرواد أن يثبتوا للآخر (المستعمر) أننا أيضاً قادرون على كتابة الرواية، ولدينا تراث عظيم خاص بنا قابل للاستلهام، مما يعني أنه كان مشروعاً إبداعياً في خدمة الاستقلال الوطني والبحث عن هوية، فبعد أكثر من 100 عام هل ما زال الروائيون يكتبون التاريخ لتعزيز الهوية، أما أنها نصوص مشاغبة تقدم تاريخاً مضاداً ومسكوتاً عنه مما تعمد المؤرخون إسقاطه والتعمية عليه.

لحظة تطابق

DeChadarevian7-1024x749.jpg

شهرزاد الحكاية كما رسمها دو شاداريفيان (صفحة الرسام – فيسبوك)

يرى الناقد والأكاديمي المصري محمود الضبع أن ثمة لحظة “تطابق” بين الرواية والتاريخ عربياً وعالمياً، فمنه استمدت مواضيعها التي كانت تحاول فيها مراعاة التطابق التاريخي قدر الإمكان، إلا أنه بمرور الزمن وما لحق بالتطور الأدبي والكتابة الروائية، فإنه يمكن اليوم رصد أشكال متعددة لاشتباك الرواية مع التاريخ، تتجاوز مجرد إعادة سرد حدث أو الاتكاء على أماكن تاريخية.

هناك مثلاً شكل الرواية التي تستحضر التاريخ لتعضيد مرحلة سياسية أو اجتماعية حاضرة، وهو شكل غالب في أعمال عدة، وهناك شكل يعمد إلى تفكيك التاريخ لإعادة صياغته مثل الروايات التي تناولت مراحل التحول من الملكية إلى الجمهورية، وهناك رواية تلتقط من التاريخ المراحل المفقودة والمنسية مثل معظم الروايات التي تناولت سقوط الأندلس لتكمل مسيرة درامية متخيلة في صيغة تاريخية، وهناك رواية تجادل التاريخ أو تعمل على تصحيح ما تم تسجيله فيه من أخطاء، أو تستقرؤه ولا تعيد حكيه، مثل الروايات التي تناولت تاريخ ابن رشد وجلال الدين الرومي وابن عربي.

امين.jpg

حكايات الرسام أمين الباشا (صفحة الرسام – فيسبوك)

وهناك روايات تخضع لأيديولوجيا مرحلة أو جماعة أو شخص، فهي تعتمد على أحداث تاريخية واقعية، لكنها تحولها لمصلحة تمرير أيديولوجيات بعينها، وهو المسلك الذي تتبعه جماعات الإسلام السياسي خلال السنوات الـ 10 الأخيرة، وينبغي الانتباه إليه وكشف أهدافه الخفية. إذاً وبحسب ما يطرحه الضبع فإن الرواية منذ بداياتها كانت مشتبكة مع التاريخ، لكنها ليست نوعاً واحداً بل أنواع شتى بحسب مدخل ورؤية كل كاتب.

 حنين وتوثيق

تفسر الكاتبة العراقية حوراء النداوي دوافع كتابة الرواية التاريخية وتقول “ثمة رغبة قوية لدى البشر في العودة للماضي، ربما لأجل استقراء متجدد للأحداث والوقائع السابقة، على الرغم من علمنا المسبق بالتبعات التي قد تكون أعقبت تلك الأحداث، وغالباً ما تضعنا في حال نوستالجيا وحنين مرتبطة بكل ما هو قديم، وهذا يفسر ربما الإقبال الكبير عليها، لكن لعل ما يميزها تحديداً هو فكرة التوثيق، وذلك حتى وإن سارت الأحداث الخيالية بمحاذاة الواقع، إلا أنها مهمة لما تخلقه من ترسيخ للحدث في الأذهان، فالحكاية وحدها قادرة على خلق مثل هذا الرابط الوجداني، لأننا ببساطة كائنات قصصية وبحاجة للذاكرة والقصة لكي نؤكد وجودنا، ثم إن بعض الوقائع مثلاً لم يكن متاحاً الحديث عنها وتأملها حين وقوعها لأسباب عدة، أهمها مثلاً تلك السياسية. نحن في العراق على سبيل المثال، غالباً ما نعود للماضي الذي لم يسرد كما ينبغي، بسبب القمع السياسي للنظام السابق، ولعل قصصنا اليوم سوف تحكي عنها أجيال مقبلة باسترخاء من يملك مساحة أكبر للتعبير”.

وتتوقف مؤلفة “تحت سماء كوبنهاغن” عند إشكال استغلال الوقائع التاريخية في روايات متخيلة، بحجة أن الرواية والأدب لا يقدمان الأجوبة بشكل عام، ولا يجبب أن تتخلي الرواية عن روعتها الجمالية في مقابل الحدث التاريخي الجاد الذي قد تقدمه كتب أخرى بشكل متخشب، على حد تعبيرها. وتضيف، “هذه مجرد آراء سلبية سيلين من موقفها الصارم التوظيف الجيد الذي يقدمه الكاتب الذي يعرف كيف يمزج بين الحدث المتخيل والواقعي”.

كنز هائل

محمود شبر.jpg

السرد الحكائي في لوحة محمود شبر (صفحة الرسام – فيسبوك)

تنوعت تجربة الروائي المصري محمد العون ما بين روايات تتناول التاريخ المعاصر مثل “مولانا” وأخرى تعود للتاريخ الفرعوني، لكنه لا يعتبر نفسه “متخصصاً” في الروايات التاريخية فقط. يضيف، “لا أنكر أنني محب لقراءة التاريخ وأجد في كتبه مادة معرفية هائلة عن مصائر البشر وصراعهم مع الحياة والسلطة والهزائم والانتصارات والأقدار التي تقود خطى الناس نحو مصائر متباينة، فقراءة التاريخ بالنسبة إليّ متعة، وتاريخ مصر شديد الثراء منذ العصور الفرعونية ومروراً بالحكم اليوناني ثم الروماني ثم الإسلامي بدوله المتعددة الأموي والعباسي حتى المملوكي، ومن حسن الحظ أن المؤرخين المصريين سجلوا أحداث الدولة المملوكية باستفاضة، وتركوا لنا مادة ثرية وممتعة عن تلك الفترة على الرغم مما فيها من مآس”.

وبحسب العون فإن القراءة المتعمقة للتاريخ تولد نظرة ورؤية خاصة لدى القارئ، يستطيع أن ينفذ فيها إلى حياة الناس وظروف معيشتهم في ذلك الزمن البعيد، ويرى بعين الخيال جوانب ومساحات لم يكتب عنها المؤرخون، وهذا الخيال هو ما يصنع المادة التي يمكن للروائي أن يكتب عنها ويجعل منها عملاً فنياً، فيمكن لأسطر عدة في كتاب تاريخي عن واقعة معينة أن تلهم الروائي فيكتب عنها رواية كاملة، أنا فعلت هذا في رواية “سراديب الذهب”، بضعة سطور فقط مكتوبة عن الملكة حتب حرس أم الملك خوفو، وحادثة سرقة مقبرتها، واستطعت من خلالها أن أستلهم موضوع الرواية.

أي أن مؤلف “سراديب الذهب” يرى في التاريخ منبعاً أو كنزاً للحكايات، شرط أن يملك الكاتب حاسة التخييل ولا يكون الأمر مجرد اجترار لما هو معروف.

ولا يعتبر العون هذا التوجه هرباً من الواقع أو لمجرد نيل جوائز، لأن الكاتب الحقيقي لا يفكر في الجوائز أثناء الكتابة أبداً، بل يبذل ما يستطيع من جهد ليكتب عملاً يستحق القراءة، وربما يكون الحافز هو متعة الاكتشاف خلال عملية الغوص في تفاصيل أحداث وشخصيات التاريخ.

رواية المهمشين

لا ينكر الكاتب الكويتي عبدالوهاب الحمادي أن بعض هذه الأعمال قد تكون “هرباً”، لكن بعضها الآخر يقدم حلاً ممتازاً للوصول للقارئ وتقديم رؤية للواقع عبر قناع التاريخ، ولنا أن نستدعي كتابات تاريخية وعناوين عدة، مثل “العائش في الحقيقة” لنجيب محفوظ.

“هل أراد الكتابة عن أخناتون في ثمانينيات القرن الـ 20 ليعود للماضي أو يجدد روايته لتاريخ مصر الحديث من خلف ستار التاريخ القديم؟ طبعاً أرجح الخيار الثاني، وهكذا يفعل الكُتاب حول العالم، وعندما أدخل أي مكتبة في الغرب أجد زحاماً من الروايات التاريخية عندهم والصادرة حديثاً، وهذا يعني رواجها في أقطار العالم”.

ولا ينفي مؤلف “ولا غالب” التي تتناول التاريخ الأندلسي أن هناك من يكتبها وعينه على الجوائز، لكن هناك من هو مولع بالكتابة في حد ذاتها لأهداف أخرى، ولو استعرضنا عناوين الروايات الفائزة في الـ “بوكر” أو “كتارا” أو أي جائزة رئيسة، لرأينا أن عدد الروايات التاريخية الفائزة لن يتعدى في أفضل الأحوال نصفها أو أقل.

بماذا يفسر الحمادي سر الإقبال عليها؟ يجيب، “ربما لأن الرواية التاريخية تقدم جديداً، فكتب التاريخ تقدم الرواية الرسمية أو المتعارف عليها والمألوفة، ثم تأتي الرواية الجيدة لتهبط من علياء الرسميات وتأخذنا لتروي ما لم يرو. نشاهد التاريخ يتحرك أمامنا برواية المهمشين أو وجهات النظر الأخرى أو اختيار طريقة حكي مختلفة، شرط أن تكتب بحرفية، وغالباً يستخدم كاتبها التاريخ لرؤية الحاضر وفهمه”.

ويضيف الحمادي، “ومن موضعي كقارئ وتجربتي الصغيرة ككاتب، ألاحظ ولع القراء العرب بقراءة الروايات التاريخية أكثر من تلك التي تدور أحداثها في الحاضر، وهنالك أسباب أهمها وأبسطها أننا كعرب بيننا مشتركات أهمها التاريخ، ويكفي أن نرى كيف يكون التاريخ حياً في حياتنا، ويؤثر على الرغم من قدم وتباعد أحداثه في حاضرنا ومستقبلنا لأننا مبتلون بالاستقطاب، ولأن المنطقة بين الدين والتاريخ لا تنفصل حدودها عندنا كعرب ومتشابكة وملتبسة، لذلك صار تاريخنا بأحداثه وشخصياته مقدساً، وهنالك أعداد مهولة من الناس مستعدة للقتال والتعارك اليومي بسبب أحداث قديمة أو دفاعاً عن شخصيات ماتت وشبعت موتاً.

أذكر جملة في روايتي الأخيرة “ولا غالب” تقول ما معناه إن التاريخ عند العرب هو الحشيش الحلال، ولك أن تبصر حولك وترى”.

تفسير الولع

سألنا الناقد والأكاديمي المغربي عبدالرزاق المصباحي عن سر ولع القراء بهذا النوع من الروايات فأجاب، “تفسير الإقبال يتطلب مدخلين، الأول مقايستها بالأفلام التاريخية، فمهما ادعت مطابقتها للوقائع التاريخية المبثوثة في المصادر الموثوقة إلا أنها مطبوعة بوجهة نظر صناعها، أي صناع الثقافة الذين يخضعونها لرهان فردي أو مؤسسي ما، لتخرج من واحدية الحدث إلى تعدده، فيحشد له الآليات الفنية والتخييلية الملائمة، وإذا كانت الأفلام التاريخية قد استطاعت جذب عدد كبير من المشاهدين، بخاصة بوساطة جهود المخرجين السوريين مثل الراحل حاتم علي، فلأنها صنعت بنية خطاب على حبكات جديدة، وتفجر منها أبطالاً وأحداثاً كانت هامشية في المصادر التاريخية، وكذا الأمر في التخييل الروائي التاريخي الذي لا يكتفي باستعادة الأحداث المعلومة، وإنما يعيد تشكيلها ضمن حبكات في معظمها مناهض لسردية المنتصر أو الرسمي، الذي يحدث أثره النفسي البالغ في قارئ يميل إلى رواية مختلفة عن تلك التي صنعها المعتمد التاريخي، فيكون الإقبال على قراءة هذه الأعمال هو الأثر التخييلي المنشود”.

ويضيف، “أما المدخل الثاني فخاص بالجوائز التي تجيز لجانها في دورات عدة روايات من التخييل التاريخي، تنمط ضرورة هذا النوع فيميل إليه الروائيون بحثاً عن فرصة للتتويج، وينعكس ضرورة على إقبال القراء في غياب التتبع النقدي الصارم الذي يسهم في فحص وتقويم المنشور، ويواجه بعضا من سلطة الجوائز في توجيه الفعل القرائي نحو أنواع روائية بعينها”.