الرئيسية / مقالات / الكلمة كالرصاصة، حين تُطلَق، لا تُسْتَردّ

الكلمة كالرصاصة، حين تُطلَق، لا تُسْتَردّ


غادة السمان
Mar 03, 2018

 

أتابع على شاشة القناة 1 الفرنسية برنامج (ذي فويس) لاكتشاف الصوت الجميل، لأنني من عشاق الأصوات الجميلة ويعجبني في البرنامج أن لجنة التحكيم من المطربين المحترفين وبعضهم مشهورون يجلسون وقد أداروا ظهورهم للمتسابقين، بحيث لا يرونهم، وبالتالي فالمقياس الوحيد للحكم هو جمال الصوت.
وفي إحدى حلقات البرنامج جاءت متسابقة بحجاب أزرق أنيق وسرّني أن تأتي (محجبة) للمشاركة في البرنامج، وهو ما تمنيته دائمًا في مختلف النشاطات المتلفزة وسواها، والإسلام ليس أنبوباً مُفرغاً من الهواء عازلاً يحيط بالمرأة كما يحب المتأسلمون زعم ذلك والإرغام عليه. وهنا أتذكر قولاً أحببته للشاعر اللبناني الراحل عبد اللطيف شرارة.

الإسلام ليس سجناً خاصاً بالمرأة!

يقول شرارة في تعليق له على أحد كتبي مذكراً بتاريخنا العربي النسائي: «منذ القرن الأول للهجرة والمتمثل في الخنساء وسكينة بنت الحسين والوافدات على معاوية من مختلف الأقطار والجهات العربية» مؤكداً أن الناس في أوروبا وأمريكا يجهلون أن «المرأة العربية هي الوحيدة بين نساء العالم التي لم تنقطع قط عن مراس الحياة العامة والتأثير فيها وخوض معركتها وصولاً إلى «خديجة الكبرى» مثلهن الأعلى».
أعود إلى الجميلة جداً المحجبة في برنامج (ذي فويس) وقد استدارت مقاعد لجنة التحكيم كلها إعلاناً عن اعترافهم بجمالية صوتها وأدائها، وعرفنا وقتئذ أن اسمها منال وأنها سورية الأصل. قدرت أنها ستكون الأولى بين المتسابقات والمتسابقين لجمالية أدائها وصوتها.

سهولة قول الخطأ المتسرع في (تغريدة)

ثم جاءت المفاجأة غير السارة: هذه الجميلة السورية ـ الفرنسية سبق لها أن اتخذت موقفاً لا إنسانياً من ضحايا الاعتداء بالشاحنة التي دهست المحتفلين بالعيد الوطني الفرنسي في كورنيش «جادة الإنكليز» على شاطئ مدينة نيس حيث قتل (متأسلم) عشرات الناس حين هاجمهم بشاحنته ودهس العديد من العائلات وبعضهم من المسلمين وكانوا ينتظرون الاستمتاع بالألعاب النارية التقليدية التي تطلق في تلك المناسبة، وتحولت البهجة البريئة إلى مأتم إنساني. ما من مسلم يبتهج بالقتل الهائج الأعمى للناس، ولكن منال رحبت بذلك على نحو غير مباشر في تغريدات إرهابية على (فيسبوك) وتناقلت الصحف أن جميلة الصوت والشكل الملائكي منال سبق لها أن رحبت بذلك القتل منحازة للمجرم وللأسف فإن «منال» اقترفت ذلك حقاً. وتم سحبها من (ذي فويس) دونما ضوضاء إعلامية. واعتذرت منال عما سبق وقالته وكررت الاعتذار ولكن الكلمة رصاصة لا تسترد بعد إطلاقها وكان عليها التروي قبل قولها ما لن تتبناه فيما بعد.

لسانك حصانك إن صنته صانك!

أجل. حين نبشت الصحافة (ماضيها التوتري) على (الفيسبوك) أبدت منال بالغ الندم وقدمت اعتذاراً تلو الآخر في المواقع الاجتماعية ونسيت أن الكلمة ليست دمية نكسرها ثم نبكي لفعلتنا، وجمالية صوتها لا تغفر ما قالته من القسوة على مشاعر أقرباء ضحايا العمل الإرهابي يوم 14 ـ 7 ـ 2016.
ولكن ابنة الـ21 سنة ليست وحدها ضحية لسانها الذي خانها، بل يقــــترف ذلك كبار السياسيين في فرنسا وسواها وهذا نـمـــــوذج لما حدث مؤخــــــراً لوزير سابق ورئيس تجمع حزبي كبير فرنسي (الحزب الجمهوري اليميني) واسمه لوران وكيه .

قال الصدق (فقامت القيامة) عليه!

قبل حوالي شهر ذهب «لوران وكيه» إلى مدينة ليون للقاء مع طلاب جامعة «إدارة الأعمال» وفي اللقاء، لم يغن أغنية «خايف أقول اللي في قلبي» بل قال ما في قلبه أمام الطلاب، وكثير منه لا يسر أقطاب السياسة الفرنسية الآخرين، كاتهامه لرئيس الجمهورية السابق ساركوزي (حليفه!) بأنه كان يتجسس على هواتف وزرائه، كما اتهم رئيس الجمهورية الحالي ماكرون بأنه كان وراء تدمير المرشح المنافس فيون، وذلك ليس صحيحا في نظر الكثيرين، وفساد فيون المالي سبب دماره إذ كان قد أعطى زوجته بنلوب وولديه راتباً من أموال دافعي الضرائب (وأنا منهم!) طوال أعوام لأعمال وهمية لم يقوموا بها. والإنسان فيما يبدو بحاجة إلى أن يقول الحقيقة كما فعل لوران وكيه وهي حاجة طاغية كالرغبة الجنسية مثلاً، وتذكرت الملك في الأسطورة العربية الذي كان يذهب إلى الغدير ليبوح للضفادع بآرائه وأسراره قبل زمن تسجيل المحاضرات سراً!!
لوران وكيه كان أذكى من التوهم بأن الاعتذار يجدي وتبنى ما قاله معتذراً فقط من حليفه رئيس الجمهورية السابق ساركوزي.
لكنني أتساءل: هل ما حدث كان خطأ حقاً؟

هل الكلام من ذهب والسكوت من فضة؟

كلنا يعرف المثل الشهير: إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب. في المقابل أجد أن الكلام خلعٌ للأقنعة، وأنا أحب الكلمات العارية، وأمقت (اللغة الخشبية) كما يدعوها الفرنسيون أي لغة المداهنة.
أحب لحظات الصدق بلا (مصانعة) في الحقول كلها. وقد سرني أن لوران وكيه لم يتراجع عن أقواله حين حاورته المذيعة في القنال 15 الفرنسية روث أولكريف، بل أصر عليها باستثناء اعتذاره من ساركوزي. على العكس من منال التي كررت الاعتذار تلو الآخر. والاعتذار لا يجدي حقاً.
وأظن أن على المرء أن يتروى قبل قول ما لا يعني قوله، أو ما لا يريد حمل مسؤوليته، وصدق الإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ حين قال: إذا تم العقل نقص الكلام!

اضف رد