الرئيسية / home slide / الكتاب الذي يروي حكاية “البيتلز” إلى ما بعد النهاية

الكتاب الذي يروي حكاية “البيتلز” إلى ما بعد النهاية

“تجمّعوا معاً” حول الأسطورة التي لم تعش سوى سنوات قليلة

إبراهيم العريس 
باحث وكاتب
 الجمعة 11 سبتمبر 2020 18:13
https://www.independentarabia.com/node/150861/

فريق “البيتلز” الغنائي البريطاني في ديسمبر 1963 (غيتي)

ذات يوم، حين سئلت كوكب الشرق أم كلثوم عن رأيها في فريق “البيتلز” الغنائي البريطاني، الذي كان قد فرض حضوره في العالم كله خلال سنوات قليلة، قالت إنها قد لا تكون معجبة بالأسلوب الغنائي والموسيقي الصاخب الذي أتى به ذلك الفريق، وغير معجبة بالشكل الخارجي للثياب وقَصّة الشعر التي تميز أعضاءه، لكنها بالتأكيد ترى أن المستقبل له وأن هذا الأسلوب “سيسود ويؤثر في شبيبة العالم شئنا أم أبينا”.

والحقيقة أن الفنانة العربية الكبيرة لم تكن بعيدة عن الصواب يوم أطلقت هذا الرأي حتى وإن كان كثيرون قد استغربوه منها. لقد عاش فنّ فريق “البيتلز” فعلاً في توجّهين: فهو عاش من ناحية عبر عشرات الأغاني التي وضعها الفريق وانتشرت في العالم أجمع ولا تزال تُسمع حتى اليوم وربما بالشغف القديم نفسه، لكنه عاش، من ناحية ثانية، في الإرث الفني الذي جعل أعداداً هائلة من فنانين، كذلك في كل أنحاء العالم تتبنى الأساليب الغنائية والفنية نفسها بالإضافة إلى الثورة الاجتماعية الهائلة التي كان فنّ “البيتلز” رحمها.

ضحايا النجاح

لكن إذا كان فن “البيتلز” لا يزال حياً وثورتهم لا تزال مؤثّرة، فإنهم هم أنفسهم كانوا ضحايا ذلك النجاح، لكيلا نقول ضحايا الطبيعة البشرية، وربما لا يمكن لأحد أن يصدق اليوم أن تلك الثورة الهائلة التي عرفتها فنون العالم بفضل “البيتلز” وذلك النجاح المدهش الذي كان من نصيبهم لم يتحمل أعضاء الفريق أنفسهم وجودهم فيهما سوى أقل من بضع سنوات إذ ما إن أطل عقد السبعينيات من القرن الـ 20 حتى كانوا أثراً بعد عين، انتهوا، تفرقوا، بل راحت الصراعات والخلافات تدب بينهم.

وإن كان كل واحد من الأربعة، بول ماكارتني وجورج هاريسون وجون لينون ورنغو ستار، راح يشق طريقه بنفسه في ممارسة فنه وحيداً مع نجاحات متفاوتة، فإن أياً منهم لم يعرف ولو جزءاً يسيراً من النجاح والمكانة اللتين كانتا لهم متجمّعين,

ونعرف أن هناك أعداداً كبيرة من الكتب والدراسات التي تناولت حكاية فريق “البيتلز” من بداياته إلى نهاياته خصوصاً نهاياته، ومع ذلك يبقى الكتاب الذي أصدره الناقد الموسيقي البريطاني بيتر داغجيت قبل سنوات الأكثر دقة بشهادة المؤرخين والمتابعين لحكاية ذلك الفريق، والأكثر إنصافاً.

ويحمل الكتاب عنواناً مستقى من إحدى أغاني الفريق، ويعود بنا أساساً، بأسلوب روائي مشوّق إلى أبريل (نيسان) من عام 1970، أي بالتحديد إلى اليوم الذي أصدر فيه بول ماكارتني بياناً صحافياً في غاية البساطة يعلن فيه انفصاله عن الفريق، وبالنسبة إليه كان البيان إعلاناً رزيناً لا يحمل أي قدر من العاطفة أو الحزن، لكنه كان بالنسبة إلى الملايين من المعجبين حول العالم، أشبه بمأساة حقيقية، ناهيك بأن مؤرخي الفنون سوف يعتبرونه، بحسب تعبير داغجيت نفسه “إعلاناً لنهاية حقبة من الزمن مباركة”.

غير أن الأدهى من هذا أن البيان سيكون نقطة الانطلاق لواحدة من أشرس المعارك والصراعات وضربات الحناجر وأعمال الغدر في تاريخ أي فنّ من الفنون، خلال حقبة من الزمن ظلّ الجمهور العريض لا يعرف عنها الكثير، بل بالأحرى لا يعرف عنها شيئاً هو الذي ظل يستمع إلى ما لديه من أسطوانات للفريق ويتفاعل معها آملاً عودة الأربعة إلى التجمّع ليواصلوا معركتهم العظيمة “ضد الرأسمالية وفي حمأة صراع الأجيال بحثاً عن مكان في هذا العالم لكل الشبان والمهمشين والطيبين الذين تبنوا ذلك الغناء ناطقاً باسمهم”، غير عالمين أن أفكارهم باتت في واد وممارسات “البيتلز” في واد آخر.

الكراهية والضغائن

الكراهية والضغائن كجزء من ميراث أو هذا على الأقل ما يحدثنا عنه مؤلف الكتاب في فصول متتالية يروي لنا فيها، بلغته الهادئة إنما الثاقبة كيف أن “الخنافس الأربعة وأهلهم ورفاقهم وكل المحيطين بهم عاشوا خلال تلك المرحلة نوعاً من تعايش بالقوة تزينه الأحقاد وضروب الكراهية والجشع ويتلاعب فيه المحامون ورجال الأعمال وغيرهم”، بينما المعجبون “يصلّون كي يعود الأربعة فريقاً متكاملاً وينتجون الجديد من الأغنيات ويقيمون المزيد من الحفلات”.

ويروي داغجيت أن تلك الصراعات دامت قرابة 10 سنوات وانتهت بالانفصال، ولكن كذلك بفواجع وأزمات دائمة

ولئن كانت الثورة على الرأسمالية المحور الرئيس الذي منه انطلقت حكاية “البيتلز” في سنوات الـ 60، فإن المال، من دون رأس أو ثورة، سيكون المحور والمستنقع اللذين ستغوص فيهما أسطورة “البيتلز” في سنوات الـ 70.

وغادجيت لا يقول هذا جزافاً في صفحات كتابه، لا يقوله متأملاً محللاً، بل بالاستناد إلى عشرات اللقاءات والحوارات التي أجراها مع أصحاب العلاقة إذ راح يسجل مئات الساعات يتكلمون فيها ويروي كل واحد منهم حكايته كما يراها. أما هو فقد جمع ذلك كله ونسّقه وولّفه، وقدّم في نهاية الأمر واحدة من أعمق حكايات “انتصار الرأسمالية” وسيادة منطق رأس المال، وتحول العالم كله بعد أحلام الستينيات المثالية، الى واقعية الدولار التي لا نزال، في رأيه نعيشها حتى اليوم بعدما لم يبقَ من حكاية “البيتلز” سوى الحنين.

سنوات الفريق القليلة

من اللافت هنا أن داغجيت يحدد بداية نهاية “البيتلز” كفريق متجانس عند العام 1967 أي بعد سنوات قليلة جداً من انطلاقته وتحديداً مع موت بريان إبشتين مدير الفريق والمؤسس الحقيقي للظاهرة. يومها لتدبير شؤونهم، أسس الأربعة شركة قابضة تتولى شؤونهم المالية، ومع ولادة تلك الشركة “apple corps”، كانت بداية تحوّلهم من مناوئين للرأسمالية إلى عبيد للمال، وفي عام 1969 جرى اختيار مدير جديد للفريق وكان سبباً في انفصال ماكارتني، ليكون سبباً لنهاية الأسطورة!

ويؤكد داغجيت أن الأربعة واصلوا تقاسم الأرباح حتى عام 1974 بالتساوي ما أدى إلى “إغاظة الاثنين الأكثر شعبية بينهم، ماكارتني وهاريسون” لتستعر المعركة ونجدنا أمام أربعة “صبيان غارقين في الأنانية، كل واحد منهم متلهف للحصول على كل دولار لنفسه ولو طعن رفاقه ألف طعنة”.

وبات من الواضح أنها باتت بعيدة تلك الأزمنة التي كان يُحكى فيها عن “البيتلز”، بوصفهم أصحاب ثورة تشكل جزءاً من ذهنية عامة، بدأت إرهاصاتها في نوع من الفهم الشعبي للفلسفة الوجودية برز ما إن انقضت الحرب العالمية الثانية بمذابحها ومساوئها، لتحلّ مكانها حرب باردة وتهديد نووي وصراعات خفية راحت تملأ العالم وتطلق قوى الرفض من عقالها.

في مثل تلك الأوضاع، كان لا بدّ لأجيال جديدة، زاد انتشار السينما وعولمة الثقافة العالمية وقرب المسافات بين الأمم والأفكار، من حدة غضبها على مجتمع الماضي ومجتمعات الآباء، وتحديداً على خطوات مسرح بريطاني غاضب ومسرح عالمي عابث ولا معقول.

والحقيقة أن ثورة الغناء والموسيقى، كما عبر عنها فريق “البيتلز” إنما ولدت من رحم ذلك كله كما ولدت وربما مواربة من رحم شعر وفنّ “البيتنكس” الأميركي الرافض، إضافة إلى عامل آخر فني قومي إلى حدّ ما هذه المرة، هو الرغبة الإنجليزية في الإفلات من السيطرة الأميركية الكلية على الموسيقى والغناء في العالم.

وهكذا، على الأرجح تضافر هذا كله ليطلق أولئك الشبان المرحين الصارخين الذين كانوا في ذلك الحين في العشرينيات من عمرهم، ولم يكن أي منهم يتوقع ولو جزءاً يسيراً من النجاح الذي حققوه معاً.

الرأسمال يقتل مناوئيه

غير أن هذا كله سرعان ما خبا كما يروي لنا هذا الكتاب القاسي، فالفريق انتهى إلى الفرقة، وقُتل أحد كباره جون لينون في شكل تراجيدي، بل إن هذا النوع من الفنّ كله حدث له بسرعة أن استُوعب تحديداً من قبل رأس المال الذي انتفض هو في الأصل للثورة عليه كما يحدث دائماً لكل فنّ ولكل تمرد، غير أن تأثيراته ظلت باقية بصرف النظر عن وجوده كثورة واضحة إذ إن أجيال أيامنا هذه إذا كانت قد رمت جانباً كل البراءة الساذجة التي جرت محاولات كثيرة لتوريثها إياها أسوة بميراث أجيال النصف الأول من القرن الـ 20، فإن هذا يدين جزئياً على الأقل إلى ذلك الوعي الاجتماعي الذي حملته ذات يوم ثورة فنية أطلقها فنانون شبان ملأوا العالم صخباً وضجيجاً وغناء وثورة.المزيد عن:البيتلزأم كلثومبول ماكارتنيجورج هاريسونجون لينونرنغو ستاربيتر داغجيت