الكتاب اعتقاداً و”انتقاماً”

شخصياً، لا أتحمّل المناسبات والتظاهرات الثقافية الموسمية وغير الموسمية. أفضّل مليون مرّة أن أذهب بمفردي إلى مكتبة (أو أتسلّل إلى مسرح وسينما بعد انطفاء الأضواء، أو إلى معرض فنّي بعد الافتتاح)، لأتأمّل الكتب المعروضة على الطاولات، وتلك المرصوفة على الرفوف، وحيداً صحبةَ روحي وعينيَّ ويديَّ هاتين، لأجل أن أنخرط انخراطاً كاملاً في فلسفة التواصل هذه، التي قد لا يعرف أحدٌ على الإطلاق – ولا أنا ربّما – معناها لديَّ، وقيمتها عندي.

على كلّ حال، إنّي، لمناسبة هذا المعرض بالذات، و”انتقاماً” مما آلت إليه حياتنا على أيدي سارقيها اللبنانيين وغير اللبنانيين، أقف من على منصة هذا المقال، لأقبّل أرواح هؤلاء الذين لا يزالون يبذلون من أرواحهم وعقولهم وأجسادهم وأعمارهم لأجل صناعة هذا النوع من الكتب، بل لأجل صناعة الكتاب مطلقاً، والذين ينصرفون بكِبَرٍ مهيب عن جحيم الترّهات والابتذالات والسخافات والتصحّرات والوضاعات والحقارات والانحطاطات السياسية والحزبية والطائفية والمذهبية والأمنية الماحقة التي تقضّ عيشنا، وتستبدّ بنا، وتحاصرنا، معتبرين (أي هؤلاء الصنّاع) أن الكتاب هو الدستور، وهو الدولة، وهو أعظم من كلّ رئاسة، ومن كلّ حكومة ونيابة ووزارة، وأنه هو المعيار، وهو المقياس، وهو القيمة، وهو “الأخلاق”، وهو البيت، وهو السقف، وهو الوطن، وهو المستقبل، وهو الخلاص، وهو هو الحرية.

لن يغيب عن بالي ونقدي، أن كتباً غفيرة وكثيرة ليس لها أيُّ معنى، ستحتلّ أمكنةً جمّة في المعرض المذكور، وقد تحرف الانتباه عن الجوهر. وأن ندواتٍ وتواقيع ونشاطاتٍ مملّة ومسطّحة وببغائية (بدون تعميم طبعاً)، ستتسلّل علناً إلى واجهة الاهتمام، لكن هذا يجب أن يجعلنا أكثر تعلّقاً بمغزى استمرار الكتاب والحبر والنشر في الزمن الأرعن والمقيت هذا، الذي يراد فيه تجويف المكان البيروتي اللبناني من معناه، وتدمير فكرة لبنان الثقافي لصالح القطعان الظلامية، الممعنة في تسعير الهول والرعب واليأس.

أـيها الناس؛ خذوا الكتاب اعتقاداً. وخذوه انتقاماً!

akl.awit@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*