الرئيسية / أضواء على / الكاتب المغربي سعيد ناشيد… الشريعة تعكس إرادة السلطة فهي ليست كلام الله

الكاتب المغربي سعيد ناشيد… الشريعة تعكس إرادة السلطة فهي ليست كلام الله

 

 

كه يلان محمد
القدس العربي
03012019

رغم أن مغامرة تجديد الخطاب الديني كلفت أصحابها الكثير، إلا أن المبادرات لم تتوقف من قِبل أخرين، أحدهم المفكرُ المغربي سعيد ناشيد، الذي يحاول من خلال مؤلفاته تقديم قراءة جديدة للفكر والتراث الديني، نذكر منها .. دليل التدين العاقل، الحداثة والقرآن، والتداوي بالفلسفة. محاولاً تجاوز العثرات والمعضلات التي غيّرت من شكل الخطاب، وحوّلته من خطاب يعمل على تمجيد حرية الفرد، إلى خطاب قمعي بالدرجة الأولى. فكان معه الحوار التالي ..

■ هناك فارقاً ما بين الكلام عن الإسلام، والكلام باسم الإسلام، ما هو مصدر هذه الإشكالية؟
□ حين نتكلم عن الإسلام فعادة ما نقول عنه كلاما جميلا، من قبيل إنه دين الفطرة، ولا إكراه فيه، ولا كهنوت، ولا رجال دين، ولا سلطة دينية، ولا حياء في الدين، وما شابهها من لاءات. غير أننا ما أن ننتقل من مقام الكلام عن الإسلام إلى مقام الكلام باسم الإسلام حتى تختفي تلك اللاءات التحررية، وتتحول إلى تأكيدات وإثباتات تسلطية، من قبيل إن الدين عند الله الإسلام. المشكلة هي في الكلام باسم الإسلام نفسه. لأننا ما أن نقبل من إنسان ما أن يتكلم باسم الإسلام حتى نكون قد فوضنا له السلطة الدينية جزئيا أو كليا، وبلا شك فإن أخطر أنواع السلطة هي السلطة الدينية لماذا؟ لأنها سلطة على الأرواح.

الذي حدث في مستوى العقل الديني هو أن مركز الثقل انتقل من دائرة العقيدة إلى دائرة الشريعة، في ما يشبه الانقلاب الثيولوجي.

■ قراءتُك لمفهوم الدين تهدفُ إلى بلورة أطروحة مضادة للخطابات الإقصائية، اعتماداً على الموروث الصوفي والمناهج الفلسفية، ماذا عن هذه الرؤية؟
□ بداية أنا أميز بين العقيدة والشريعة. المعضلة أن المنظومة الفقهية، ومنظومة الإسلام السياسي من بعدها، يركزان على الشريعة حصرا: «مقاصد الشريعة»، «إقامة شرع الله»، «تطبيق الشريعة»، «الشريعة مصدر للتشريع»، «أنصار الشريعة» إلخ. هناك الكثير من الكلام عن الشريعة ولا كلام عن العقيدة. هناك الكثير من التركيز على الشريعة، رغم أنها تأتي في الدرجة الثانية بعد العقيدة. حين نسأل أي مسلم غير مؤدلج، ما هو الأهم في الإسلام، العقيدة أم الشريعة؟ سيجيبنا بكل تلقائية بأن الأهم هو العقيدة. وهذا الجواب صحيح. فالعقيدة تتعلق بتوحيد الربوبية والذي هو جوهر الإسلام، سواء بمعناه المحمدي أو بمعناه الكتابي. السؤال، لماذا التركيز على الشريعة حصرا بدل العقيدة؟ الإجابة هي أن الشريعة تعكس إرادة السلطة، بخلاف العقيدة التي تعكس التدين الإنساني الحر، غير أن الذي حدث في مستوى العقل الديني هو أن مركز الثقل انتقل من دائرة العقيدة إلى دائرة الشريعة، في ما يشبه الانقلاب الثيولوجي. قديما كان يتم تكفير الأشخاص – إن كان ولا بد – على أساس الموقف من العقيدة: إنكار الألوهية، إنكار الوحدانية، إنكار التنزيه، إنكار الذات أو الصفات أو المعاد أو غير ذلك. وكانت تقام على المتهم الحجة انطلاقا من أسئلة حول العقيدة، حتى لو من باب الظلم والشطط غالبا، لكن اليوم المصيبة أكبر، فقد أصبح التكفير يقوم على أساس الموقف من الشريعة: الموقف من ارتداء الحجاب، الموقف من تطبيق الحدود، الموقف من عودة الخلافة، الموقف من هذا التنظيم السياسي أو ذاك. وبالجملة لقد أخذت الشريعة مكان العقيدة. هنا تكمن المعضلة. السؤال الإصلاحي الأول هو كيف نعيد الشريعة إلى حجمها الحقيقي من حيث هي ليست كلام الله، ولا كلام الرسول، بل كلام الفقهاء؟ هذا هو منطلق بناء الدولة المدنية الحديثة بالنسبة للمسلمين. السؤال الإصلاحي الثاني هو كيف نعيد بناء علاقة الإنسان مع الله على أساس المحبة والفرح، بدل الخوف والحزن والغضب؛ ذلك أن الخوف يقع ضمن الانفعالات السلبية، أي ضمن ما يسميه سبينوزا بالأهواء الحزينة، أو ما يعتبره نيتشه ضمن غرائز الانحطاط، التي تقود إلى انحطاط الإنسان ومن تم انحطاط الحضارة؟ إنه سؤال بناء المواطن الحديث بالنسبة للمسلمين. السؤال الإصلاحي الثالث هو كيف نعيد بناء علاقتنا بالخطاب القرآني على أساس استنباط القيم الروحية والتعبّد الروحاني، بدل استنباط الأحكام. إنه سؤال بناء مجتمع العقد الاجتماعي الحديث بالنسبة للمسلمين.

السؤال الإصلاحي الثاني هو كيف نعيد بناء علاقة الإنسان مع الله على أساس المحبة والفرح، بدل الخوف والحزن والغضب؛ ذلك أن الخوف يقع ضمن الانفعالات السلبية.

■ ذكرت في كتابك «دليل التدين العاقل» جملة من المقولات الشائعة التي توظفها التيارات السياسية ذات خلفية دينية لشرعنة برامجها واستقطاب الحشود. هل يمكن تفسير هذه الظاهرة بناءً على ما تمرُ به الأحزاب ذات التوجهات العلمانية من أزمة فكرية؟
□ استفادت تيارات الإسلام السياسي من ظروف ما بعد 1979، وكان ذلك العام مفصليا بكل المقاييس: انطلاق حقبة الجهاد الأفغاني التي انتهت إلى بروز ظاهرة المجاهدين الأفغان، اندلاع الثورة الإيرانية التي انتهت بسيطرة الخمينيين على السلطة، انتفاضة الجهيمان في الحرم المكي التي أُجهضت أمنيا، لكنها انتهت عمليا إلى تغول المؤسسة الوهابية، وصول جيمي كارتر الذي اعتُبر أول رئيس أمريكي يستعمل مفاهيم دينية في الكلام عن القيم. أثناءها كان أنور السادات الملقب بالرئيس المؤمن يحكم مصر، ويوظف الإسلام السياسي لتصفية تركة الحقبة الناصرية. كل هذا في وقت كانت فيه الحرب الباردة بين المعسكر الرأسمالي «الحر»، والمعسكر الشيوعي «الملحد» على أشدها. لقد كان الخطر الأكبر بالنسبة لكل من الغرب الرأسمالي والإسلام السياسي مجسدا في ما كان يسمى بالخطر الأحمر. كان هذا هو العدو المشترك بين الرأسمالية العالمية والأصوليات المحلية. ما يعني أن كل الظروف كانت مؤاتية لصعود موجة الإسلام السياسي.

■ تقول إن وعينا السياسي المُثقل بالمُتخيل الفقهي يحيل إلى الماضي، هل تعتقدُ بأنَّ الأنظمة السياسية في بلداننا تعملُ على إعادة إنتاج هذه الرؤية لمُحاربة أي حراك يتطلعُ لإنجاز مشروع حداثي؟
□ يقال إن المال جبان. أنا أقول إن المنصب السياسي هو الأكثر جبنا من المال. الخوف على المنصب قد يحول المسؤول إلى أسير للمشاعر الغوغائية للعوام، حتى لو بدا مستبدا مخيفا ومهيبا. علاقات السلطة دائما معقدة لدرجة أن من يقود في الظاهر قد يكون منقادا بانفعالات من يقودهم، لذلك نحتاج إلى رجال دولة أكثر شجاعة في مواجهة الأمراض الثقافية لشعوبهم. في انتظار ظهور هؤلاء هناك الكثير مما يجب علينا فعله: التنوير العمومي.

■ يُفهم من خلال ما تقدمهُ أنَّ جزءاً كبيراً من الإشكالية يأتي من المفردات والعبارات والمُصطلحات التي تؤطرُ تفكيرنا بمحدداتٍ قاطعة في التعامل الآخر، هل هناك بديل لذلك المُعجم الفقهي إن صح التعبير؟
□ بلا شك، يجب تغيير الجهاز المفاهيمي لمنظومة الفقه، لأنه في مجمله مجرد إفراز لعصر التوسعات الإمبراطورية، ويعبر عن حاجيات ذلك العصر القديم، ويتضمن مفاهيم على منوال دار الحرب، دار الإسلام، الجزية، الغنيمة، السبي، الطاعة، الجماعة، الولاء، البراء، وما إلى ذلك من مفاهيم تعبر عن احتياجات عصر التوسعات الإمبراطورية. سمعت في إحدى المناسبات طالبا يسأل شيخا سعوديا على النحو التالي: هل يجوز الغش في امتحانات مدارس دار الحرب؟ السؤال على قدر سخافته فهو جدي. ولم يكن مستغربا أن يتعامل الشيخ مع مفاهيم السؤال بجدية حتى وهو يرجح من حسن الحظ عدم التجويز. إذ يبين الموقف إلى أي مدى ينتمي الجهاز المفاهيمي للعقل الديني إلى زمن السيوف والغزوات، حتى عندما نتحدث عن ماستر العلاقات الدولية في جامعة كامبريدج.

يجب تغيير الجهاز المفاهيمي لمنظومة الفقه، لأنه في مجمله مجرد إفراز لعصر التوسعات الإمبراطورية، ويعبر عن حاجيات ذلك العصر القديم.

■ تقدمُ مفهوم (تكافؤ الطرق) بالاستناد إلى ما يضمه النص المؤسس من القيم التي تكرس التعددية الدينية، كيف يمكن تحويل هذه القيمة إلى ثقافة يمثلها الفردُ، خصوصاً في المجتمعات التي تعاني حالة الاحتقان بين المذاهب وليس الأديان وحسب؟
□ يجب أن نعتبر الخطاب القرآني ليس مصدرا لاستنباط الأحكام والأوامر والقوانين كما فعل الموروث الفقهي، وإنما مصدر لاستنباط القيم الروحية بالأساس، وعلى رأسها ثلاث قيم أساسية: الرحمة، المحبة، والحكمة. المسألة الثانية التي علينا الانتباه إليها هي أن التنشئة الدينية يجب أن تتحرر من هاجس التنميط؛ ذلك أن التدين في الأساس له طابع فرداني صرف. التدين مثل الحب لا يمكن إخضاعه لأي تنميط أو قولبة. الاحتياجات الروحية كثيرة ومتنوعة، من قبيل الحب والصداقة والموسيقى والإيمان، لكنها فردية بالأساس، وتتعلق بالخصوصيات والأذواق والحاجيات الفردية. بل تتعلق بحاجيات كل فرد إلى تحقيق النمو الذي يناسبه من حيث هو ذات متفردة. المعضلة أن التنشئة الدينية السائدة عندنا تعيق حق الفرد في النمو حين تقيده بقوالب جاهزة تجهض نموه الخاص، من قبيل التركيز على القدوة الحسنة بدل تحقيق الذات أوّلا، والتركيز على رضا الوالدين بدل رضا الذات أوّلا، والثقة في السلف بدل الثقة في النفس أولا، والطاعة بدل الاحترام أولا، وما إلى ذلك.

■ من المعلوم أن الحروب المذهبية والقومية في البلدان الغربية حثت النخب المفكرة للبحث عن القيم البديلة وبالتالي أُنشئت الكيانات المتعايشة، بينما لدينا كما أشرت أن كل حرب تمهد لحرب جديدة، ما السبب وراء هذا الاختلاف برأيك؟
□ لم نتعلم الدرس الذي ينبغي، ليس لأننا لم ندفع الثمن الذي يكفي، فلقد دفعنا الثمن أكثر مما يلزم، لكن المعضلة أننا نعاني من موقف نفسي رافض للحضارة المعاصرة جملة وتفصيلا، وذلك بسبب عقدة النقص، وبسبب صدمة الحداثة، وبسبب الشعور بالهزيمة، وبسبب الحالة المرضية للحضارة. إننا ولو بدرجات متفاوتة نحمل حقدا لاشعوريا دفينا ضد الحضارة المعاصرة. غير أننا نقترف خطأ جسيما حين نخلط بين الحضارة الغربية والحضارة المعاصرة. الحضارة الغربية قد تكون المساهم الأساسي في الحضارة المعاصرة، لكنها لا تمثل سوى جزء من الحضارة المعاصرة. أعداء الحضارة المعاصرة موجودون حتى داخل المجتمعات الغربية نفسها، ضمنهم اليمين المتطرف، والأصوليات المسيحية، والمنظومات الفاشية، وغيرها. غير أن الفرق الأساسي بين أعداء الحضارة المعاصرة عندهم وأعداء الحضارة المعاصر عندنا هو أن أعداء الحضارة عندهم ينضبطون للقوانين، وأما عندنا فيدرجون الكفر بالقوانين ضمن «الكفر بالطاغوت». علما بأن دولة القانون عندنا أصلا هشة وضعيفة وتترك لهم ثغرات واسعة حتى حين تصطدم بهم أن تدعي الاصطدام بهم. وهذا من الأمور التي يجب التفكير فيها بكل شفافية ووضوح.

■ وإلى أي مدى تتحمل جامعاتنا مسؤولية ما نعيشهُ من أزمات؟
□ معظم جامعاتنا تعاني من الفساد بكل أوجهه، من الريع، إلى الزبونية، والرشوة، واستغلال النفوذ، وما إلى ذلك. وكل ذلك على حساب البحث العلمي، الذي يكاد يختفي ويمحي. تكمن المفارقة في أن الفساد يستشري بالموازاة مع تغلغل الإسلام السياسي داخل مختلف الشعب الجامعية. ما يعني أن الإسلام السياسي إن لم يكن – بهذا النحو أو ذاك- جزءا من منظومة الفساد، فإنه على الأقل لم ينجح في الحد منها، بل خلاف توقعات الشعوب سمح للفساد بأن يستشري بلا حسيب ولا رقيب.
الحقيقة أننا نحتاج إلى جامعات فعالة أكثر ما نحتاج إلى جامعات كثيرة. غير أن أزمة الجامعات ـ لكي لا ننسى- هــــي خلاصــــة أزمة المنظـــــومة التعليمية برمتها، من التعلــــيم الأساسي إلى التعليم الجامعي: أزمة البرامج والمناهج، أزمة الأهداف والمرامي، أزمة الوسائل والإمكانيات، أزمة سياسات تعليمية لم تجرؤ على طرح السؤال الحقيقي: أي مواطن نحتاجه لأي مستقبل؟

اضف رد