الرئيسية / home slide / الكاتبُ في الزنزانة الكِتَابُ في ساحة الإعدام

الكاتبُ في الزنزانة الكِتَابُ في ساحة الإعدام

 إبراهيم نصر الله
القدس العربي
03032022

لا تعمل العنصرية الصهيونية على حشر الفلسطينيين في السجون، على اختلافها، وحسب، بل تعمل على اعتقالهم في داخل أنفسهم أيضاً، بحرمانهم من أن يعبروا عن أنفسهم، وتقييد أرواحهم في غرف الظلام، ومراقبة أحلامهم ومصادرتها كلما تحولت إلى كلمات.
من هنا، يعاني الأسرى الفلسطينيون الذين يخوضون هذه الأيام واحدة من أكبر معارك حريتهم، مجموعة من الاعتقالات في الاعتقال نفسه، فإذا كانت المحاكم العنصرية قد أصدرت أحكامها بالسجن على الفلسطيني، فإن الآلة العنصرية الصهيونية لا تتوقف بعد ذلك عن إصدار الأحكام المتتالية، التي تحاصر فيه الأسير داخل أسوار سجنه، وتتفنن في ذلك، بدءاً من التحكم بزيارات أهالي الأسرى لأبنائهم وأمهاتهم، وممارسة كل أشكال إعاقة هذه الزيارات، بتحويلها إلى شكل من أشكال التعذيب جسدياً وروحياً، أو بمنع وصول الكتب إلى الأسرى باعتبارها مساحة روحية لتجاوز الجدران، وأنفاقَ حرية للضوء، لتذوق روح العالم وتنوّعه وجماله وعيش أفراحه ومآسيه أيضاً، وصولاً إلى منع أدوات الكتابة نفسها من الوصول إلى الأسرى في محاولة عقابية لإقفال أبواب الروح.
ما قدمه الأسرى الفلسطينيون من كتابات وكتب منذ سنوات طويلة، لا يقل أسطورية عن قدرتهم على الإنجاب رغم وجودهم خلف القضبان، لقد استطاعوا أن ينجبوا أبناء حريتهم، طفلات وأطفالاً، كما استطاعوا أن ينجبوا كتبهم أيضاً، وأن يؤسسوا مكتبة من تأليفهم، يمكن أن ندعوها مكتبة الحريّة.
لكن رحلة كل كتاب من كتبهم من ظلمة السجن إلى واجهة المكتبة، هي رحلة أرواحهم ودمهم وأجسادهم وأعصابهم وقلوبهم لقهر السجن والسجان، وإعلان إصرارهم على الحياة وقدرتهم على أن يعيشوها.
اقتحام غرفة الأسير المبدع باسم خندقجي منذ أسبوع، ومصادرة مخطوط روايته الجديدة، وأدوات كتابته، في إطار عملية القهر التي ضاعفتها العنصرية الصهيونية منذ عملية نفق الحرية، جريمة أخرى تهدف إلى اعتقال الفكرة واعتقال الأحلام، واعتقال حق البشر في التعبير عن أنفسهم، وإذا كان الأسير قد حشر في زنزانة مسلحة بعدة مؤبدات، فإن الكتاب الذي يُعتقل يجر إلى ساحة السجن ليتم إطلاق النار عليه مباشرة وإعدامه، بما يمثله من جمال وتألق وإصرار.
أحفاد غولدا مائير، التي قالت ذات يوم «لو كان الفلسطينيون شعباً لكان لهم أدب» يدركون أن الفلسطينيين لهم أدب وفن، ليس خارج السجون وحسب، بل في داخلها أيضاً.
ويعاني الأسرى من منع وصول الكتب إليهم، كما يعاني شعب بأكمله من هذا، في الضفة وغزة، وقد أشرت لهذا في مقال منفصل قبل سنوات، هنا، في هذه الزاوية، دعوت فيه إلى حركة ثقافية موازية لحركة المقاطعة، وقد أصبح في استطاعة أي إنسان على وجه الكرة الأرضية اليوم، ما دام يملك ضميراً، أن يتحدث عن هذا الكيان الصهيوني ككيان عنصري دون تردد، بعد تقرير منظمة العفو الدولية، وتقارير كثيرة سبقته حول هذا الكيان باعتباره كيان فصل عنصري. ويأتي هذا القهر المعرفي للشعب الفلسطيني بمحاصرته ثقافياً، ومحاصرة كتّابه في الأسر، وهناك الكثير منهم، وبعضهم استطاع تقديم أعمال بمنتهى الأهمية، أهّلتهم للحصول على جوائز عربية، وبعضها تجاوز فكرة الكتابة عن السجن وحده، بل ذهب إلى مواضيع كثيرة، كما فعل باسم.
لا أظن أن هناك عقوبة يمكن أن تُرتكب ضد كاتب أكثر من عقوبة مصادرة مخطوط له، أو ضياع مخطوط، لأن الكِتاب الذي يصادر لا يمكن أن يُكتب مرّة أخرى بالطريقة التي كُتِب بها أول مرة، إنها أشبه ما تكون بمحاولة إنجاب طفل جديد بدل الطفل الضائع، أو بدل الطفل الشهيد. لذا، أعرف ما الذي يعنيه لباسم ولكل رفاقه الكتّاب في الأسر، معنى مصادرة مخطوطاتهم، أو صب الإسمنت على أرواحهم كي لا تتمكن من الوصول إلى الضوء الذي تستحقه في الحياة وفي الكلمات.
في تقديمي لرواية خندقجي «خسوف بدر الدين» كتبت: «يعاند باسم خندقجي مصيراً كُتب عليه، كبطل روايته هذه، ففي رحلته في هذا العالم يصاحب الجمال ويحميه، في أشد زوايا الكون ظلمة: السجون الصهيونية، فيكتب شعراً ويكتب روايات ويكتب أحلاماً أوسع من أفقٍ سجن لا يدّخر الجلادون فيه وسعاً، وهم يعملون بلا كلل على زج السماء في الزنزانة بشمسها ونجومها. وفي رحلة باسم مع ذاته، يذهب بعيداً في داخله، ليوسع العالم الضيق الذي لا يُطْبِق عليه وحده، بل يُطبق على وطنه كله، وقد سادت شريعة الموت والقهر وإذلال البشر.
يتأمل باسم خندقجي معنى القوة في معادلة العدل، ومعنى النصر في ظل الدمار وسفك الدماء. يتأمل الشغف، العلْم، النور، الرؤيا، الحبّ، وحال البشر في تنوع أجناسهم وأحلامهم وأديانهم، وطموحات تلتهم أصحابها كما يلتهمون أعداءهم.
.. أن يذهب شاعر وروائي فلسطيني -رغم ظلمة زنزانته- لعناق النور في روح بطل صوفي، وعناق التسامح والحب والجمال الذي يملأ قلب بدر الدين وقلوب مريديه، فإن ذلك يعني أن السجان لن ينتصر رغم كل الوحشية، وباسم بهذا صورة لروح بطله وشوق هذه الروح لكل ما هو جميل وحرّ».
في كتابة السجين عن حريته، كما قدمت ذات يوم كتاب الأسير سامر محروم «ليس حلماً» أمر ضروري، فكل كتابة تغدو في لحظة تشكلها انعتاقاً من السجن وقسوة السجان، وكل كتابة هي أيضاً محاولة لتهريب الذات عبر القضبان، ليكون هناك جزء حيٌّ من السجين خارج الزنزانة. الكتاب الذي يكتبه السجين، بهذا المعنى، مفتاح سري للتحرّر، وجناح لا يمكن للعدوّ القبض عليه، ولذا ليس غريباً أن يوجّه سامر الشكر في نصه ذاك، بصورة واضحة، للخيال والفكر لتحليقهما في سماء الوطن، بعيداً، بعيداً عن عتمة وقسوة ضيق الزنزانة.

إبراهيم نصر الله