الرئيسية / مقالات / “القمصان الصفر” في “سوليدير” بل في العاصمة ولبنان كله قريباً؟

“القمصان الصفر” في “سوليدير” بل في العاصمة ولبنان كله قريباً؟

سركيس نعوم
النهار
12122018

ماذا سيفعل رئيس الجمهورية ميشال عون و”حزب الله” في الحال التي وصفها “الموقف هذا النهار” في حلقاته الثلاث الأخيرة؟ عن هذا السؤال تجيب الجهات المطلّعة بدقّة عمّا يجري في لبنان والمنطقة، فتقول إن الأول قد يوجّه رسالة الى مجلس النواب، وهذا حق دستوري له، يشرح فيها الظروف التي حالت حتى الآن دون تأليف حكومة ما بعد الانتخابات النيابية. وربما يضع ذلك النواب الذين يكلّفوه أمام مسؤولياتهم بدعوتهم مباشرة أو مداورة الى ايجاد حل لهذه الأزمة التي يهدّد استمرارها الأوضاع الاقتصادية والسياسية والأمنية. طبعاً يستبعد القريبون منه المؤيّدون لدفع الحريري الى الاعتذار تمهيداً لاختيار رئيس مكلّف غيره نجاح هذا الأمر لكنّهم يحضونه على “هزّ العصا” له كي يتخلى عن رفضه تطبيق معايير التأليف التي اتفق عليها بعد الانتخابات النيابية. هل تحقّق الرسالة الرئاسية الهدف الذي يأمله منها الراغبون في إقصاء الحريري، أو في عودة “الطواعية” اليه بعد الظرف الصعب الذي مرّ به قبل أشهر؟ الجهات المطلعة نفسها تستبعد ذلك، بل تذهب الى حد الجزم بأن الخطوة الرئاسية المشار اليها لن يكون لها أي مفعول دستوري على الاطلاق، أي لن تؤدي الى اجبار الرئيس المكلّف على الاعتذار وإن كانت هناك أكثرية نيابية مؤيّدة لذلك. إذ أن أمراً كهذا سيكون خرقاً فاضحاً للدستور رغم الاجتهادات الذي يبالغ فيها إرضاءً لعون وحلفائه جهابذة حقيقيون في القانون. علماً أن نبيه بري رئيس مجلس النواب و”أمل” شريكة “حزب الله” لن يسير في هذا المشروع للادستوريته ولخرقه الميثاقية التي بدا في أكثر من أزمة أنه أبوها وأمها. وعلماً أيضاً أن “الحزب” لن يسير فيه تلافياً لتحمل مسؤولية عواقبه السيئة بل الوخيمة. لكنه في الوقت نفسه لن “يستسلم” لتشدّد الحريري وحليفه الاقليمي (السعودية) وحليفها الدولي (الولايات المتحدة). ويعني ذلك أنه سيستمر في إضعافه ولن يسمح له بتأليف الحكومة. ومن شأن ذلك إدخال البلاد المهترئة دولتها والمعانية شعوبها غيابها وفسادها في حال عارمة بل شاملة من الفوضى. فالاحتجاجات الشعبية ستعم المناطق والعاصمة رغم الانتماءات الطائفية والمذهبية والسياسية المتناقضة للمشاركين فيها. ذلك أن الجميع يعانون جرّاء الوضع الاقتصادي المتردي والبطالة والخوف على العملة الوطنية، وجرّاء غياب الكهرباء وتلوث مياه الشفة والري والأنهر وحتى البحر، كما جرّاء الفساد المستشري عند الجميع ورفض الفئة الممارسة له التخلي عنه لأن حماتها وشركاءهم من كبار القوم في “شعوب” لبنان. انطلاقاً من ذلك لا تستبعد الجهات المطلعة، بل تتوقّع، أن تشكل الانتفاضة الشعبية في فرنسا التي بدأها من سمّوا “القمصان الصفر” منذ نحو شهر أنموذجاً ملهماً للمحتجين اللبنانيين. ففرنسا دولة ولاء شعبها الراقي وملتزم القوانين لها ورغم ذلك لجأ الى العنف والتخريب لأنه شعر فعلاً أنه متأذٍ وألحق ببلاده أذىً كبيراً معنوياً ومادياً، وهو سيكبر أكثر إذا استمر غياب الحلول. وليس مفيداً هنا القول أن أياد خارجية تتدخل في فرنسا رغم أن ذلك قد يكون صحيحاً لأن الدافع الى الانتفاض موجود داخلها. لكن على اللبنانيين قبل الترحيب بالدعوات الى الاحتجاج في الشارع أو قبل الدعوة اليها والاستعداد للاشتراك فيها أن يتذكروا أنهم ينتمون الى عالم ثالث متخلف رغم “الشهادات” الكثيرة، وأنهم منقسمون سياسياً وطائفياً ومذهبياً وعشائرياً وطبقياً، وأن دولتهم غير موجودة الا بالاسم، وأن نزولهم الى الشارع على ضرورته وصحة دوافعه سيكون كارثياً من حيث أكلافه الشخصية والوطنية. إذ أن الشغب بما فيه من تكسير ومن حرق مرافق ومؤسسات عامة وخاصة ومن سرقات وحتى من قتل، مع عجز دولتي عن وقفه بالقوة وباجراءات تعطي المحتجين ما يطالبون به، اذ أن ذلك قد يدفع الى تشكيل ميليشيات أو بالاحرى عصابات بعضها لممارسة المزيد من الضغط ولجناية “المكاسب” غير المشروعة، وبعضها الآخر لحماية الأملاك والمؤسسات والشركات والمصارف تحديداً وحتى المنازل. واذا كان من لفت نظر يمكن تقديمه في هذا المجال الى السلطة، هو أن “سوليدير” قد تتعرض الى التخريب الأقصى أو الهجمات الأقصى. والخطير في هذا الأمر أن الدافع الى ذلك قد يكون سياسياً وبألوان كثيرة ولكن غير منسجمة بحيث أن “اللوحة” التي سيراها اللبنانيون والعالم بعد حصول “الواقعة” ستكون بشعة جداً، ومسيئة الى اللبنانيين التي يغشّ أصحابها أنفسهم عند وصفها بالحضارية. وربما سيرتدي المحتجون المتظاهرون اللبنانيون قمصاناً صفراً. لكن “الشكّاكين” منهم سيتساءلون اذا كانت قمصان سود تحتها. وفي كل الاحوال لا يمكن لوم الناس على النزول الى الشارع لأنهم عانوا كل شيء نتيجة غشّ الحكومات لهم. فسلسلة الرتب والرواتب التي تعني عشرات آلاف الاساتذة وربما أكثر لم تعالج باحتراف بل بشعبوية وبرغبة في زيادة شعبية تعزّز فرص الفوز في الانتخابات. فحكومة الرئيس ميقاتي تتحمل مسؤولية ذلك لأنها أقرت السلسلة. وحكومة الانتخابات النيابية الاخيرة غشّت الناس اذ أعطتهم رقماً لكلفتها أقل من كلفتها الفعلية وبكثير وضخّمت الايرادات التي ستغطي هذه الكلفة على نحو أكبر. ويظهر الغش من مورد واحد يبلغ 75 مليون دولار من الرسوم أو الضرائب على الأملاك البحرية. علماً أن حكومة ميقاتي أقرت رفع الرسوم في حينه لكنها والحكومات المتعاقبة لم تضع المرسوم اللازم لتطبيق القرار فبقيت نسبة الواردات منخفضة. والمؤسف أن الغش انفضح عندما اعتبرت حكومة الحريري الـ75 مليون واردات مقبوضة أو ستقبض. ان واردات الأملاك البحرية أقل وبكثير لأن مرسومها لم يصدر بعد. في ضوء ذلك كله ما المتوقع إقليمياً ودولياً؟

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد