“القمة” المنقوصة منصّة للملف السوري!

النهار
20012019

الوزراء العرب يقفون قبيل اجتماعهم في فندق “فينيسيا” امس دقيقة صمت احياءً لذكرى الرئيس الراحل رفيق الحريري، بناء على طلب الوزير باسيل الذي بدا على شاشة. (دالاتي ونهرا)

لم تبدل انطلاقة الاجتماعات الوزارية التحضيرية لـ”القمة العربية التنموية، الاقتصادية والاجتماعية” في بيروت أمس الواقع المأزوم لهذه القمة في ظل خفض قياسي غير مسبوق لمستوى التمثيل العربي ترجمه غياب 19 من القادة العرب ومشاركة اثنين فقط هما رئيسا الصومال وموريتانيا، الى جانب رئيس الدولة المضيفة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون. ومع ان لبنان الرسمي آثر الاستمرار في تجاهل هذا التطور السلبي وتجنب التعليق على خفض تمثيل الرؤساء والملوك والأمراء العرب الذي أصاب القمة اصابة جسيمة خففت الكثير من الوهج الديبلوماسي والسياسي الاقليمي الذي كان الحكم والحكومة (ولو مستقيلة وفي طور تصريف الاعمال) يعولان عليه للافادة مما يمكن ان توفره القمة من دعم معنوي واقتصادي للبنان في اسوأ الظروف الاقتصادية التي يمر بها، فان وطأة الغياب الواسع للقادة العرب لم تفارق خلفية التحركات والاجتماعات واللقاءات الموسعة او الجانبية التي شهدتها بيروت أمس.

غير ان مجريات افتتاح القمة باجتماع وزراء الخارجية والوزراء العرب الاعضاء في المجلس الاقتصادي والاجتماعي أبرزت الجانب السياسي الاكثر اثقالا على اجواء القمة ومناخاتها والذي ربما لعب دوراً حاسماً آخر في خفض مستوى التمثيل العربي، الى جانب الملابسات التي نشأت عن التعامل السلبي مع مشاركة ليبيا في القمة وانزال علمها وما ترتب على ذلك من تداعيات. ذلك ان ملف اعادة سوريا الى جامعة الدول العربية الذي يسود حياله انقسام عربي واسع كما يثير انقساماً لبنانياً حاداً، تحول مادة أساسية في الخطاب اللبناني الرسمي الذي افتتح به وزير الخارجية جبران باسيل الاجتماع الوزاري العربي الموسع الاول في القمة عقب تسلمه الرئاسة من سلفه السعودي. وبتحويل منبر القمة منصة لمطالبة العرب باعادة سوريا الى جامعة الدول العربية، وهي المطالبة التي تكررت على لسان الوزير باسيل في كلمته الافتتاحية أولاً ومن ثم في المؤتمر الصحافي المشترك الذي عقده مع الامين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، تجددت التساؤلات والشكوك الداخلية حول ما اذا كان هذا الاندفاع يخدم مصلحة لبنان في ترميم ما يمكن ترميمه من اهتزاز واسع غير مسبوق في علاقاته العربية بفعل خفض مستوى التمثيل العربي في القمة، أم ان الاصرار على رفع مطلب اعادة النظام السوري الى الحضن العربي بطريقة انفرادية كهذه سيؤدي الى تعميق الواقع المأزوم للبنان داخل المنظومة العربية بالاضافة الى التسبب بتوسيع الانقسام الداخلي حول هذا الملف وبمزيد من التعقيدات في طريق تأليف الحكومة بعد القمة ؟

ولعل المفارقة التي واكبت ابراز الملف السوري في الاجتماعات الاولية للقمة على مستوى الوزراء تمثلت في ان هذا الملف يعتبر سياسياً صرفاً ويفترض طرحه على القمة العربية العادية المقبلة في تونس وليس في القمة التنموية، إلّا من باب تسجيل موقف سياسي اعلامي يختص بالوزير باسيل وفريقه.

وعلم ان بند النازحين في مشاريع القرارات التي ستصدر عن القمة أثار نقاشاً وتباعداً في وجهات النظر في عنوان البند ١٣ وهو مشروع القرار في شأن الأعباء المترتبة على استضافة النازحين واللاجئين السوريين وأثرها على الدول المضيفة.

مواضيع ذات صلة

  • أمير قطر نجم القمة العربية في بيروت اليوم والحريري يؤيّد طرح باسيل في ملف النازحين
  • تركيا تحذّر من دخول قوات النظام إلى منبج
  • “السترات” إلى فصل عاشر وماكرون يبدأ هجوماً معاكساً

وطاول النقاش الفقرة ٦ والاخيرة والتي تنص على دعوة المجتمع الدولي والهيئات الدولية المختصة بتشجيع العودة الامنة والكريمة والممرحلة للاجئين والنازحين السوريين الى المناطق التي توقف فيها القتال”( فقرة اقترحتها الجمهورية اللبنانية مرفوعة الى الاجتماع الوزاري المشترك).

وطالب ممثلو السعودية ومصر والأردن والبحرين بادخال عبارة العودة الطوعية عندما تسمح الظروف والبعض طلب ربطها بالحل السياسي.

لكن باسيل دافع بشدة عن اقتراح لبنان وقال إنه ليس ممكناً ان تكون القمة في بيروت ولا تكون هناك إشارة الى موضوع النازحين في بلد خمسون في المئة من سكانه باتوا من النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين. ولاحظ انه في المنتديات الدولية نشهد تقدماً في مقاربة الدول العربية هذا الموضوع، خصوصاً ان بينها دولاً معنية.

وطلب ممثل السعودية ترحيل هذا البند الى القمة العربية المقبلة المقرر عقدها في تونس، فحصل نقاش انتهى باقتراح من باسيل أن تطرح هذه النقطة بصيغة يتم الاتفاق عليها في اللقاءات الثنائية بين ليل الجمعة ويوم السبت. مع الإشارة الى ان باسيل ابلغ المؤتمرين ان البيان الختامي سيتضمن إشارة واضحة الى قضية النازحين واهمية عودتهم الى أرضهم.

أي مقررات ؟

وسط هذه الاجواء أعربت مصادر متابعة لمجريات القمة لـ”النهار” عن أسفها الشديد لمستوى التمثيل الذي بلغته الوفود المشاركة، خصوصاً بعدما اتت موافقات مسبقة على الحضور الشخصي من ثمانية رؤساء وقادة دول عربية. الا أنها رأت ان المهم في انعقاد القمة سيكون ما سيصدر عنها من مقررات حتى لو كان مستوى الحضور الامر المهم الذي طغى عليها والذي لا يمكن اغفاله. فالقرارات في النتيجة تلزم الدول العربية، خصوصاً أن كل رئيس دولة كلف وفداً تمثيله وبمجرد موافقته على القرارات تصبح ملزمة للدولة. وعن اسباب تحول القمة الى اجتماع برؤساء ثلاثة فقط من أصل 21، قالت المصادر انه من باب تأكيد المؤكد ان ما جرى في موضوع مشاركة الوفد الليبي وانزال علم ليبيا هو الذي أثر سلباً، واشارت الى ان رئيس حكومة الوفاق الليبي اتصل بعدد من القادة العرب وطلب منهم التضامن معه بسبب اهانة بلاده.

ومع ان رئيس مجلس النواب نبيه بري كان في رأس لائحة المدعوين الـ400 الى افتتاح القمة غداً، الا انه ابلغ كتلته منذ الاربعاء الماضي انه سيعتذر عن الحضور ويترك لنواب الكتلة حرية الحضور أو عدمه. وأكد وزير المال علي حسن خليل انه يشارك في القمة في عداد الوفد الرسمي اللبناني كما هو مقرر.

أما رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري فرد على سؤال تلفزيوني مساء أمس عن التمثيل العربي في القمة، فقال إن “المهم أن القمة حصلت وأي وفد حاضر يمثل دولته”، وتوقّع أن “تحقق القمة نتائج إيجابية وانعقادها في لبنان أمر جيد جداً”. وأضاف: “بغض النظر عن الحضور النجاح هو في عقد هذه القمة لأن الهدف كان عدم عقدها”.

وكان الوزير باسيل دعا في الاجتماع الوزاري العرب الى احتضان لبنان، وقال: “احتضنوه ولا تتركوه، فهو لم يطعن يوماً أحداً منكم ولم يعتد يوماً على أي مواطن عربي، بل كان ملجأً وحامياً وحافظاً لشعوبكم ومعمّراً لبلدانكم، ومستوعباً لتنوّع حضاراتكم وثقافاتكم ويبقى دوماً واحة المحبة لكم والضيافة بكم والتهليل لكم ولقدومكم”. وأضاف: “كم جميل ان نخرج بخطّة اعادة النازحين واللاجئين الى ارضهم، بمعزل عن رغبة من هجّرهم، لأن من هجَّرَهم يريد ابقاءَهم، اما نحن المستقبلين لهم فنريد عودتهم الكريمة ولا أحد يمكن ان يمنعنا من ذلك اذا جعلناها كريمةً لهم، ومفيدة لاقتصاد بلدانهم (…) ان هذا كلّه لا يمكن ان يكون ان تركنا فجواتٍ في داخلنا، وسوريا هي الفجوة الاكبر اليوم في مؤتمرنا، ونشعر بثقل فراغها بدل ان نشعر بخفّة وجودها. سوريا يجب ان تعود الينا لنوقف الخسارةَ عن أنفسِنا، قبل ان نوقفها عنها. سوريا يجب ان تكون في حضننا بدل ان نرميها في احضان الارهاب، دون ان ننتظر اذناً او سماحاً بعودتها، كي لا نسجّل على انفسنا عاراً تاريخياً بتعليق عضويتها بأمرٍ خارجي وباعادتها باذنٍ خارجي”.

مصر والحكومة

وكانت القمة والاوضاع الداخلية والاقليمية محور لقاء الرئيس الحريري ووزير الخارجية المصري سامح شكري في “بيت الوسط”. وصرح شكري بأنه أكد “موقف مصر الداعم لأمن لبنان واستقراره ولتشكيل حكومة وفاق لبنانية في أسرع ما يمكن، ليس لأن ذلك مطلب خارجي، بل لأنه يحقق مصلحة لبنان واللبنانيين أولا. ومن جانب آخر، هناك مسؤولية على لبنان أن يساهم في استقرار المنطقة العربية، وهذا عبر تحقيق الاستقرار في لبنان، وهو أمر لا يتحقق إلا بتشكيل حكومته ودعم مؤسسات الدولة واضطلاعها بمسؤولياتها كاملة. وقد ثمنت الجهود المتواصلة لدولة الرئيس، على مدى الأشهر لتحقيق هذه الغاية”.

والتقى الحريري لاحقاً أبو الغيط الذي اطلعه على مجريات الاجتماعات الجارية وقال ابو الغيط عن الوضع في لبنان: “إنها أزمة مضى عليها بعض الوقت، لكني أعتقد أن اللبنانيين أنفسهم قادرون على التوصل إلى تسوية مرضية تحقق المصلحة لهذا البلد، الذي أسميه دائما البلد المتحضر والأنيق بالفعل. وأتصور أن الوصول إلى تشكيل الحكومة وإطلاق لبنان لطاقاته سوف يؤكد الاستقرار، وهو المسعى الذي ينبغي أن نعمل جميعاً من أجله”. وسئل: هل لمستم تطوراً في هذا المجال من خلال لقاءاتكم اليوم؟ فأجاب: “هناك إحساس بأننا نقترب من نهاية هذا الوضع”.

ويشار الى انه تقام في مطار رفيق الحريري الدولي مراسم استقبال رسمي لوصول رؤساء الوفود العربية المشاركة في القمة، طوال اليوم السبت، بحيث يستقبل رئيس الجمهورية العماد عون الرئيسين الموريتاني والصومالي، أما رؤساء الوزراء فيستقبلهم الرئيس الحريري ويستقبل الوزراء اللبنانيون نظراءهم العرب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*