القلق الفرنسي “الكبير” على لبنان… لماذا تصاعد فجأة؟

  • احمد عياش
  • المصدر: “النهار”
  • 7 تشرين الأول 2019 | 15:19

ترتسم على وجوه زوّار #باريس عادوا للتوّ من العاصمة الفرنسية بعد اتصالات مع مصادر ديبلوماسية وصفوها بـ”المهمة”، ابتسامة مشوبة بالألم لدى سؤالهم عن حقيقة الموقف الرسمي الفرنسي من الجدل الذي تصاعد في بيروت أخيراً على خلفية ما ذُكر عن مواقف سمعها الرئيس إيمانويل ماكرون من رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري، وتضمنت إشارات سلبية أثارت حفيظة الدوائر المحيطة برئيس الجمهورية ميشال عون. ويعلِّق هؤلاء على هذا الامر بعبارة مقتضبة: “المسؤولون في لبنان هم في أحسن الاحوال، أهل بيزنطية يتجادلون حول جنس الملائكة!”.

ما هي خلفية هذا الرد لهؤلاء الزوار الذين تحدثت إليهم “النهار” واستطلعتهم حول عدد من الملفات تتصل بالعلاقات اللبنانية – الفرنسية، وفي مقدمها ملف مؤتمر “سيدر” الذي يكاد يتحول الى قصة إبريق الزيت الشهيرة؟

بداية، يقول هؤلاء الزوار إن ما هو مثير للتساؤل إن ما نُقل من كلام سمعه الرئيس الفرنسي من رئيس الحكومة اللبنانية، جرى وصفه داخلياً بأنه “مسيء” لإدارة رئيس الجمهورية، أنه حتى الآن لم يصدر محضر عن دوائر الرئاسة الفرنسية حول لقاء ماكرون – الحريري، والسبب يعود الى أن هذا اللقاء كان محصوراً بين الرجلين فقط. ولهذا، لا تعلم الدوائر الديبلوماسية حتى الآن ما دار في هذا اللقاء، جرياً على العادة في الاجتماعات الرسمية للرئيس الفرنسي. ويجزم زوار باريس بأن كل ما قيل في بيروت عما دار في لقاء الاليزيه هو من نسج الخيال، ولذلك فإن “ما بُنيَ على خيال هو خيال”.

وحول اللقاء الذي جمع الرئيس ماكرون والرئيس عون على هامش أعمال الجمعية العمومية للامم المتحدة الشهر الماضي في نيويورك، قالت هذه المصادر لـ”النهار” انه جرى ترتيب انعقاده قبل وقت طويل، ما سمح بإدراجه على جدول أعمال الرئيسين. واوضحت ان هذا الترتيب سمح بعدم تكرار ما حصل في نيويورك العام الماضي حيث لم يتم اللقاء بسبب تأخر الترتيبات، وجاء طلب اللقاء من بيروت بعدما كان جدول الرئيس الفرنسي مزدحماً. وفي هذا السياق، لفتت المصادر الى ان الدعوة التي وجهها الجانب اللبناني الى الجانب الفرنسي للمشاركة في احتفالات المئوية الاولى لقيام لبنان الكبير السنة المقبلة، تعني ان لا زيارة رسمية مقررة لماكرون الى لبنان قبل سنة 2020 موعد المئوية.

ماذا عن ملف مؤتمر #سيدر الذي تحرص فرنسا على العناية به الى “أقصى الحدود” وفق وصف المصادر؟

في أحدث المعلومات التي توافرت لـ”النهار” حول هذا الملف ان اللقاء الاول للجنة متابعة تنفيذ الآلية الخاصة، والذي يتميّز بطابع دولي، ستستضيفه باريس الشهر المقبل. وكان من المتوقع ان يقوم وزير الخارجية جان – إيف لودريان بزيارة رسمية

الى لبنان هذا الشهر، لكن الموعد لم يحدد بعد وسط مراجعة تجري في الخارجية الفرنسية حول جدوى هذه الزيارة إذا لم يتم لبنانياً إحراز خطوات ملموسة تتصل بتنفيذ التعهدات التي التزمتها السلطات اللبنانية في المؤتمر العام الماضي، وخصوصاً الاصلاحات الجوهرية التي تؤدي الى بدء معالجة مشكلة الدَّين العام وربطاً بها ملف #الكهرباء الذي يقع على رأس اولويات هذه الاصلاحات.

وفي شأن ما تردد عن عقبات تحول دون استفادة لبنان من عرض الـ400 مليون دولار الذي تعهدته باريس في مؤتمر “روما – 2″، خصوصا ما قيل عن انتقال العرض الى إيطاليا، تؤكد المصادر ان لا صحة إطلاقاً لهذه الاقاويل. وإذ أشارت الى ان العرض الفرنسي الذي يتضمن تسهيلات مهمة لتزويد الجيش الاسلحة، لاسيما سلاح البحرية، فإنها تشمل إيضا تزويد القوى الامنية السلاح والعتاد. ونوهت بتوقيع رسالة رسمية بين الجانبين للمضي قدماً بالاستفادة من العرض الفرنسي.

بعد عرض هذه المعطيات، تصل المصادر الى الحديث عن القلق الفرنسي الكبير الذي ظهر فجأة حيال لبنان. وتقول في هذا الصدد: “عندما وقع حادث الطائرتين المسيّرتين في الضاحية الجنوبية لبيروت، ظهر موقف رسمي لبناني واحد يعتبر ان الحادث يمثل انتهاكاً للسيادة اللبنانية، متضمناً تفويضاً غير مباشر لحزب الله للرد على إسرائيل، علماً انه حتى الآن لا يزال الغموض يحيط بهذا الحادث، ولم يجر أي تحقيق رسمي يتضمن معطيات ما جرى في الضاحية الجنوبية في آب الماضي”. وتتابع المصادر: “قبل يوم من قيام الحزب بتنفيذ العملية العسكرية من مارون الراس على الحدود الجنوبية في اتجاه موقع عسكري إسرائيلي على الجانب الآخر من الحدود، إتصل السفير الفرنسي في لبنان برونو فوشيه لدى وجوده في باريس بشخص يمثل حزب الله في الاتصالات الثنائية ليشجعه على عدم التصعيد وضبط النفس وعدم الاستخفاف بالرد الاسرائيلي على أي عمل عسكري من جانب الحزب، فجاءه الرد من هذا الشخص انه لا داعي للخوف من حصول رد الحزب”. وبالفعل جاء الرد في اليوم التالي. لكن ما هو مثير للاستغراب، توضح المصادر، ان الحزب أصدر بيانا جاء فيه ان عملية مارون الراس هي انتقام لمقتل عنصرين للحزب في سوريا قبل حادث الضاحية. وهكذا حصل الحزب على تغطية رسمية على أعلى مستوى للقيام بردّ على حادث لم يقع في لبنان، ما يعني ان المؤسسات اللبنانية بما فيها الجيش سقطت في التزاماتها كممثلة شرعية ووحيدة للدولة اللبنانية. وتضيف المصادر: “للمرة الاولى تشعر باريس بالقلق الشديد على لبنان وتخشى من نتائج مأسوية لما جرى بعدما أصبحت بيد إسرائيل ورقة ستستخدمها عند الحاجة لإلحاق الاذية بلبنان وسط تفهّم جهات دولية وازنة بأن القرار في لبنان هو لحزب الله، فيما القرار الرسمي على أعلى المستويات هو لتغطية قرار هذا التنظيم”.

هل مَن يقرأ القلق الفرنسي ويستدرك التبعات قبل فوات الأوان؟

ahmad.ayash@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*