القطاع المصرفي اللبناني صلب وقوي

تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مرحلة ضعف إقتصادي نتيجة تداعيات الحروب في المنطقة، بالاضافة الى ما يتحمله الاقتصاد العالمي من جراء الحرب التجارية الدائرة في أكبر قوتين إقتصاديتين في العالم، الولايات المتحدة والصين وإنعكاسها على الاقتصادات الناشئة، ليخرج صندوق النقد الدولي مرة جديدة محذراً الدولتين بسبب خلافاتهما التجارية وما تشكله من مخاطر حيال الانتعاش الاقتصادي العالمي المتوقع في النصف الثاني من سنة 2019.

وبالفعل، خفّض صندوق النقد الدولي توقعات النمو في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مع ازدياد حدّة الركود في الاقتصاد الإيراني بسبب العقوبات الأميركية وضعف أسعار النفط. وفي تقرير آفاق الاقتصاد العالمي لشهر نيسان، توقع الصندوق أن ينمو اقتصاد المنطقة بنسبة 1,3% أي أقل بـ 0,9% من التوقعات السابقة في كانون الأول الماضي، كما توقع أن يتعافى اقتصاد منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا في سنة 2020 لينمو بنسبة 3,2%. وأكد الصندوق أن “توقعات المنطقة تتأثر بعوامل عدة، بما في ذلك تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي للنفط في السعودية والعقوبات الأميركية على إيران والتوترات والنزاعات الأهلية، اضافة إلى إقتصادات اخرى بما في ذلك العراق وسوريا واليمن”. وكان الصندوق قد خفّض الشهر الماضي توقعاته للنمو العالمي لسنة 2019 إلى 3,3%، مشيراً إلى تباطؤ متزامن يؤثر على ما نسبته 70% من الاقتصاد العالمي. لكن بفضل هدنة طويلة بين أول قوتين اقتصاديتين عالميتين والأمل في تحقيق اتفاق، توقع الصندوق انتعاشاً في النصف الثاني، وكان ذلك قبل أن يعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن بكين عادت عن التزاماتها، ويقرر في العاشر من أيار مضاعفة الرسوم الجمركية على سلع من العملاق الآسيوي بقيمة 200 مليار دولار، ليعيد ويشعل الحرب التجارية من جديد بين البلدين.

لبنانياً…

خَفَّضَ صندوق النقد الدولي تقديراته لنسَب النموّ الإقتصادي الحقيقي للبنان إلى 0,2% لعام 2018 مقارنةً بـ 1,0% كانت مُتَوَقَّعة في تقرير صدر في شهر تشرين الأوّل 2018 و1,3% لسنة 2019 مقارنةً بـ 1,4%. ولَفَتَ تقرير أصدره صندوق النقد إلى تزايد خدمة الدين والظروف الماليّة الصعبة، والتي تشكّل عوائق أساسيّة للنشاط الإقتصادي. إلّا أنّ التقرير توقَّعَ أن تتحسَّن نسبة النموّ الإقتصادي الحقيقي في لبنان إلى 2,0% في سنة 2020 و 3,3% مع حلول 2024.

بالتوازي، ترقَّبَ التقرير أن يشهد لبنان تفاقماً في عجز الحساب الجاري خلال الفترة المقبلة من 27,0% من الناتج المحلّي الإجمالي في العام 2018 إلى 28,2% في 2019 و28,4% في 2020، لتعود وتتقلَّص هذه النسبة إلى 22,1% في 2024. وقد رَجَّحَ صندوق النقد أن ينخفض متوسّط نسبة التضخّم السنوي في لبنان من 4,0% في 2018 إلى 2,2% في 2019، قبل أن يرتفع إلى 2,4% في 2020.

اليوم، كل الرهان في لبنان هو لإنجاح الخطة الاصلاحية التي يتم العمل عليها لتأمين التصحيح المالي الذي يتطلب خفض عجز الموازنة الى مستويات مقبولة تعهدت الحكومة التوصل اليها في موازنة 2019، وتقارب نسبة 7,5% من خلال تقليص الإنفاق العام وزيادة الإيرادات، أي بانخفاض ملموس عن نسبة العجز إلى الناتج التي سُجلت فعلياً في العام 2018 والتي تتعدّى 11%. مع الإشارة إلى أن نسبة العجز إلى الناتج، تشهد تراجعاً بنسبة 1% مقارنة بتلك المسجلة في قانون موازنة 2018. عليه، فإن موازنة 2019 تفي بالالتزام السنوي الأول للحكومة في مؤتمر “سيدر” والذي يستلزم في الإجمال تخفيض العجز إلى الناتج بنسبة 5% خلال فترة خمس سنوات. هذا وتوصي العديد من المؤسسات والتقارير الاقتصادية والمالية ايضاً، بضرورة العمل على إعادة هيكلة القطاع العام وخفض حجمه وترشيد إنفاقه وتحديثه لزيادة فعاليته، وخفض منسوب الهدر فيه، ومكافحة الفساد، وتحسين الجباية.

الوضع المصرفي

على الصعيد المصرفي، سلك تطوّر المجاميع المصرفيّة في الفصل الأوّل من 2019 المنحى ذاته الذي سلكه الاقتصاد اللبناني الذي شهد مزيداً من الضغوط في اول 5 اشهر من السنة الجارية والذي انعكس تباطؤاً متزايداً في أداء الاقتصاد الحقيقي الذي أصبح بحاجة ملحة الى ضخّ رساميل جديدة. فالحصول على تمويل محلي من المصارف اللبنانية زاد صعوبةً، فيما وصلت نسبة القروض المصرفية للقطاع الخاص الى ما يقارب 110% من إجمالي الناتج المحلي. وتؤكد كل التقارير سلامة ومتانة القطاع المصرفي في لبنان، وقد أصدرت وكالات التصنيف تقارير تفيد بأن النظرة للقطاع المصرفي في لبنان مستقرة، فيما تبقى الليرة اللبنانية ركيزة الثقة للإقتصاد والقطاع المالي والمصرفي رغم كل الشائعات التي طاولتها خلال الفترة الماضية. فالعملة الوطنية مدعومة بإحتياطات قياسية لدى مصرف لبنان وعمليات ماليات تحافظ على الاستقرار النقدي وتحمي الاسواق من أي خضّات غير منتظرة، وهذا ما تؤكد في الاسابيع الماضي رغم كل ما حكي عن إنهيار الليرة وغيرها من الشائعات المغرضة. فمصرف لبنان ملتزم بالإبقاء على سياسته الهادفة إلى استقرار سعر الصرف بين الليرة والدولار، ويؤكّد أن لديه القدرة على تحقيق هذا الهدف الذي بات مطلباً وطنياً.

المصارف اللبنانية

أظهرت إحصاءات مصرف لبنان إرتفاعاً بنسبة 1,31% اي بقيمة 4.926 مليارات دولار في الميزانية المجمعة للمصارف التجارية العاملة في لبنان خلال الفصل الاول من السنة الجارية الى 381,023 مليار ليرة اي ما قيمته 252.75 مليار دولار، مقارنة بـ 376,096 مليار ليرة اي نحو 249,48 مليار دولار في نهاية العام السابق. أما على صعيد سنوي، فقد زادت موجودات القطاع المصرفي اللبنانية بنسبة 12,55% مقارنة بما قيمته 338,539 مليار ليرة اي 224,57 مليار دولار خلال شهر آذار من العام 2018. ونمت ودائع القطاع الخاص بمعدل 0,8% إلى أكثر من 172,5 مليار دولار، لكن القروض الممنوحة إلى القطاع الخاص تراجعت 2,9% لتصل إلى 57,3 مليار دولار للفترة ذاتها. ولا يزال معدل الدولرة مرتفعاً في الاقتصاد الوطني، حيث يبلغ حالياً 69,7% على صعيد الإقراض الخاص، و70,6% على صعيد الإيداع الخاص.

القروض المدعومة

أما مصرف لبنان، فقد أطلق رزماً جديدة من القروض المدعومة موزعة كالآتي: 500 مليون دولار للقطاعات الإنتاجية وقروض سكنية بالليرة اللبنانية بقيمة 220 مليون دولار، وللسنة الثانية على التوالي خصّص مصرف لبنان للبنانيين المقيمين في الخارج قروضاً بلغ مجموعها هذه السنة 100 مليون دولار. وبفضل مبادرة رئيس مجلس الوزراء ومجلس الإنماء والاعمار، قدّم الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والإجتماعي لمصرف الإسكان قرضاً بالدينار الكويتي قيمته 50 مليون دينار كويتي، اي ما يعادل 165 مليون دولار اميركي، يوضع لدى مصرف لبنان لتعزيز موجوداته بالعملة الاجنبية وتوفير كلفة الدعم، لأن هذا القرض مدعوم من المنشأ، وسيعطي مصرف لبنان مصرف الاسكان ما يعادل قيمة القرض بالعملة اللبنانية لاعطاء قروض للذين تقدموا بطلبات الى المصرف، على ان تكون فائدة القرض بحدود 5,5% ومدة التسديد 30 سنة.

وبالتالي، أصبح مجموع الأموال المتاحة لتمويل القروض السكنية يتراوح ما بين 450 و500 مليون دولار لهذه السنة، بغضّ النظر عن العمليات المتعلقة بالإسكان والتي أطلقها بعض المصارف. ومن المفترض أن تساهم هذه الرزمة التي بلغت قيمتها مليار دولار في نموّ الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1,5 في المئة سنة 2019 إستناداً الى أرقام مصرف لبنان، وهو ما يساهم حكماً في خفض كلفة التمويل من خلال التراجع المنتظر لمستويات الفوائد.

منصة التداول الإلكترونية

على خط مواز، أحرزت هيئة الأسواق المالية تقدماً ملحوظاً في ما يخصّ عملية إطلاق منصة التداول الإلكترونية، ويفترض أن يُمنح ترخيصٌ بتشغيل هذه المنصة خلال الايام المقبلة مما يساهم حتماً في تأمين المزيد من السيولة للقطاع الخاص. هذا وتُدرّج في هذه المنصة الإلكترونية أسهم الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم وسندات دين القطاع الخاص، ليتمّ التداول بها في سوق ثانوية تمتاز بسيولتها ويمكن الوصول إليها من لبنان ومن الخارج، كما يمكن أيضاً التداول بأسهم الصناديق العقارية التي أصدرها مصرف لبنان. هذه الصناديق العقارية تساهم في تصفية مخزون الشقق غير المُباعة، ما يؤمن سيولة يتمّ استخدامها في أسواق التسليف.

إقتصاد المعرفة

يواصل مصرف لبنان دعمه اقتصاد المعرفة الرقمية، من خلال تقديم ضمانات للمصارف التي تموّل أصحاب المبادرات في هذا المجال. حتى الآن تمّ استثمار ما مجموعه 250 مليون دولار في اقتصاد المعرفة فيما يبقى متاحاً للإستثمار في هذا القطاع ما قيمته 250 مليون دولار .

تصنيف لبنان ورسملة المصارف

خفضت بعض وكالات التصنيف الائتماني تصنيف لبنان نتيحة الأوضاع المالية الدقيقة التي يمر فيها، بالاضافة الى تخفيض تصنيف بعض مصارفه الكبرى لتعرضها للدين العام اللبناني، ولكن مصرف لبنان إستبق الأمور وعزّز رسملة المصارف التجارية. فبفضل الهندسات المالية التي أجراها عام 2016 سجلت نسبة الملاءة لدى المصارف اللبنانية ما نسبته 16%، وتمكنت هذه المصارف من تطبيق المعيار الدولي للتقارير المالية، مما حماها من تداعيات تخفيض تصنيف السيادي للبنان من دون أن تتأثر قدراتها التسليفية.

لبنان ممتثل للتشريعات الدولية

تستند الحوكمة في لبنان وفي قطاعه المصارفي والمالي الى ركائز اسست لها قوانين وتشريعات أقرتها الحكومة ومجلس النواب وتعاميم من مصرف لبنان، سمحت كلها للبنان بأن يكون ممتثلاً من حيث مكافحة تبييض الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب. وكانت لهيئة التحقيق عمليات لتقييم مدى امتثال المصارف وجهوزيتها لمواكبة القوانين والتعاميم ومدى تطويرها لأنظمة معلوماتية لدى المصارف لمكافحة الأموال غير الشرعية، ومنعها من دخول القطاع المصرفي، مما رفع مستوى امتثال المصارف اللبنانية. وقد طالبت تعاميم مصرف لبنان المصارف بأن تكون لها وحدة امتثال مستقلة واحدة للمركز واخرى للفروع، وأن يكون في مجلس الإدارة اعضاء يهتمون فقط في عمليات الامتثال. وقام مصرف لبنان بإنشاء وحدة امتثال لديه بغية متابعة كل العمليات المالية الخاصة بالمصرف المركزي، ونظّم دورات منها مع المصرف الفيديرالي الأميركي وبمشاركة مصرفيين من العالم العربي ولبنان من اجل التوعية على الحوكمة والامتثال. مستوى الامتثال اشادت به الادارات المصارف المراسلة في الولايات المتحدة والسلطات المالية الامركية، وهو ما تمّ تأكيد خلال زيارة وفد جمعية المصارف في الأسابيع الماضية إلى نيويورك وواشنطن في الولايات المتحدة الأميركية.

هذا الوفد ترأسه رئيس الجمعية جوزف طربيه وضمَّ في عضويته نائب رئيس الجمعية سعد أزهري وأعضاء مجلس الإدارة نديم القصّار، شهدان جبيلي، إضافة إلى الأمين العام الدكتور مكرم صادر. فزار واشنطن حيث عقد اجتماعات عمل مع بعض كبار المسؤولين في وزارة الخزانة الاميركية ووزارة الخارجية المعنيين بالشأن المصرفي والمالي. كما التقى الوفد أعضاء في مجلس النواب الأميركي بالإضافة إلى أعضاء بارزين في لجنتي الخدمات المالية والشؤون الخارجية ومكافحة الإرهاب في الكونغرس الأميركي، وبعضهم من أصل لبناني. وعقد لقاءات مع مسؤولين تنفيذيين ومع مدراء الالتزام والتحقق في المصارف الأميركية المراسلة – بنك أوف نيويورك، سيتي بنك، جي.بي.مورغن، وستاندرد تشارترد بنك. وجرى التأكيد خلال هذه الاجتماعات على صوابية النموذج المصرفي اللبناني الذي يُقيم توازناً إيجابياً بين العمل التجاري وجديّة تطبيق القواعد المصرفية المتعارف عليها دولياً.

وأثنى المسؤولون المصرفيون الأميركيون الذين التقاهم الوفد على مهنية المصارف اللبنانية في تعاملها مع المصارف المراسلة الأميركية، وعلى متانة العلاقة واستمراريتها ونجاحها. وأكَّد كل المسؤولين الأميركيين خلال هذه اللقاءات، دعم لبنان وتقوية دوره كنموذج في المنطقة. وركّزوا كذلك على أهمية القطاع المصرفي اللبناني كونه يشكِّل مع الجيش اللبناني عنصرَيْ استقرار البلد، ومن الضروري المحافظة عليهما مع تقديم كل الدعم اللازم على هذا الصعيد.

وكرّر الرسميّون الإشادة بدور القطاع المصرفي الرائد لجهة حُسنْ احترامه للقواعد المصرفية العالمية، ومنها تلك المتعلّقة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. من جانبه، تمنّى الوفد المصرفي اللبناني على مختلف هذه الجهات الأميركية الرسمية أن لا يكون لأيّ إجراء عقابي محتمل أيّ تأثير سلبي على القطاع وعلى البلد ككل، تأكيداً للموقف الرسمي الأميركي الحريص على استقرار لبنان واستمرار نجاح القطاع المصرفي فيه. وقد قوبل هذا الطرح بإيجابية من الجهات الرسمية الأميركية.

وبالفعل، يبقى لبنان، بفضل نظام الإمتثال المطبق لديه وإلتزامه التبادل التلقائي للمعلومات لغايات ضريبية بهدف مكافحة التهرّب الضريبي، هو بلد أهلٌ للإستفادة من تمويل مؤسسات دولية كهذه أو من تمويل الجهات المشاركة في مؤتمر “سيدر”.

لعرض كامل الملحق الخاص بالمنتجات المصرفية 2019

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*