الرئيسية / مقالات / القضاء ودولة القانون

القضاء ودولة القانون

 الرئيسية/
مقالاتنا/
https://cstdleb.org/?p=1470
23012020

في أواخر العام 1992، عندما عُينت وزيراً للعدل، كان مشهد الخراب في قصر العدل في بيروت محزناً ومؤلماً.

قال الرئيس الاول لمحكمة التمييز آنذاك، الرئيس فيليب خير الله ، في وصف هذا المشهد :

“دخلت الى قصر العدل، بعد انتهاء المعارك، على الأنقاض وبين الأوساخ والقذارة، لا زجاج، لا أبواب ولا جدران في بعض الأماكن، فسعى كل منا الى مكان يسند اليه ملفاته واوراقه والى بقايا كرسي يجلس عليه..”

أما مؤسسة القضاء فلئن صح بأنها صمدت خلال الاحداث وبقيت موحدة، الا انها خرجت بعد سنوات المحنة منهكة معنوياً ومادياً. ذلك ان تلاشي مبدأ سيادة القانون كان وراء الشعور العميق بالإحباط الذي أصاب الجسم القضائي. ليس ثمة معاناة لأهل القانون تفوق غياب القانون، اذ عندها، يتساءل هؤلاء عن الدور الذي بقي لهم، وسط حالة الفوضى وانعدام الضوابط. ولعل أشدهم ألماً ومعاناة، في ظل شريعة الغاب، هو القاضي الذي يعود له إحقاق الحق وتطبيق القانون.

يضاف الى ذلك المستوى الذي بلغته مخصصات القاضي نتيجة تدني قيمة العملة الوطنية – ما ادى الى النزف الناجم عن استقالة العديد من القضاة، وتأهب البعض الآخر لمغادرة السلك على مضض.

ازاء هذا الوضع كان لا بد من التحرك، وبسرعة، على صعيد ترميم قصور العدل أولاً واعادة تأهيلها وتجهيزها، وفي الوقت ذاته لمعالجة وضع القضاء من اجل الحفاظ على عناصره الجيدة واستقطاب عناصر جديدة.

إنطلاقاً من أن القضاء، في الدستور اللبناني، سلطة من السلطات الثلاث، وبالتالي ان القاضي ليس موظفاً بل انه يمارس سلطة كما النائب والوزير، تقرر أمران في غاية الاهمية:

– فصل سلسلة رتب ورواتب القضاة عن سلسلة موظفي الدولة مع اعادة النظر في رواتب القضاة وتدرجهم بحيث اصبح راتب الرئيس الاول معادلاً لمخصصات الوزير في حينه.

– تخصيص صندوق تعاضد القضاة بموارد ثابتة، منها مساهمة الدولة بمبالغ كبيرة تسمح للصندوق بأن يوفر للقاضي وعائلته الطبابة والاستشفاء ويؤمن تعليم اولاده حتى انتهاء المرحلة الجامعية.

وقد أدى ذلك الى تعزيز ثقة القضاء بنفسه والى شعور القاضي بأنه حقاً سلطة. إلا ان ذلك ليس كافياً لضمان “استقلالية القضاء ، وهي بالدرجة الاولى، استقلال بالنسبة للسلطة التنفيذية، يضعه بمنأى عن ضغوطها ومداخلاتها في كل ما يتعلق بشؤون القضاء.

ان تأمين هذه الاستقلالية هي شرط اساسي لقيام دولة القانون.

دولة القانون، في المفهوم المتداول لهذه التسمية، هي دولة تحكمها القوانين، لا مشيئة الحاكم، فتنظم عمل السلطات على أساس الفصل فيما بينها للحؤول دون تجميعها في يد واحدة، وتنظم علاقة السلطة بالمواطن وتُخضع الجميع الى قواعد تراعي حقوق الانسان الاساسية وتحترمها.

إلا ان الأهم في دولة القانون هو ان يكون ثمة قضاء ، نزيه وموثوق ومستقل، يضمن حسن تطبيق القوانين ويصون الحقوق والحريات ويحول دون وقوع الظلم بالمواطن.

لذلك، فإن صيانة القضاء من تدخل السياسة كان، وسيبقى، الشغل الشاغل في لبنان، كما في العديد من الدول. وقد طُرحت في لبنان أفكار عديدة واقتراحات قوانين تحقيقاً لهذا الغرض، منها المشروع الذي بات يُعرف بمشروع “السلطة القضائية المستقلة”. ان هذا المشروع يلحظ ضم القضاء العدلي والقضاء الاداري وديوان المحاسبة تحت مظلة واحدة، واعطاء هذه المرجعية الجديدة،

المنتخبة من القضاة انفسهم، صلاحية تعيين القضاة بالإضافة الى المساعدين القضائيين والكتبة والمباشرين، والاشراف على اعمالهم.

من أجل تقييم اية خطوة إصلاحية في القضاء، لا بد من الملاحظة بداية ان الدستور اللبناني ارتقى بالقضاء الى مصاف السلطة، اسوة بالسلطتين التشريعية والاجرائية، خلافاً للعديد من الدول الراقية التي ما تزال حتى اليوم لا تقر للقضاء بهذه الصفة.

ثم ان قوانين عديدة نظمت شأن القضاء، فأعطت المرجعيات القضائية صلاحية الموافقة على تعيين القضاة، ونقلهم وانتدابهم، كما ساوت في الضمانات بين قضاة الحكم وقضاة النيابة العامة. هذا في حين ان مجلس القضاء الاعلى في دولة كفرنسا ، نستوحي عادة من تشريعاتها، كان حتى الامس القريب، يرأسه رئيس الجمهورية وعند غيابه وزير العدل ، وان قضاة النيابة العامة هناك ما زالوا يفتقرون الى الحصانات والضمانات التي يتمتع بها زملاؤهم من القضاة العدليين.

ان المطلوب اليوم هو إقامة التوازن بين السلطة القضائية والسلطتين التشريعية والاجرائية، وهو ما نص عليه الدستور، والابقاء على التعاون بين هذه السلطات، وعدم دفع القضاء الى ان يتقوقع على نفسه ويقطع كل صلة له بالسلطات الاخرى.

وفي اعتقادي ان دمج ديوان المحاسبة، وهو هيئة رقابية وقضائية في آن معاً، مع القضائين العدلي والاداري في بوتقة واحدة لا مبرر له، ولا فائدة منه في ابعاد السياسة عن القضاء.

أما اقتراح تسليم شؤون الموظفين الى القضاة أنفسهم، فهو يُغفل ما يقتضيه القيام بمثل هذه المهام من جهد ووقت اذ يؤدي، في حال الاخذ به، الى إغراق القضاة في أمور إدارية لا علاقة لها باستقلالية القضاء، تصرفهم عن مهمتهم الاساسية وهي إحقاق الحق والبت في النزاعات المطروحة عليهم.

كيف يمكن تعزيز استقلالية القضاء عن السلطة السياسية ؟

نصت وثيقة الوفاق الوطني (اتفاق الطائف) تحت باب الإصلاحات في المحاكم، وتدعيماً لإستقلالية القضاء، على انتخاب عدد معين من أعضاء مجلس القضاء الأعلى من قبل الجسم القضائي.

عند البحث مع اعضاء مجلس القضاء الاعلى في تطبيق هذا النص، تم التوافق في حينه على اعتماد اسلوب الانتخاب خطوة خطوة، باعتبار انها المرة الاولى التي يتم فيها التعيين بهذه الطريقة ، على ان يُبدأ بإنتخاب اثنين من قضاة محكمة التمييز من قبل اقرانهم. تقرر ذلك بالفعل منذ العام 2002 وتمشى الامر عليه حتى الآن. وقد اثبتت التجربة نجاحها بالممارسة، وبات من الضروري، في رأيي ، تعميم هذه الطريقة في التعيين على اعضاء المجلس السبعة، أي باستثناء الأعضاء الثلاثة (رئيس المجلس، مدعي عام التمييز ورئيس التفتيش القضائي) الذين نص القانون على تعيينهم بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بأكثرية الثلثين.

يجهل كثيرون من خارج القضاء ان تعيين القضاة يتم في لبنان وفق آلية يتولاها، في جميع مراحلها، القضاة أنفسهم.

وبالفعل ، فإن مباراة الدخول الى معهد الدروس القضائية كقضاة متدرجين يجريها مجلس القضاء الاعلى. أما المعهد الذي يؤمِّن تهيئة القضاة المتدرجين لتولي العمل القضائي، فيرأسه ويشرف على اعماله قاض، كما يدير الدروس فيه قاض. وبنهاية مدة التدرج يعلن مجلس القضاء الاعلى اهلية القاضي المتدرج للإنتقال الى القضاء الاصيل ويعين هؤلاء بمرسوم يتخذ بناء على اقتراح وزير العدل.

لذلك فإن الكلام الذي يتردد عن ان السلطة الاجرائية هي التي تعيِّن القضاة ، لأن التعيين يتم بمرسوم جمهوري، يفتقر الى الدقة اذ انه لا يمكن تعيين أي قاض في لبنان الا بموافقة مجلس القضاء الاعلى.

كذلك بالنسبة للإستقرار الوظيفي لأجل حماية القاضي من تدخل السلطة السياسية لوضع حد لخدماته. ان خدمة القاضي تنتهي حكماً في لبنان عند بلوغه الثامنة والستين من العمر وذلك دون تدخل أي مرجع كان. وفي حين تجهد الدول التي تعتبر القضاة جزءا من موظفي القطاع العام

لإيجاد ضمانات للقضاة تحول دون صرفهم من الخدمة بصورة تعسفية، فإن القانون اللبناني يؤمن للقضاة ما يُعرف بـ “الامن الوظيفي”، بحيث لا يمكن انهاء خدمات القاضي إلا بقرار من المجلس التأديبي المؤلف من قضاة او بقرار من مجلس الاعلى، متخذ بأكثرية موصوفة، يعلن عدم اهليته.

لذلك فإن تنقية الجسم القضائي وإزالة الشوائب التي يشكو منها هي مهمة يجب ان يتولاها القضاة أنفسهم، لكي يطمئن له المواطنون. ففي الوقت الذي تعلن فيه كل القوى السياسية الحرب على الفساد ونيتها لمكافحته، لا بد ان يكون القضاء فوق كل الشبهات لكي يستطيع ملاحقة الفاسدين وادانتهم. اذ كيف يمكن ان يحتكم المواطن الى من لا ثقة له به.

من أجل ذلك، لا بد أولاً من وضع القواعد الأساسية لأخلاقيات القضاء وما ينبغي ان يتحلى به القاضي من تجرد ونزاهة وتواضع.

منذ حوالي خمسة عشر عاماً، وتحديداً في 14/11/2004 ، كلفت عندما كنت وزيراً للعدل لجنة من كبار القضاة ضمت الرؤساء طانيوس الخوري وغالب غانم وفيليب خير الله وطارق زيادة لوضع مشروع لقواعد ومباديء السلوك القضائي ومناقبية العمل القضائي. ان المشروع القيِّم الذي وضعته اللجنة ينبغي تعميمه اليوم على القضاة من اجل الالتزام به والمحاسبة عند الإخلال بأحكامه.

كما يقتضي وضع التشكيلات القضائية ، والمناقلات بين القضاة، بيد مجلس القضاء الأعلى دون المرور بالسلطة الإجرائية بحيث تكون التشكيلات نافذة بمجرد إقرارها من قبل المجلس.

وينبغي بالتزامن مع ذلك، تفعيل دور التفتيش القضائي بتوسيع صلاحياته وبإعطائه حق فرض بعض العقوبات التأديبية، وملء ملاكه بقضاة من الدرجات العليا مشهود لهم بالنزاهة والكفاءة لمراقبة حسن سير القضاء واعمال القضاة ومعاونيهم وممارسة الصلاحيات المعطاة لهم بما فيها التأديبية والاقتراح على مجلس مجلس القضاء الاعلى اتخاذ التدابير المناسبة بحق قاض أخل بواجباته المهنية.

ثمة نص في قانون القضاء العدلي، يكاد يكون منسياً، يسمح لمجلس القضاء الاعلى، خارجاً عن ملاحقة تأديبية، بناء على اقتراح هيئة التفتيش القضائي وبأكثرية ثمانية من أعضائه، ان يقرر في

أي وقت عدم اهلية قاض متدرج او أصيل وانهاء خدماته، وان قراره بهذا الشأن لا يقبل أي طريق من طرق المراجعة.

وفي يقيني ان مجرد تفعيل هذا النص، ان مجرد الشعور بأنه لم يسقط بالتقادم أو بالإهمال، سوف يُسهم الى حد بعيد في تعزيز سلامة الجسم القضائي، وبالتالي في قيام دولة القانون.

بهيج طباره

وزير عدل سابق

اضف رد