الرئيسية / home slide / القضاء العاجز أو المُتواطئ أو الفاسد أو الخائف يُشعل حرباً أهليّة!

القضاء العاجز أو المُتواطئ أو الفاسد أو الخائف يُشعل حرباً أهليّة!

20-04-2021 | 00:10 المصدر: النهار

سركيس نعوم

القضاء العاجز أو المُتواطئ أو الفاسد أو الخائف يُشعل حرباً أهليّة!

لا يستطيع “الموقف هذا النهار” اتّهام “الشعوب” اللبنانيّة بأنّها راغبة فعلاً في محاربة الفساد السياسي والطائفي والمذهبي والمالي والمؤسّساتي والمصرفي… فهذا شرفٌ لا تدّعيه. لكنّه يستطيع وبكلّ ثقة اتّهام كلَّ شعبٍ منها بالرغبة بصدق وإخلاص وعزيمة قويّة في محاسبة “الشعوب” الأخرى وبكلٍّ قسوة، بحيث تُعلِّم مُخالفي القوانين عندها كبارهم والصغار وتدفعهم إلى الارتداع عن السطو على الأموال العموميّة والأموال الخاصّة وعن توظيف عرق الناس لتكديس الثروات، كما يستطيع وبكلّ ثقة أيضاً التأكيد أنّ “الجماهير الغفورة” داخل كل “شعب” لبناني لا تنال من الثروات الضخمة الناتجة من الفساد ماليّة كانت أو عقاريّة أو أعمال أو أسهم وسندات إلّا الفتات. في حين أنّ قادتها المذهبيّين والحزبيّين والطائفيّين والإقطاعيّين يضعون أيديهم على القسم الأعظم منها و”يُربّحون شعوبهم جْميلة” بتمنينهم بالحماية من غدر “الشعوب” الأخرى ومن جشع قادتها ورغبتهم في السيطرة السياسيّة والماليّة والطائفيّة على أخواتها. طبعاً قد يقول البعض أنّ مُساعدين كثيرين لقادة “الشعوب” اللبنانيّة فاقوا قادتهم في الفساد، وصاروا من أصحاب الأطيان والأموال رغم دخولهم معهم في شراكة وإن غير مُتكافئة لأنّهم في حاجة إلى حمايتهم بل إلى عباءتهم. قد يقولون أيضاً أنّ ذلك يُزيل مساوئ “سوء توزيع الثروة” في البلاد، وتلك مقولة يساريّة أو تقدُّميّة أو ديموقراطيّة في الدول الديموقراطيّة فعلاً. لكنّه قولٌ سمج يؤكّد أن المؤمنين بتصحيح توزيع الثروة المُنتمين إلى عقائد مختلفة ومُتناقضة أحياناً لا علاقة لهم بمن يدّعي ممارسته في الطوائف والمذاهب كلِّها. ولا يستطيع “الموقف هذا النهار” أيضاً تعميم الاتّهام بالفساد على أعضاء الجسم القضائي كلّه. لكنّه يستطيع وبكلِّ ثقة اتّهامه بالانقسام الطائفي والمذهبي إنطلاقاً من حاجة كباره أصحاب المواقع المُهمّة المُتنوّعة داخله إلى رضى الدولة المُنقسمة مؤسّساتها الدستوريّة والمُتناحرة في الوقت نفسه كما المُتفانية في المحافظة على سلطاتها ومكاسبها ومفاسدها، من حاجتهم إلى البقاء في هذه المواقع. ويستطيع القول أيضاً أنّ البيت السائب يُعلّم الناس الحرام. فالحبّة المُهترئة في صندوق تُفّاح سليم بغالبيّته الساحقة سـ”تهري” ما في الصندوق كلّه. وهكذا في #القضاء غير المُستقلّ والمُدّعي النزاهة حيث يجد النظيف من أعضائه نفسه مرذولاً ومُهمّشاً ومُعاقباً أو مضطرّاً إلى المسايرة للترقّي ولتأمين معيشة “لائقة” عبر ممارسة الفساد مع إدّعاء العفّة. في أي حال الكلام المذكور أعلاه ليس جديداً على اللبنانيّين. فهم يعرفونهم بتفاصيله المُهمّة والمُقزّزة في آن. لكنّ إثارته اليوم ضروريّة لأنّ ما قامت به القاضية غادة عون المُعتمدة على تأييد “التيّار الوطني الحر” برئيسه الحالي النائب جبران باسيل ومؤُسّسه رئيس الجمهوريّة ميشال عون في الأيّام القليلة الماضية فضح المستور علماً أنّه غير مستور. وهو انتماء كبار القضاة أصحاب المواقع الأولى في سلكهم غير المُستقلّ، رغم الكلام عن ضرورة استقلاله، كلٌّ إلى مرجعيّته السياسيّة – الطائفيّة – المذهبيّة. وهو أيضاً استخدام كلّ من هؤلاء موقعه لحماية مرجعيّته… ولإلحاق الأذى بالمرجعيّات الأخرى. علماً أنّ المنطق الوطني السليم يقضي بأن تعمل كلّها كشخص واحد للمحافظة على البلاد ولا سيّما في الظروف المأسويّة الراهنة. لكنّها تفعل العكس إذ بدأ رسم الحدود “التقسيميّة أو الكانتونيّة” داخل القضاء. وهي مرسومة أساساً بين المؤسّسات الأمنيّة والإداريّة والحكوميّة وداخلها. المُخيف في هذه المرحلة بعد الذي قامت به القاضية عون أن يقوم قضاة آخرون محسوبون على تيّار رئيس الحكومة السُنّي أو على “الثنائيّة الشيعيّة” في لبنان بعمليّات كيديّة تماماً مثلها يستهدف كلّاً منها أعدائه أو أخصامه في المؤسّسات الأخرى من أعلى الهرم فيها إلى أدناه. خطورة هذا الأمر أنّ دخول لبنان هذه المرحلة يُمهّد لتقسيم مُماثل في كل المؤسّسات ويُعزّز مناخات “الحرب الأهليّة” في البلاد رغم القول أنّها مُستحيلة لأنّ لا أحد يمتلك الأسلحة المُتنوّعة وبكميّات ضخمة لا يُريدها، ولأنّ الآخرين الذين يمتلكون ما يحتاجون إليه لخوضها يرفضون ذلك. علماً أنّ الأمين العام لـ”حزب الله” السيّد حسن نصرالله قال مرّة من على شاشة التلفزيون “أنّ الحرب الأهليّة لا تحتاج إلى صواريخ دقيقة وغير دقيقة ومدفعيّة وآليات وجيشاً مُنظّماً كجيش “حزبه”، بل إلى أسلحة خفيفة ومُتوسّطة. وهذه موجودة بكثافة وعند الجميع في البلاد. كما تحتاج إلى دعم الخارج المُتنوّع”، وهو موجود أيضاً وجاهز أيضاً إذا قضت التطوّرات ليس فقط بتزويد مؤيّديه بالمال والسلاح بل إلى رسم خطوطٍ حمرٍ حوله منعاً لاجتياحه من قبل الجهات الأخرى. ولبنان عاش ذلك 15 سنة في أثناء الحرب. لكنّ ذلك على صحّته وبنسبة كبيرة ليس ضماناً ثابتاً ونهائيّاً. إذ كما حسم الزعيم الدرزي الأبرز وليد جنبلاط “حرب الجبل” في 1983 – 1984 بمساعدة سوريا والفلسطينيّين وبتأييد سوفياتي وغضّ نظر اسرائيلي، وكما أفاد الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد من حاجة أميركا إلى تأييده لإقدامها عسكريّاً على إخراج قوّات عراق الراحل صدام حسين من الكويت التي غزاها فقام بإنهاء “تمرّد” العماد ميشال عون على شرعيّة “الطائف” في تشرين الأوّل 1990 عسكريّاً، تاركاً له مجال اللجوء إلى السفارة الفرنسيّة ولاحقاً إلى المنفى الفرنسي. علماً أنّ حسابات عون في حينه كانت مختلفة إذ ظنّ أنّه سيكون الرابح تماماً وهذه حاله اليوم.  في اختصار على الكبار في القضاء اللبناني أن لا ينتظروا قرارات من السلطات التي عيّنتهم لمواجهة أي مشكلة أو أزمة، بل أن يُبادروا إلى إنقاذ سلكهم أو سلطتهم الرابعة كما يُسمّونها من انهيار حتمي لا بد أن يُكرّس حتماً انهيار الدولة ومؤسّساتها، وإلى قيادة حرب لاستعادة المؤسّسات من المافيات السياسيّة والطائفيّة والحزبيّة. على وزيرة العدل المعروفة بسعة علمها وبسمعتها الطيّبة واطّلاعها أن تُنفّذ القوانين فيما يتعلّق بما أقدمت عليه القاضية عون كي تكون قادرة على تطبيقه على غيرها لاحقاً. كما عليها أن لا تُمسك العصا من الوسط كما فعلت أخيراً تلافياً لإحراج من عيّنها وزيرة، إذ أنّ تعيينها ليس مُنّة وهي تستحقّه. أمّا إذا لم تحسُم فإنّها تكون غير مُستحقّة مع كل الاعتذار منها. ماذا عن الدولار والليرة اللبنانيّة ومن يتلاعب بالأخيرة الصرّافون أم المصارف أم المصرف المركزي أم غيرهم؟ 

sarkis.naoum@annahar.com.lb