الرئيسية / home slide / القدود الحلبية… ابتكرها الشيخ الحمصي أمين الجندي!

القدود الحلبية… ابتكرها الشيخ الحمصي أمين الجندي!

الشيخ أمين الجندي

 تيسير خلف
القدس العربي
26112021 

أعادت وفاة المطرب الكبير صباح فخري، الجدل القديم المتواصل حول فن القدود الذي اشتهر به، واقترن باسمه طوال سني حياته، حتى ظن جمهور الطرب العربي أنه فن حلبي خالص، وأنه قديم قدم الموشحات ذاتها. ولكن الحقيقة غير ذلك؛ ففن القدود هو ابتكار جديد نسبياً، لا يتجاوز النصف الثاني من القرن الثامن عشر، واسم مبتكره معروف لدى أوساط المهتمين بالشعر وفنون الغناء التراثية، وهو الشيخ محمد أمين بن خالد الجندي الحمصي مولداً، المعري أصلاً.
ونسبة فن القدود إلى حلب وقع في حياة صباح فخري على الأرجح، فهو بحسب تعريفه الشائع: «مطرب الموشحات والقدود الحلبية»، وقبله كان هذا الاسم يطلق من دون تخصيص، على فن من فنون نظم الشعر، وهو ترخيم عامي مشرقي للكلمة العربية قدر، والذي يعني القيمة نفسها، فمصطلح قد يعني المثيل، وقده بالعاميات الشامية تعني مثيله ونظيره. والمقصود أن القد المنظوم هو مثيل عاطفي فصيح لأنشودة دينية، أو مغناة شعبية دارجة بسيطة الكلمات، أو ساذجة المعاني، ولكن لحنها جميل.
ومما يروى عن الشيخ أمين الجندي، حين خطر له ابتكار هذا الفن، أنه كان يسير في أحد شوارع حمص أو حلب، وسمع أطفالاً يرددون مغناة «جوجحتني مرجحتني دوختني دللتني» فأعجبه لحنها، فارتجل من فوره القد الشهير «هيمتني تيمتني عن سواها أشغلتني»، وقد راق الأمر للشاعر وجمهور الطرب، فبدأ ينظم القصائد والمنظمات الشعرية العاطفية، على قدر، أي وزن الألحان الشعبية المتداولة.
وكان الشيخ أمين الجندي الشخصية الشعرية الأهم في جميع أنحاء بلاد الشام في القرن الثامن عشر، بحسب الكاتب جرجي زيدان، وكان، كما يقال، مالئ الدنيا وشاغل الناس، نظراً لامتلاكه أسلوبه الخاص في التأليف الشعري، وتمكنه من ابتكار المعاني والصور الجديدة المصاغة بأسلوب سلس، سهل، يشجع الملحنين على تحويل تلك القصائد والموشحات إلى ألحان أخاذة. وكان الشيخ أبو خليل القباني أبرز من لحن بعض قصائد الجندي، وحولها إلى موشحات خالدة ما تزال تتردد على الألسن حتى اليوم، ويظنها الكثيرون من التراث الأندلسي البعيد.
ولد الشيخ أمين في حمص عام 1764، كما يقول المؤرخ أدهم الجندي، وعاش في كنف والده الذي كان ذا مكانة مرموقة في عموم البلاد، فأحسن تربيته، ثم انتقل إلى دمشق وأخذ عن علمائها، قبل أن يعود إلى حمص ليبدأ منها مسيرته الشعرية، التي لم تتوقف حتى وافاه الأجل عام 1840، في ظل الحكم المصري لبلاد الشام. ومما يؤثر عنه أن الشعر كاد أن يودي بحياته، حين هجا متصرف حمص وطعن فيه وبالسلطان محمود الثاني، فاعتقل إثر ذلك في إسطبل للدواب، ومُنع عنه الطعام، إلا قليلاً من خبز الشعير وبعض الماء، كما يقول جرجي زيدان، حتى خلصه من سجنه أحد شيوخ قبيلة الدنادشة، فعمت الأفراح مدينة حمص، وترافق ذلك مع وصول قوات إبراهيم باشا المصري إلى سوريا وانسحاب العثمانيين منها، فقربه الباشا منه وأصبح من أهم جلسائه ومستشاريه، واصطحبه في زيارة إلى القاهرة التقى فيها والده محمد علي باشا، حاكم مصر والشام والحجاز آنذاك.

ويعد ديوان الجندي أقدم وثيقة مكتوبة تأتي على ذكر القدود باسمها المعروف، إذ خُصص قسم مهم من الديوان لهذه المنظومات، مع ذكر اسم الأصل اللحني لكل قد، ومقامه الموسيقي، وضبطه الإيقاعي، وهو بذلك وثيقة ثمينة للغاية أيضاً حول الأغاني الشعبية التي كانت تجري على ألسنة الناس في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

كان الشيخ الجندي أشبه بنهر دفاق في شاعريته، وقد أقام في أكثر من مدينة، فمن حمص مكان مولده ومنزله، انتقل إلى دمشق، ثم إلى حلب التي أقام فيها فترة طويلة. وأينما حل كانت ثمة قصائد جديدة، وكان الناس يتناقلون شعره شفاهاً، أو مدوناً في مفكرات شخصية. والغريب أن ما كان معروفاً ومتداولاً من شعره ومنظوماته على ألسنة الحلبيين، يختلف عما كان معروفاً ومحفوظاً لدى الدمشقيين، والحمويين والحمصيين. ولذلك عانى جامعو ديوانه في نهايات القرن التاسع عشر من هذه المعضلة، حيث صدرت النسخة الأولى معنونة بـ»كتاب منظومات الشاعر الفاضل البليغ الشيخ أمين الجندي الحمص» عن المطبعة الأدبية في بيروت عام 1891، ومشتملة على 172 صفحة فقط، فيما اشتملت النسخة الثانية المطبوعة في دار المعارف في بيروت عام 1903 على 448 صفحة. وقد نوه جامع الديون محمد كمال بكداش أنه قابل نسخته الجديدة من الديوان «على عدة نسخ خطية، وحوى جميع شعره المتفرق مما لم يشتمل عليه الديوان المتداول في الأيدي».
ويعد ديوان الجندي أقدم وثيقة مكتوبة تأتي على ذكر القدود باسمها المعروف، إذ خُصص قسم مهم من الديوان لهذه المنظومات، مع ذكر اسم الأصل اللحني لكل قد، ومقامه الموسيقي، وضبطه الإيقاعي، وهو بذلك وثيقة ثمينة للغاية أيضاً حول الأغاني الشعبية التي كانت تجري على ألسنة الناس في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
ومما نقرأه في الديوان: قد «حلو الشمائل يا قوام البان» الذي صدح به المطرب الحلبي محمد خيري، وهو على لحن المشاعل، والمقصود مغناة «عالأوف مشعل سيدي مشعلاني»، وقد «أخت الهلال ما لي سوى» على لحن مغناة «تحت الدوالي»، وقد «أقمار ألحان» على وزن مغناة « نطرح رمان»، وقد «قد لذ لي يا عاذلي» على وزن «عالهودلك عالهودلي»، وقد «باهي السنا لما انثنى» على وزن «يا ميجنا يا ميجنا»، علماً أن اللحن المعروف حالياً لهذا القد هو لأبي خليل القباني، وقد «يا صاح الصبر وهى مني» على وزن مغناة «يا أم الشال»، وقد «يا غزالي كيف عني أبعدوك»، وغير ذلك العشرات من القدود التي غناها صباح فخري، ومحمد خيري، ومصطفى ماهر، وصبري مدلل، وحسن الحفار، وغيرهم الكثير من مطربي حلب المعروفين، وعشرات أخرى لم يغنها أحد حتى اليوم، وباتت في حكم المجهولة هذه الأيام.
وبما أن فن القدود قد ارتبط ارتباطاً توأمياً بصباح فخري، واسم حلب؛ لذلك كان صعباً على باحثي ومؤرخي الفن الحلبيين، الإقرار بأن القد نشأ نشأة غير حلبية، فهذا الأمر يعادل أن تقول للحلبي إن قلعة حلب ليست حلبية، إلى أن وجد الباحث والمسرحي الحلبي عبد الفتاح قلعجي الحل، بأن الشيخ أمين الجندي أصله من معرة النعمان، وهي مدينة كانت تتبع لحلب طوال تاريخها الطويل. وبذلك فالشيخ أمين الجندي حلبي بهذا المعنى، أي أن القدود حلبية حتى وإن كان مبتكرها الشيخ أمين الجندي.

كاتب فلسطيني/ سوري