القدس والجولان، مجرد عقار آخر

جاء العسكريون الى الحكم في العالم العربي باعتبارهم المؤهلين لغسل الهزيمة في فلسطين. لذلك، قالوا للناس، انسوا ترف الحرية الآن، ودعوا جانباً أمر الكفاية، واكتفوا بالعلم مما يتوافر محلياً، وتقشفوا، وتعودوا ثقافة السجون. واتركوا لنا الطريق السريع الى فلسطين. 

قبل الانطلاق نحو فلسطين، كان هناك عائق آخر لا بد من ازاحته: الرجعية العربية! ونفط العرب للعرب. فجأة، تذكّر كل عربي في المشارق والمغارب، المنطقة التي يسميها الصحراء ولا يجد إليها طريقاً، ويأنف من مصافحة بدوانها واعاريبه. إن هذه الأرض المتدفقة بالزيت الأسود، هي مُلكه، لا مُلك اولئك الذين تحمّلوا رمالها وجفافها وقحطها وحرها آلاف السنين. وصار المثقفون في رأس بيروت، يتوزعون على المقاهي، ويرسمون خطط المبادلة: هاتوا نفطكم وخذوا منا حيفا ويافا، ومعهما افادة موقتة بعروبتكم.

كثيرون من أهل البادية طاب لهم العرض: لقب ثوري مقابل نكران الأصول والسخرية من الجذور. عبد الرحمن منيف بنى مجده الأدبي على تحميل الصحراء مسؤولية ما فقده العرب المتحضرون. وماذا فقد العرب المتحضرون، وماذا لم يفقد العرب المتحضرون.

لكن مثقفي العرب ومفكريهم وحضارييهم، وجدوا أنفسهم يسيرون خلف الخوذ والقبعات. وللخوذ والقبعات قاموس قليل الكلمات، فلا وقت للإضاعة في الطريق الى الجبهة. أي لا نقاش ولا مشورة. فجر العسكريون الثُكَن بعضهم في وجه البعض. وتوزع “الضباط الاحرار” المنافي وبلدان التشرد، فيما تنتقل السلطة من كتف الى كتف. وبهتت الجامعات والمعاهد من اجل الكليات الحربية. ولا حرب.

إتّهمت الانظمة العربية البرلمانية بأنها خسرت فلسطين “بالاسلحة الفاسدة”. لكن الأنظمة الثورية خسرت القدس وسيناء والضفة والجولان، فيما أهم انواع الأسلحة رابضة على الأرض. استعاد انور السادات سيناء بثمن باهظ على العرب، وتنازل معنوي مريع. واستعاد الأردن من كل ما خسر، “وادي عربة”، في احتفال أكبر من الوادي. وبدل بوابة كمب ديفيد التي رفضها في اللحظة الأخيرة، عاد “أبو عمار” فدخل محشوراً من بوابة أوسلو، الضيقة والواطئة.

الباقي بقي معلقاً. مؤتمرات ومحادثات ووساطات ومقررات ورحلات وأراجيح. وكان للعرب في كل ذلك حليف واحد هو الاتحاد السوفياتي، فلما تغيّر الى روسيا، صار بنيامين نتنياهو الزائر الأول لفلاديمير فلاديميروفيتش بوتين، صاحب الكرملين، الى الأبد. هذا هو التغيير الكبير. أما التغيير الصغير والأكثر ابتذالاً، فقد حدث في البيت الأبيض.

هنا، لم يعد الرجل معنياً بأي شيء من قوانين العالم، ولا من تقاليد أسلافه، ولا من اللغة الديبلوماسية التي تغطّى بها عادةً الارتكابات. كل ما أبقاه أسلافه سيفاً مصلتاً، حوَّله هو الى سيف طاعن. جاء والعرب في اسوأ احوالهم، فطبق عليهم قانون العقار: إضرب فيما البائع على الحضيض.

لم يقرأ دونالد ترامب في كتاب آخر. إلقِ نظرة على نوعية شركائه ونوعية محاميه. راقب بأي طريقة وأي تعابير يتحدث عن اخطر وأهم قضايا الأرض. تابع كيف يتحدث عن معارضيه. لاحظ أنه يمتنع حتى في المناسبات الوطنية، عن مصافحة الرؤساء السابقين، مثل أي تاجر لا يطيق منافسيه.

ضمَّ القدس والجولان الى “الصفقة”. سلَّم أهم قضايا الأمن القومي الأميركي وأعمق القضايا العالمية الى جاريد كوشنير وخبرته العقارية وضحالة معرفته وثقافته، أو اهتمامه، بردود فعل العالم. أفريل هاريمان وجورج شولتز وجورج مارشال وجيمس بايكر، لم يعد لهم ظهور في السياسة الخارجية الاميركية. يتولاها الآن المستر كوشنير.

يقول لويجي بارزيني في كتابه “الايطاليون” إن الانكليزي إذا رأى خصمه على الأرض لا يضربه. أما الايطالي فيقول “إذا لم أضربه الآن فمتى أضربه إذن”؟ رأى ترامب العرب في اسوأ وقعاتهم. يحاصرهم من جانب عداء اسرائيل، ومن جانب آخر، غطرسة ايران. ومخاوفهم الداخلية لا تقل عما هو على الحدود، أو ابعد منها. وتركيا، مثل ايران، تتحرك فيها، وتحرك هي، كل شهوات الغلظة الامبراطورية وهلوسات ثقافة الاكتساح. إنها اللحظة الملائمة، قال له المستر بولتون.

لا بد ان بولتون شرح له، بقدر ما يطيق هو من شرح، أن المسألة كالعادة، لن تتعدى بيانات الاستنكار. أوروبا، والعرب، والصين، وأيها الأخوة المناضلون في افريقيا. وفي النهاية، لا شيء. وروسيا أيضاً. عفواً نسينا روسيا. فماذا يقول جاريد كوشنير في ذلك؟

يقول، امضي! فالعالم اليوم مثل بطل جورج موزيل، “رجل بلا خصائل”. وقد سقطت الفوارق والنواهي. حتى القاموس العربي سقطت من كلماته وشروحه الكلمات التي غنّى لها شباب الماضي. يضحكون منك إذا تحدثت عن “بلادي”، أو “الوحدة”، أو “العروبة”. توقف دونالد ترامب عند النقطة التي اوصلنا إليها العسكريون العرب. ورئيس أميركا التي كانت تحرص، ولو كلاماً، على صفة “الوسيط النزيه” يتقدم وحيداً إلى ملاقاة نتنياهو في القدس والجولان.

لا وجود للأمة التي تجاهل ترامب وجودها، إلاّ في دفاتر الإعاشة وسجلات الموت والمفقودين وفاقدي الاطراف. انجح مصنع أقامته كمبوديا بعد الحرب، كان مصنع الاطراف الصناعية. لقد اكتشف صاحب الابراج ما كنا نعرفه منذ الجاهلية: علاقة العرب بالكرسي، قدّم عبد العزيز بوتفليقة آخر عرض مأسوي في هذا الباب: على الكرسي ولو متحركاً. وإلى مدى الحياة، أو ما يشبهها.

صورة من رافاييل. ذلك الشاب الوسيم المسدول الشعر على الكتفين مثل غيفارا، وقد رُبط اليوم الى كرسي، بكامل القيافة وربطة العنق، يعرض الحرس الجمهوري قاعداً غير قادر على رفع التحية. أو على النطق. لكنه مصر على البقاء في سدة الدولة ورأس السلطة. فصل آخر من العرض الطويل الذي قدمه الرؤساء العرب، للعالم وللتاريخ. بن علي فاراً في طائرته، القذافي فاراً في عبّارة، علي صالح مفجراً بأيدي حلفائه، صدام حسين يقدم الفصل الأخير من البطولة امام جلاده، مثل بطل جورج اورويل. في “حادثة شنق”. لقد حوّل الزعماء العرب أعمال شكسبير الى هزليات، بالمقارنات العبثية في الموت بالسلطة، ثم الموت بسببها.

عالمنا، أيها الأخوة المناضلون، لم يعد يفرق بين الشجاعة ونبلها، وبين الرقاعة وقباحتها. أميركا “ألآباء المؤسسين” وفرانكلين وماديسون ودستور المدنيات اللاطائفية، تسلم أمورها جاريد كوشنير، وصارت سياستها العالمية مختصرة في تغريدات مليئة بالاخطاء الاملائية وادبيات تجّار العمارات.

كان العالم مختلفاً ذات يوم. عرب الانكليز يقلدون لندن، وعرب فرنسا يقلدون باريس. ثم نصحتنا واشنطن بعسكر أميركا اللاتينية، ولم يكن أحد يتخيّل يومها، أنها بدورها ستؤول من ايزنهاور وكينيدي وبوش الأب إلى بوش الإبن وترامب وجاريد. لكنه العالم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*