الرئيسية / مقالات / “القاع في الذاكرة”: وثيقة تشبه نفسها

“القاع في الذاكرة”: وثيقة تشبه نفسها

  • طوني وهبه
  • المصدر: “النهار”
  • 30 كانون الثاني 2019 | 18:32

بطباعة راقية، وغلاف أنيق ينبئ بغنى المضمون، صدر عن دار سائر المشرق كتاب (القاع في الذاكرة) لمؤلفه جورج الياس رزق، في 454 صفحة من الحجم الكبير. وهو عبارة عن دراسة مونوغرافية تاريخية بكل أبعادها السوسيواقتصادية والثقافية أهداها المؤلف إلى عائلته الصغرى، كما إلى عائلته الكبرى القاع وأجيالها الناشئة لتكون ذاكرة للمستقبل.

والدراسة بحثية توثيقية رصينة، تقيّد فيها الكاتب بأدّق الشروط الاكاديمية، باذلاً جهداً وصبراً كبيرين للحصول على الوثائق والدلالات التي تغني عمله، حيث لم يوفر مكاناً له علاقة بدراسته إلا وقام بزيارته من مركز المحفوظات العثمانية في اسطنبول إلى المكتبة الفلورنتية التوسكانية في إيطاليا وإلى ما تيسر في مكتبات لبنان من وثائق عن تاريخ لبنان والمنطقة، إلى جولاته الميدانية، معايناً كل زاوية وحبة تراب وكل نبرة صوت في بلدته، في تأمل هادئ في التاريخ القاعي، باحثاً متأنياً، وموظفاً معرفته وتجربته في خدمة بحثه. خصوصاً أنه كان مشاركاً في قلب الحياة الفعلية لبلدته وفي ميادين مختلفة، معايشاً ومعايناً أدّق التفاصيل، فحقّ له أن يتحدث عن بلدته حديث العارف الخبير المحترف، معززاً ذلك بباقة شهادات نابضة بالحياة.

والكتاب في فصوله التسعة يأخذك في رحلة ممتعة إلى بلدة #القاعلتتعرف إلى موقعها الجغرافي وتاريخها من العصور القديمة إلى العصور الحديثة، إلى آثارها التاريخية، وتاريخ عائلاتها الذي قدمه المؤلف في قالب فني لافت، لينتقل بك دون ملل إلى الحياة السياسية العامة للكيان اللبناني وخاصة البقاع، ثم السياسة المحلية التي مرت بها القاع بكل مراحلها من المخترة إلى البلدية وعلاقاتها بالبلدات المجاورة وبالزعامات السياسية البقاعية والكاثوليكية، إلى الحرب الأهلية ونتائجها المدمرة من الهجوم إلى المجزرة والى التفجيرات الارهابية الأخيرة والدور الذي لعبه أبناؤها من أجل بقاء هذه البلدة وصمودها رغم الظروف الخطيرة والمعقّدة التي تواجهها.

كما يظهر جلياً تعمّق المؤلف وإضفاؤه رأيه وثقافته من خلال المسح الشامل لمؤسسات البلدة التربوية وخصوصا الدينية وليوميات أبنائها وروابطها الاجتماعية فضلاً عن مقوماتها الاقتصادية.

رغم كل الصعاب والظروف القاهرة التي تعيشها بلدة القاع، إلا أنها تنبض بالحياة، ومراحل تطورها تخبر بذلك، وقد تحولت في القرن العشرين من مجرد تجمّع زراعي ريفي يطغى عليه الطابع الزراعي والرعوي إلى بلدة كبيرة تتوافر فيها كل شروط الحياة.

وختاماً، إنّ هذا الكتاب بات يشكّل وثيقة ومرجعاً لا بديل عنه في كل حديث أو حدث تمر به بلدة القاع، وفي ذلك يكون نموذجاً لكل من يبحث في تاريخ وحياة بلدة ومنطقة لبنانية.

اضف رد