الرئيسية / أضواء على / الفيلم الوثائقي «المفاتيح» للفلسطيني سليم ضو: سبعون سنة من العنصرية و«المساواة الشرسة»

الفيلم الوثائقي «المفاتيح» للفلسطيني سليم ضو: سبعون سنة من العنصرية و«المساواة الشرسة»

برلين ـ  إدريس الجاي:
القدس العربي
Aug 30, 2018

في الوقت الذي يروج فيه في مدينة برلين لمهرجان 70 سنة على قيام دولة إسرائيل، يفتح لنا الفيلم الوثائقي «المفاتيح» للفنان الفلسطيني سليم ضو، وثيقة تاريخية مكتوبة بمداد حنين وصور من الإجحاف المسفرعن الوجه الحقيقي لمسرح أحداث قيام هذه الدولة. إنه يفتح أمامنا سجلا نقرأ من خلال شهادات أبطاله، أسطورة سبعين سنة من الزيف والادعاء المغرق في وحشية تاريخ دولة إسرائيل، المقامة على لاإنساية قوامها اجثتات تاريخ الإنسان الفلسطيني من فوق أرضه وتحويله إلى العدم. فيلم «مفاتيح» أنشودة تتغنى بترانيم مفاتيح لها قصة، تروي كفاح أناس عاديين بسطاء يناضلون يوميا ضد النسيان، لا يطلبون غير حقهم المثبت بالوثائق والحجج، أمام سلطة لا تعترف إلا بقانونها العنصري، ضد كل البشرية «شعب الله المختار». إنهم أناس يحملون معهم مفاتيح بيوتهم المهدمة منذ سنة 48، يحملونها رموزا لإيمانهم بحقهم الثابت والمغيب، رمزا للعودة وللإصرارعلى هويتهم وهوية أرضهم الفلسطينية. إن الفيلم يستضيفنا بمقدمة توطئ لنا فتح سجل ذاكرة القرى الفلسطينية، هذه الذاكرة، التي يحفظها الإنسان، الذي يجعل من مفتاح منزله وسادة نومه، يتوسد مفتاحه إيمانا بالرجوع إلى أرض سكنها أجداده وأجداد أجداده، سكنها جسدا وسكنته روحا ووجدانا. هذا الإنسان، الذي أجبرته السلطات العسكرية الإسرائيلية سنة 48 على مغادرة بيته، قريته، موطنه الأصلي. ففي سنة 48 كان يعيش في فلسطين1.3 مليون فلسطيني. سكن قرابة 80 في المئة منهم في القرى، التي بلغ عددها آنذاك 850 قرية، تقول مقدمة الفيلم. إنه فلم يسجل لأناس بسطاء، لا يحلمون إلا باستنشاق هواء قرى مسقط رؤوسهم، التي يرونها في الوقت نفسه مستقبل أجيالهم اللاحقة، يتذكرون بقوة طعم الزيتون والتين والكروم ورائحة التربة، فهذا الطعم ما زال عالقا في الهواء يشمونه في هبة الريح، في نسيم الصباح نشوة تعيد ذكرى الأيام وأيام اغتصبت من بين أنامل الحياة.
تنفرج اللقطة الأولى من الفيلم عن رجل يحمل فوق كتفه نموذجا مصغرا من الجبص لبيت بكل جزئياته، إنه البيت، الذي رأى فيه نور الحياة، الذي كان مرتع طفولته وخزان لاوعي صباه. يحمله ويسير بين الأحراش والصبار والحشائش البرية، التي نبتت على أنقاض وأحجار قواعد بيت أهله المهدم. إنه يسير بين قرى طالتها آلة الدمار، لكن ذلك الحنين والأمل والحلم الراسخ، الذي يحمله معه لا يزال طريا لم يجف ولم تقهره شريعة الإبادة.
مواطنو قرية أفرت يزورون موتاهم في يوم الجمعة الحزين. يرثونهم بأغاني الحب والحزن الدفين :
شو بدي أقول ياما،
وشو بدي أغني،
ومفتاح القلب ضاع مني»
في سنة 48 تم احتلال أفرت وهجّر سكانها منها بوعد العودة إليها بعد أسبوعين، وفي السنة نفسها تمت مصادرتها من طرف الجيش الإسرائيلي وفي سنة 51 حكمت المحكمة الإسرائيلية بمنع إعادة سكان افرت إلى بيوتهم، كما تم تقسيم القرية بين مستوطنتين يهوديتين. لكن أمل العودة ما زال نابضا في النفوس، كما يقول أحد سكان القرية: «إذا لم تعد هناك باب فالمفتاح باق».
فمصير قرية أفرت كان هو مصير قرية حطين، طرد سكانها وأقيمت عليها مستعمرات يهودية. فالفلسطيني أمين سعدي يذهب كل مرة إلى قريته القديمة في المناطق الممنوعة، يخاطر بحياته، يتحدى قوانين المنع لينزع عن الماضي الأعشاب والحشائش الطفيلية حتى لا تحجب بقايا مقبرة أجداده.
لقد حاول مخرج الفيلم أن يمزج بين ما هو شخصي، حكاية أسرته وعلاقتها هي الأخرى بالتهجير والمنظور العام السائد عن المهجرين في المدن، وبين تلك الحالة من الترقب في دوامة التوزع بين الواقع والمؤمل، التي يشترك فيها ما هو شخصي بما هو مشترك. فيلم مفاتيح رسالة مفتوحة مفعمة بحب الأرض وحنين العودة إلى وهاد التمازج والالتحام بالطبيعة، الرجوع إلى الفطرة والخلق الأول. إنه يحكي عن قيمة الإنسان في بلد يروج على أنه بلد الديمقراطية والمساواة في الشرق الأوسط، بل مقابل كل الدول الشرقية، يحكي عن مسجد مهدم يدخله البقر فاشتكى أهل القرية لحاكم المنطقة، الذي أقام سياجا حول المسجد، فمنع البقر من دخوله نعم، «لكن منعونا نحن كذلك، فجعلونا والبقر في مستوى واحد». يقول أمين سعدي. فبلد الديمقراطية المروج لها بنى كيانه على أنقاض آلاف السنين من التواجد الإنساني الفلسطيني، فمصير الاحتلال والتهجير طال كل القرى مثل قرية شجرة، شعب، سحماتا، حيفا، صفورية المجدلين التي بنيت على أنقاضها المدينة اليهودية مجدال هعميق. في حيفا تسكن امرأة مهجرة من قرية سمحاتا تضع على نافذه بيتها حجارة من قرية مسقط رأسها، تغسلها ترعاها إنها الرابط، الذي يجعلها لا تنسى أنها من قرية سمحاتا، وتوصي أبناءها وأحفادها بالاهتمام بالحجارة «إنها تنحدر من أرضكم». فهؤلاء الناس العاديون لا يجدون في أنفسهم حرجا أو مشكلة ليساكنوا جارهم اليهودي، سواء كان من اليمن أو من غيرها من البلدان، يقولون: «البلاد تسع الجميع». إنهم لا يحقدون على أحد وكل قلوب الناس من جنسيتهم، لكن الآخر، من ديمقراطيته ومساواته يمنعهم حتى من حق دفن موتاهم في التربة، التي تمنوا أن مثواهم الأخير. في مقبرة حيفا كتب على شاهد قبر: «ترقد هنا وروحك ترفرف فوق رُبى سمحاتا. المعذرة لعدم تمكننا من دفنك بترابها كما وصيت. فعزاؤنا الوحيد، أن تراب حيفا امتداد لتراب سمحاتا». إن قوة فيلم «مفاتيح» تكمن في أسلوبه السردي البسيط، إنه تناول حالات، قدمها شهادات صادقة خالية من الروتوش، كتبت بكلمات حنين وأشواق أناس، يتحدثون بدون تحفظ ولا يتركون الذاكرة تنام ويجعلون منها جسرا يربطهم بماضي حي يتوالد.
إن الفيلم يحاور تاريخا واقعا حيا، يترك للناس حرية التعبير عن آلامهم وآمالهم في صيغة حوارات حميمية. قرية المزروعة، التي نقل إليها سكان قرية أم الفرج كفر برعم، فخر قيام دولة إسرائيل، حيث طرد سكانها سنة 48 لأسبوعين فقط ثم منعتهم ديمقراطية ومساواة إسرائيل من العودة. لكن ذلك العزم والتحدي الذي يعيشه الإنسان الفلسطيني كيوميات متوالية، تجعله اكثر تشبثا بأرض منها خلق وإليها سيعود، فهذا التحدي يبدو جليا في موقف محمد بشر من صفورية حين يقول: «إننا مثل الصبار يقلعوننا من هنا فننبت هناك». ثم يضع نموذج بيته، الذي كان يحمله فوق كتفه، فوق أنقاض بيته القديم. ربط للماضي بالمستقبل.

اضف رد