الرئيسية / مقالات / الفيروس الرجعي في لبنان

الفيروس الرجعي في لبنان

لم يسبق لي أن كتبتُ في الشؤون اللبنانية بهذا الدأب لمدة تزيد عن سبعة أشهر. بعد شبه عزلة المتاعب الصحية وما ان بدأ جسدي يستعيد معظم عافيته حتى جاء فيروس كورونا ليدخلني كما غيري من مليارات البشر في الحجر المنزلي ويقتصر نشاطي المهني على المراقبة البعيدة والاتصالات الهاتفية كما الكثير غيري من الزملاء، ما عدا البعض الذي يستحق كل تقدير لأنه هو الذي يصلنا صحافةً وتلفزيوناً وإذاعةً بعالم خارجي مشلول وذاهل ليمنحنا شيئاً من الإحساس بالحياة العامة كما كانت وكما بقي منها.

كنتُ في السابق وعلى مدى سنين طويلة أشعر بالاختناق المهني إذا كتبتُ في الشؤون المحلية بشكل متكرر أو لمدة طويلة. لن أدخل في تحليل ذاتي لحالتي السياسية تلك، والتي قد تكون تشوهاً مهنياً حيناً أو وهماً في السعي لتصويب أحجام قضايا بلد صغير، مهما كان مهماً، قياساً بأوضاع المنطقة وأحداثها.

سبعة أشهر ونيّف لم أفكّر إلا محلياً ولم أكتب إلّاه. لا شك ساعدني بل مكّنني من ذلك ولا يزال الحدثُ الكبير وفعلاً غير العادي المتمثِّل في ثورة 17 تشرين الأول.

ومع أن معظم مشاهداتي كانت تلفزيونية عدا بعض الأحاديث مع أصدقاء وناشطين، وجدت نفسي في آتون متدفق من التفكير الدائم بهذه الثورة التي رغم جمودها الكوروني الحالي، وأرجو أن لا يكون توقفاً دائماً، رفعت قيمة الحدث المحلي في أعين أبناء البلد ولو كانت، قبل كورونا، محاطة حتى في ذروة مخاضها، بشكوك عميقة حيال قدرتها على تغيير نظام فاشل وقوي جدا في آن…!!!

ثم جاء كورونا الذي نظَمَ لبنان في سياق عالمي غير مسبوق. أيضاً رغم كثافة المشهد الدولي بالمخاوف والنكبات بقي الشأن المحلي جذاباً ومشوّقاً رغم استعادته لفصول قديمة وسمجة من نزاعات الطبقة السياسية.

لقد أعادت صدمة كورونا وحربُها الحياة الى السياسة اللبنانية ما قبل 17 تشرين الأول. هذا واقع لا يمكن نكرانه. ومع أن كورونا في الخارج، لاسيما الخارج المتقدِّم ينذر بمتغيرات عميقة، بدت كورونا، على هول الفيروس، وكأنها “استراحة المحارب” للسياسة اللبنانية التقليدية الشهيرة بتفككها وتبعيتها.

شهدت أشهر ما بعد 17 تشرين، وليس بسببه، حدثاً في غاية الخطورة والفداحة. هو حصول أكبر عملية تجميد لودائع أقوى نظام مصرفي في المنطقة وإن يكن ليس الأكبر. ترافق ذلك مع عملية هروب بل تهريب أموال سياسية ومصرفية إلى الخارج. ولهذا الآن، لا يمكن فصل مصير تجميد الودائع عن مصير الأموال المهرّبة. أيُّ فصلٍ، يعني أي حل لا يربط بينهما، هو حل مخادع ويتحول إلى استكمال للجريمة.

لا مجال لسوء التفاهم هنا. يجب أن نعرف كم هُرِّب من أموال مصرفيين وسياسيين إلى الخارج لأنها بالضبط أموال المودعين وليست أموالاً مختلفة.

وإذا كانت خطة الحكومة غير واضحة حول مصير الودائع فإن خطة استعادة الأموال المهرّبة أكثر غموضاً.

ها إذن أنا مرةً جديدة ومتكررة في الحدث المحلي. النكبات لا تدمّر الدول أو تؤذيها فحسب، بل ترفع قيمتها في الوعي المنكوب وهو هنا الوعي المحلي ولا أريد أن أقول: الوطني لأن هذا المصطلح، أي الوطني، يحتمل من الالتباسات، أو صار يحتمل، ما لا طاقة لمعلّق سياسي مثل كاتب هذه السطور على اقتحامه بتكافؤ فكري مع صانعي الالتباس نفسه في أزمنتها الترجمائية المعاصرة، وحتى لو تجرّأت بين الحين والآخر قبل الزمن الكوروني الذي كشف لي أكثر ما أنا عليه من قصور ثقافي لأنني أمضي معظم وقتي غير النائم في غرفة مكتبتي الصغيرة.

في الظاهر تحول فيروس كورونا إلى منشِّط للعادات البنيوية السيئة في الحياة السياسية اللبنانية. بهذا المعنى، وللسؤال صِيَغٌ كثيرة، هل الفيروس قوة ضد تغييرية في لبنان، قوة ضد الثورة، حتى لو أن الأفق التغييري للثورة نفسها بقي ملتبساً حتى في ذروة نجاحها؟

الجواب نعم ولا. نعم في ما نراه من تجميد قسري للأنشطة الاعتراضية، ولا من حيث النتائج المتوقعة للمزيد من الانهيار الاقتصادي الذي يساهم فيه إقفال كورونا القسري وما يؤدي إليه من اتساع عدد الفقراء وتضعضع أوضاع الطبقة الوسطى، مما يعني أن المادة الاجتماعية لتصعيد الثورة ستكون متوافرة بقوة بعد الخروج من أزمة كورونا.

jihad.elzein@annahar.com.lb

Twitter: @ j_elzein

اضف رد