الرئيسية / مقالات / الفيديرالية ذريعة الحرب الرئاسية

الفيديرالية ذريعة الحرب الرئاسية

لم تُطرح الفيديرالية على نحو جدّي في لبنان، اذ ان دعاتها لا يملكون القدرة على تحريك عشرة نواب، ولا حتى العشرات في الشارع، رغم اقتناع البعض بالفكرة. جُلّ ما يقومون به المناداة بما يرونه مناسباً او حلاً لمشاكل البلد المعقدة في تركيبة متعددة ومعقدة ايضا. من حق هؤلاء ان يطرحوا فكرياً ما يقتنعون به، وليس لأحد ان يلوّح لهم بإصبعه مهدداً. واذا كان المعترضون على اي شكل من اشكال التغيير، والفيديرالية أحد وجوهها، متمسكون بالصيغة، فانهم مطالَبون بالتصدي للتنكر للنظام القائم واستنكار ما قاله قبل ايام الشيخ احمد قبلان، ضارباً بعرض الحائط كل الاسس التي قام عليها لبنان، انطلاقا من شيعية ضيقة لم تخرج بعد من عقدة الثنائي الماروني – السني، الذي لم يُقم آنذاك وزناً للشيعة فقط وانما للمذاهب الاخرى والمسيحية منها تحديدا. لكن التاريخ يتبدل، فقد استُبعد المسيحيون مراراً وتكراراً باتفاقات رباعية شملت السنّة والشيعة والدروز، وتم اقصاؤهم عن الحكم، واجريت انتخابات نيابية من دونهم.

ان الفيديرالية كمشروع مطروح حالياً، تتجاوز حدود لبنان، وقدرته على التأثير في متغيرات تضرب خريطة المنطقة بكاملها، وقد تكون مخرجاً لأزمات تختص بالاعراق والاتنيات في دول مثل سوريا والعراق وفلسطين، قبل لبنان. والتخوف منها لا يكون بزعزعة الوحدة الداخلية، الضعيفة اصلا، وادخال البلد في المجهول عبر نسف الصيغة الحالية قبل الاتفاق على بديل يكون افضل، ولا يشبه الانظمة القائمة في المحيط.

اما تحويل الموضوع الى خلاف داخلي، فليس اكثر من “ابتداع” مشكلة اضافية في البلد، او إلهاء اللبنانيين بشبه مشكلة، لإمرار مشاريع وخطط غير واضحة، ومحاولة “زرك” فريق سياسي وإحراجه لإخراجه من المعادلة، اي القضاء باكراً على “التيار الوطني الحر” واحراق ورقة جبران باسيل الرئاسية، وابتزاز الرئيس ميشال عون مع دخول ولايته ثلثها الاخير.

المعارك السياسية ليست جديدة، وهي ترافق كل العهود، لكن توقيتها اليوم مع الانهيار الحاصل غير مناسب بتاتا. ثم ان هذا الطرح غير مقنع، لانه يصدر عمن يمارسون الفيديرالية بكل وجوهها وتفاصيلها. فعندما يذكر “حزب الله” انه جنّد اكثر من عشرين الفاً للتصدي لوباء كورونا، وهو سيصب جهوده الى جانب وزارة الصحة، فهذا يؤكد ان قوته تجاوزت الدولة، وبالتالي فان حزبه قادر على استيعاب الجهود الرسمية. وهذا غيض من فيض، اذ ان البلديات الواقعة في نطاق الحزب، عملت ليس فقط للوقاية والحماية، انما تعمل على الاكتفاء الذاتي زراعيا وتجاريا وصناعيا، اضافة الى توفير الامن، بما ينطبق تماما على قواعد الفيديرالية من دون الاعلان الرسمي عنها. ومثله يحاول الزعيم وليد جنبلاط ايضا تشجيع المشاريع الزراعية للاكتفاء الذاتي في الجبل، رغم الفارق في الامكانات.

ولاحقاً ترتفع الشكوى من “فيديرالية مسيحية” في المناطق الاكثر انفتاحا على كل المستويات، التجارية والصناعية والزراعية والثقافية والسكنية، رغم كل الشائعات، ولا بد من تعدادها تفصيلا عندما تتسع المساحة لها.

الفارق ان مَن ينادي بالفيديرالية لا يطبقها، والذين يطبقونها يحاربونها اعلاميا. لو يبعد الله عنا شر الحرب الرئاسية، وحروب المصالح.

ghassan.hajjar@annahar.com.lb – Twitter: @ghassanhajjar