الفوقيّات

سمير عطاالله
النهار
31012018

وصل الشيخ بشارة الخوري الى الرئاسة ومعه رياض الصلح، قادمين من قلعة راشيا، متوَّجين بالاستقلال، الذي يحدث للشعوب مرة واحدة في التاريخ. وكانت لقاءات الشيخ بلا حدود، وسمعته تتجاوز لبنان الى بلاد العرب. وفي زمن لم يعرف بعد من اسحار الاثير سوى الراديو، كان العرب يتسمعون الى المذياع ليصغوا الى خطيبهم. أمضى الرجل مرحلة عهده الطبيعية في خير وسلام. ثم خطر له التجديد، وانقلب البلد. وانتهى معزولاً في الكسليك، المنطقة التي لم تكن بيروت سمعت بها من قبل.

وجاء كميل شمعون بمواصفات فائقة: “فتى العروبة الأغر” وشاب الديبلوماسية، وشجاع السياسات، ومرت المرحلة الطبيعية بالازدهار والرفاه. ثم دخل عليه عفريت التجديد من نافذة قصر القنطاري، فاشتعل القصر واحترق البلد.

وجاء فؤاد شهاب حاملاً من الاوشحة أنبلها: مؤسس الجيش. رمز الورع. النزاهة المطلقة. في نهايات العهد خطر له ولرفاقه أن ثمة مهمة يجب أن تُنجز، ففكروا في التجديد، فرأوه مستحيلاً. لماذا إذن ليس الأمير عبد العزيز شهاب؟ لأنه يحمل الإسم. فضل اللبنانيون ضعف شارل حلو على قوة عبد العزيز شهاب ومعالم “الامارة”.

بعد الحرب جاء الرئيس الياس الهراوي. استطاع ان يمدد بسلام بحسب شخصيته المتواضعة والمحببة. خاطب الناس من بين الناس، واشعرهم انهم شركاء، لا أتباع، ولا مصفقون. ثم جاء الرئيس اميل لحود، مطلاً بصورة جديدة لا رسميات فيها ولا فوقيات، وخصوصاً لا مواكب. وأحبه الناس. ولكن عندما انتهت السنوات الطبيعية للعهد لم يستسغ احد ان يجدَّد له رغماً عنهم. وجاء مكانه العماد ميشال سليمان، معلناً منذ خطاب القسم، أنه لا تجديد ولا تمديد، باسطاً من حوله جواً من التواضع والألفة.

هدف هذا العرض التذكير بأن اللبنانيين لا يطيقون الوصايات والفوقيات. سامي الصلح بنى كل تاريخه السياسي على أنه “أبو الفقراء”. وذات مرة نشرت الصحف ان رجلاً أوقف سيارة سليم الحص قرب منزله لكي يتقاسم معه برتقالة كان يقشرها. يومها اتصل بي الأمين العام لمجلس التعاون ليقول بجدية: أنا آتٍ قريباً الى بيروت لكي أرى الشعب الذي يتقاسم برتقالة في الشارع مع رئيس الوزراء.

بكّر الوزير جبران باسيل كثيراً في استعجال الصورة التي يعاني اللبنانيون الحساسية حيالها. صورة الشاب الذي لم يبدأ حياته السياسية بعد، لكنه يعلن “جئنا نحرر جزين” ليحل هو محل تاريخ سليمان كنعان في الجهاد ضد الاتراك، أو بولس بطرس المعوشي في الحرية. وفي كل خطاب يلقيه هذا الرجل الذي لا تنقصه الحيوية وسرعة التنقل يمنن الناس بلغة خالية تماماً من التواضع. هو مفجر الغاز، وهو واضع القوانين التي لا سابق لها، وهو محقق المناقلات والتعيينات التي عجز عنها الأولون.

هو الذي سينتقم من الاضطهاد التركي الذي اجبر جده على الهجرة الى نيوزيلندا. واخيراً هو الذي “حرر” الرئيس الحريري في جولة على عواصم العالم، نسي خلالها اثنتين: الرياض، حيث هو الرجل، وواشنطن، التي لا تزال مسجلة في قيد الدول الكبرى، حتى اشعار آخر.

الديبلوماسية لا تقر بالالغاء، وواجبها – لا خيارها – حماية مصالح الدولة والناس. لذلك، لا يستطيع وزيرها ان يقاطع! ما من سابقة بأن يرفض وزير الخارجية استقبال الامين العام للأمم المتحدة (بان كي – مون) خلال زيارته، أو حتى مروره بالبلد. هناك الحد الأقصى من الفوقيات والحد الأدنى من اللياقات.

كثيرة مهمات الوزير باسيل على رجل واحد: هو من يدشن المعامل والمصانع، وهو من يكون اليوم في عكار وغداً في البقاع، وهو من يسافر الى الأمم المتحدة ولاس فيغاس وجنوب أفريقيا. وفي هذه الزحمة، ليس من يذكره، وهو في الطريق الى جمهورية الدومينيكان، أن المغترب ايضاً مثل الوطن، جاليات وجماعات وطوائف وحساسيات.

انفجار يوم الإثنين الماضي ليس سببه الإهانة التي وجهت الى رمز من رموز الدولة والوطن، بل هو نتاج مرحلة مليئة بعبثيات مناقضة للحياة الوطنية العادية. وهذه الحياة الوطنية لا تسمح ولا تجيز هذه التعبئة القائمة بين رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان. وإذا لم يكن احدهما في حاجة الى الآخر، فإن البلد في حاجة إليهما معاً، ولا يستطيع ان يتحمل الرزوح تحت المزيد من الاحمال، و المزيد من الفوقيات. ليس من حقهما الاختلاف ولا من حق أحد ان يعمقه، قصداً، أو اسوأ، أي عفواً ولا مسؤولية.

ليس من مصلحة أحد، في اي مكان أو موقع، أن يتعثر العهد لأي سبب. ولامن مصلحة أحد ان نمضي من مبارزة الى مبارزة، ودائماً لأسباب بلا مبررات وبلا أهمية، دائماً يخطر لي ان أتساءل: هل هناك مسألة شخصية في الأمر؟ وجوابه منه: لماذا هذا الاجماع على ميراي عون وشامل روكز؟ سيدة تعطي لعهد صورة الحداثة، ورجل يضيف الى صورة العراقة حاملاً سيرة لا جدال حولها، لا في الأحقية ولا في الاقدمية ولا في اللبنانية.

كاد البلد يحترق بسبب عود ثقاب رمي باهمال. وكالعادة، من غير أن تؤخذ في الاعتبار مشاعر الآخرين. وأولاً، مشاعر الحاضرين الذين لا يروقهم سماع لغة جارحة في حق احد، فكيف في حق هذا الميزان الوطني الذي طالما أحرق ساعديه لئلا تطال النار ثوابت الحياة.

اللبنانيين حق على من يمثلونهم، سواء أكانوا منتخبين أم لا. ولهم أن يطالبوهم بلغة سوية لا خروج عنها، سواء أكانو يحملون حقيبة واحدة أم مجموعة حقائب. والمطلوب ليس احترام الطائف، فهو ليس امراً يومياً، بل التقيد باللياقة والعرف والحرص على الوطن من أعواد الثقاب التي لا تميز احياناً بين الضوء والحريق.

سوف يجد الوزير باسيل في الهدوء والتواضع والتأني في لغة الخطاب، ما هو أفضل بكثير من سمعة الحيوية والتنقل والاقلاع من مطار للهبوط في آخر. ليلة واحدة من دون حرائق تساوي كل أضواء لاس فيغاس. هذا ما يريده اللبنانيون وما يأملونه غداً. أي إذا كان يمارس حقه في الأول بالرئاسة، فهذا الحق يصبح لاغيا إذا كان صاحبه مواجهاً لنصف لبنان على الأقل.

أما مسألة الاعتذار من الرئيس بري، فهذه حريته، مثلما الأول حقه. إذا كان يرى أنه اخطأ، فالاعتذار فضيلة لا تنازل، وإذا كان لا يعتبر ان استخدام مثل هذه التعابير لا يليق به ولا بسامعيه ولا بأسرته، فلا حول ولا قوة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*