الفوتوغرافيا في لبنان: القبض على زمن متحوّل

«حوار مع صديقتي» لكارولين تابت وجوانا اندراوس (2015 ــ ولا يزال قيد التطوير)إنّه «استحضار لنتف من الإرث البصري، ليس من خلال كتابة التاريخ، بل عبر طرح الأسئلة البسيطة ولكن الملحّة» المتأصّلة في لبنان وتاريخه. هكذا، يمكن تعريف كتاب «حول الفوتوغرافيا في لبنان ــــ قصص ومقالات» الذي صدر أخيراً باللغتين الفرنسية والإنكليزية عن «دار كاف» اللبنانيّة. إلى جانب المقالات التي تستعيد حقبات أو تجارب ومقاربات مختلفة وطبيعتي الصورة المادّيّة والسردية، يضمّ الكتاب 380 صورة، تتراوح زمنيّاً بين صورة داغيرية للفرنسي جوزيف فيليبير جيرو في بعلبك، ومجموعة «مادّة سوداء» للبناني زياد عنتر. تقع الصورتان بين مدّة زمنية تصل إلى 165 عاماً. فترة تناوبت فيها الصور التوثيقية والاستشراقيّة والنيغاتيفات المهمَلة والمجموعات العائليّة والأرشيفات الرسمية والصور الفنية والصحافية على رؤية البلاد.

«حول الفوتوغرافيا في لبنان ــــ قصص ومقالات» هو عنوان لكتاب صدر أخيراً باللغتين الفرنسية والإنكليزية عن «دار كاف» اللبنانيّة. عنوان واحد، يبعث على تساؤلات أوّلية: هل هو توثيق متتال زمنياً لمسار التصوير الفوتوغرافي في لبنان؟ أم أنه محصور بالمصوّرين اللبنانيين؟ هل يعتمد عليهم؟ على اللقطة؟ أم على الأحداث السياسية والتاريخية التي تدافعوا إلى التقاطها؟ أما تمويل بنك لبناني لهذا الكتاب (من دون أي خفض يذكر في سعره)، فيجعل من الانطباع الأول عنه بأنه لا يعدو كونه توثيقاً سياحياً للبنان، كواحد من إعلانات هذا البنك التي تظهر اجتهاداً متزايداً في مواعظها الوطنية والاستقلالية. وكلّما تقدّمنا في القراءة والرؤية، ستتعمّق الأسئلة عما إذا كانت إمكانيّة حصر تاريخ للتصوير قابلة للتحقّق أساساً، وكيفيّة كتابته بالنسبة إلى وسيط مرن كالفوتوغرافيا، لديه قابلية على النفاذ إلى مجمل الأحداث والاختصاصات مثل العمارة والسياسة والاجتماع. 

بورتريه عائلي لمصوّر مجهول (جيلاتين فضي مطبوع، ومركّب على ورق مقوّى ــ 32×24.5 ــ مجموعة هدى قساطلي)
لكن مقدّمة المديرة المساعدة لـ «المؤسّسة العربيّة للصورة» كليمانس كوتار هاشم تحدّد بدقّة مسار الكتاب الذي حرّرته مع مؤسّسة الدار نور سلامة. إنها توطئة لأساليب وطرق قراءته، تطلعنا على الأفكار والهواجس الأولى التي منها انطلق المشاركون والفنانون والكتّاب الأربعون لكتابة المقالات التوثيقية والتأمليّة والنقديّة داخل المؤلّف الضخم. توجز هاشم في مقدّمتها العمل بأنه «استحضار لنتف من الإرث البصري، ليس من خلال كتابة التاريخ، بل عبر طرح الأسئلة البسيطة ولكن الملحّة» المتأصّلة في لبنان وتاريخه. يتزامن إطلاق الكتاب، مع إشكاليات التصوير المستجدة التي تخرج يومياً من المساحات الافتراضيّة، ومن استخدامات الصورة الهستيرية التي تقترح معاني وتعريفات جديدة، أكثر خفّة ربّما، لفعل التصوير نفسه. يتنبّه المشاركون إلى هذه اللحظة، خلال بحثهم في الصورة التي صنعت من لبنان، وخلقت تجليّاته وتمثيلاته المرئيّة في الوقت نفسه. ونظراً إلى تشعّب الموضوع، وسلسلة الأحداث التي شهدتها مساحة لبنان الجغرافية الضيّقة، يخضع تحرير الكتاب إلى مجموعة من النقاط والعناصر الأساسية التي لا تأتي كخطّ ملتزم بقدر ما توسّع بدورها الهامش الذي تتحرّك داخله النصوص، هي: نظرة المصوّر، وتقنيات الممارسات الفوتوغرافيّة، والمرجع أي الموضوع المجسّد، وحياة الصورة، بعد التقاطها، وما يتعلّق بالمتفرّج الذي يمنح الصورة معنى الذاكرة أو السرديّة. إلى جانب المقالات التي تستعيد حقبات أو تجارب ومقاربات مختلفة وطبيعتي الصورة المادّيّة والسردية، يضمّ الكتاب 380 صورة، تتراوح زمنياً بين صورة داغيرية للفرنسي جوزيف فيليبير جيرو في بعلبك، ومجموعة «مادّة سوداء» للمصوّر اللبناني زياد عنتر. 

قبّة دورس في بعلبك («بيت بونفيس» وتنسب لأدريان بونفيس ــ من مجموعة فؤاد دباس ــ «متحف سرسق» ــ 1885-95).
تقع الصورتان بين مدّة زمنية تصل إلى 165 عاماً. فترة تناوبت فيها الصور التوثيقية والاستشراقيّة والنيغاتيفات المهمَلة والمجموعات العائليّة والأرشيفات الرسمية والصور الفنية والصحافية على رؤية البلاد. انطلاقاً من مجموعة اللبناني فؤاد دبّاس التي تضمّ حوالى 30 ألف صورة، وتعرض في «متحف سرسق»، توغل مسؤولة المجموعات في المتحف ياسمين شمالي في طريقة تفكير الجامع فؤاد دباس في مقالتها «الأساليب المسرحية والتصوير في الشرق». كذلك، تعتمد شمالي على مقاربة ثلاثيّة مستمدّة من المسرح، لفهم العلاقة بين المصوّر الاستشراقي وموضوعه والجمهور في بعض صور بونفيس من بينها صورة التقطها لآثار رومانية في منطقة دورس في بعلبك، يجلس أمامها رجل بدويّ على ظهر جمل، بينما يسند رجل غربي جسده إلى أحد أعمدتها. بعد تشريحها لهذه العلاقة المسرحيّة المركّبة بقيادة المصوّر، تسائل الكاتبة موضوع الصورة، وإن كان مستمدّاً من الموقع الأركيولوجي أم من الناس الذين يسكنونه. 
الأكاديمية ياسمينة جريصاتي الآتية من خلفيّة فلسفيّة، تثير العلاقة بين اللون والحركة في الصورة وكيفية اعتماد كلّ منهما على الآخر، بالاستناد إلى بعض الصور الداغيرية لغابة الأرز في لبنان، وصور أوتوكروم من طرابلس وصولاً إلى صور رانيا اسطفان في مجموعتها «صور غير مرئية للعين المجرّدة» التي تحوّل فيها لقطات من أفلام إلى صور رقمية. تقشّر النصوص طبقات الصور، من منطلقات تأويلية بحثية أو حتى شخصية مثل الكاتبة والممثلة الفلسطينية منال خضر. بعد القدس ورام الله وبرلين ونيقوسيا كان لا بدّ لها من أن تنتهي أخيراً في مدينة مقسّمة أخرى هي بيروت. في نصّها «حين تخبر الصورة قصّة أخرى»، تحاول خضر أن تملأ فراغات ذاكرتها البصرية. هكذا تتقمّص إحدى النساء في صورة لفؤاد خوري التقطت بداية الثمانينيات على خط التماس في المتحف حيث ستنتقل خضر للعيش أخيراً. 

حصان هارب من ميدان سباق الخيل، يتجوّل في قاعة المغادرة في مطار بيروت الخالي عام 1980 ــ المصوّر اللبناني الراحل جورج سمرجيان (1949 ــ 1990)
سريعاً ستظهر الحرب الأهلية كملمح مفصلي وقاطع في الصور وسيرورتها، وتتحلّق حولها التجارب الشابّة اللاحقة. الصورة خلال تلك الفترة شكّلت سرديتها الخاصّة للأحداث. جيل كامل نفذ إلى ذلك الزمن من خلال ما رآه ووثّقه المصورون مثل المصورين الصحافيين ألين مانوكيان وباتريك باز اللذين نقرأ لهما مقابلتين، وفي صور رمزي حيدر وجورج سمرجيان المعروضة في الكتاب. فؤاد الخوري من بين هؤلاء، رافق بعدسته الحرب والفترة التي تلتها أيضاً، إن كان عبر مشاريعه الشخصية أم ضمن المشروع الجماعي الذي صدر عنه كتاب «بيروت، الوسط التجاري». نتعرّف إلى هذا المشروع في مقالة لدومينيك إدّه بعنوان «بيروت، وسط المدينة، 1991». إدّه هي صاحبة الفكرة والمشروع (بدعم من سوليدير)، التي دعت ستة مصورين من العالم من بينهم فؤاد الخوري والأميركي روبرت فرانك والإيطالي غابريال بازيليكو، والسويسري رينيه بوري، والفرنسي ريمون دوبارديو والتشيكي جوزف كوديلكا إلى تصوير وسط المدينة بعد الحرب وقبل الإعمار. تصبح استعادة هذه التجربة، والمرفقة ببعض الصور منها، أشبه بتعويض عن اختفاء معظم النسخ من الكتاب بعد احتراق المستودع حيث كانت موضوعة في بيروت. 
في فترة ما بعد الحرب، تتوقّف كيلين ويلسون – غولدي عند تجربة «المؤسّسة العربيّة للصورة». تعود الباحثة الأميركية إلى بدايات المؤسّسة، وأدوات عملها، وتزامنها مع فترة الانفراج المزعوم حينها، وتجميعها الأرشيف من المكسيك وأفريقيا وأنحاء العالم. واجهت المؤسسة صعوبات تمويلية هدّدت استمراريتها، وأخرى متعلقة بتطوّر التصوير، ما دفعها إلى رقمنة أرشيفها الذي مدّ صلات بين الوثيقة والحداثة. من أرشيف المؤسسة، بدأ أكرم زعتري أعماله واختباراته التصويرية حول التاريخ والذاكرة والحاضر ضمن جيل تطلق عليه حنة فلدمان تسمية «جيل الأرشيف» في بيروت، الذي ضمّ أيضاً وليد رعد، وجوانا حاجي توما، وخليل جريج، ومروان رشماوي وربيع مروّة… 

مبنى العازارية في وسط بيروت عام 1991 ــ المصوّر الإيطالي غابريال بازيليكو (1944 ــ 2013)
في مقالتها «العالم على السطح»، تركّز الأكاديمية الأميركيّة على تجربتي زعتري ورعد من بين هؤلاء، على ضوء الطابع الفانتازي للتاريخ الذي يحييه استثمارهما الخيالي/ الحقيقي في الأرشيف. لكن الكاميرا أحياناً، كانت كستارة يتهرّب منها المصوّر من الرؤية. يدرج الفنان ميشيل لاسير أعمال الفنانة باولا يعقوب ضمن هذه الخانة في مقالته «أسباب هذه الصور، أو كلب مورياما»، حيث تبدو عدستها كما لو أنها تتفادى الحرب، عبر تصويرها بؤراً خضراء وأطفالاً وأبنية عشوائية، بعيداً عن مشهدية الدمار والدم التي كانت سائدة خلال الفترة التي التقطت فيها الصور وسط المدينة في الثمانينات. لكن الحرب ليست كل شيء. هناك حيوات سابقة لها. امرأة تتجوّل في المكان نفسه في ساحة الشهداء في الخمسينيات. ترتدي في بعض الصور الحذاء أو الفستان نفسيهما. تنظر إلى الكاميرا بدهشة، وتتخلف عن رؤيتها في مرّات أخرى. يبحث جورج بستاني في «صور الدهشة» عن هذه العلاقة وطبيعتها بين مصوّر مجهول، وامرأة مجهولة أيضاً، تتمّ على مرأى من المدينة وحركيّتها في ذلك الوقت. وإلى ما قبل ذلك الوقت، تأخذنا هدى قساطلي في مقالتها إلى صورة الهجرة، التي كانت تُحمّل بمشاعر ووجوه أكثر مما لقدرة صورة على احتمالها.

مجموعة من النساء في حديقة بيت آل الخازن في زغرتا عام 1920 ـ للمصوّرة اللبنانية ماري الخازن (1899 ــ 1983 من مجموعة محسن يمين)
تفنّد قساطلي الدور الاجتماعي لهذه الصورة التي تزامنت مع موجات الهجرة الواسعة للبنانيين خلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين، ورافقتها أساليب تصوير محترفة في الاستديو، سرعان ما تم التخلي عنها حين صارت الكاميرا متاحة. لن تسمح المساحة هنا للتوسع أكثر في الكتاب الذي يمكن قراءته عبر خطوط سردية أخرى، منها عبر الصور وحدها التي لا يخضع عرضها لتراتبيّة زمنية. من مقابلة مع إيتيل عدنان حول ذاكرتها الفوتوغرافية، سننفذ إلى لقطات مانوغ أليميان الساحرة للجغرافية اللبنانية في الستينيات في البقاع وبرمانا وبعلبك، ثم إلى صور رولاند صيداوي خلال الفترة نفسها أيضاً. هناك اللقطات الجوّية للمساحات اللبنانية التقطت خلال الانتداب الفرنسي، ونيغاتيفات عُثر عليها في مبنى بركات، ومشاهد أولى المصوّرات اللبنانيات ماري الخازن.

ستظهر الحرب الأهلية كملمح مفصلي وقاطع في الصور وسيرورتها، وتتحلّق حولها التجارب الشابّة اللاحقة

يستعيد فؤاد الخوري تجربة الخازن التوثيقية للتقاليد والمناطق المحلية. سنوات طويلة تفصلها عن الجيل الأحدث من المصوّرات اللبنانيات مثل رندا ميرزا وتانيا طرابلسي ولارا تابت وميريام بولس ورشا كحيل ولميا جريج ورانيا مطر وأخريات ممن اقتحمن الصورة بأسئلتهن عن الجسد والهوية الفردية. أسئلة كهذه لا تنفصل عن أسئلة الانتماء الأشمل للبلاد. في مقاله «فضاءات شخصية، فضاءات عامّة»، يرصد غريغوري بجاقجيان تجسيدات هذه الأسئلة في صورهن. في غرف النوم، والأسرّة والبؤر الحميمية، التي تشرّعها المصوّرات أحياناً على المساحات الخارجية الطبيعية والمدينية في لبنان، كما في صور بعض الفنانين مثل نديم اصفر وجيلبير الحاج. يوثّق الكتاب الضخم لمسار شامل من التحوّلات الفوتوغرافيّة والحقبات التاريخية في البلاد، ويثير إشكاليات لانهائية تتعلّق بالصورة وطبيعتها وتقنياتها واستخداماتها المحليّة. لكنه، رغم ذلك، يبقى مجرّد مقدّمة للتصوير والإرث البصري في لبنان الذي لا يزال يحتاج إلى التنقيب الطويل، والبحث، واكتشاف وجوه وتجارب فوتوغرافيّة جديدة لم يُكتب عنها سابقاً.


حبذا لو… بلغة الضاد
في نهاية الكتاب، مجموعة من التعريفات لمصطلحات وتقنيات فوتوغرافيّة، كانت ستكون أكثر فعالية لو أننا استطعنا قراءتها باللغة العربيّة. إن لم يكن من سيترجم هذه المصطلحات إلى لغة الضاد من المتخصصين في الصورة، فستبقى عالقة، حيث نادراً ما تترجم، في التعريب الركيك الذي لا يلامس المعنى حتى. غياب العربية عن الكتاب الذي صدر بالفرنسية والإنكليزيّة، لا يمكن تجاهله ولا تجاهل الشريحة الكبيرة من اللبنانيين التي يستثنيها محرّرو الكتاب باتّباعهم السياسات التحريرية لمعظم الكتب الفنية التي تستبعد العربيّة غالباً. لكن كيف إذا كان كتاباً عن الفوتوغرافيا في لبنان؟ إنه قبل كل شيء كتاب تاريخي آخر، للصورة أوّلاً، وللتاريخ البديل الذي قدّمته هذه الصور، والذي يعني بشكل أساسي المواطنين اللبنانيين، ووعيهم البصري وذاكرتهم الجماعية. لكن هؤلاء محرومون أساساً من رؤية الأرشيف الصوري لبلادهم، إلا في المعارض أحياناً، إذ أنه يقبع في المجموعات الفردية، أو لدى المؤسّسات الخاصّة التي يتطلّب الوصول إليها إجراءات معقّدة، مع غياب أيّ حضور للدولة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*